رؤية في المستجدات /

تركيا في رباط.. فمن ينصرها؟! [ تقرير ]

[ الجمعة 4 صفر 1438 هـ ] [ 561 ]

فقه ما يجري في العراق وسوريا يمثل مدخلا مهما في النظرة الشرعية للتدخل التركي العسكري في هذين البلدين. وفي حال الخطأ في تقدير الواقع الجاري بكل أبعاده وتفاصيله فإنَّ النظرة الشرعية ستكون خاطئة، وقد تتسبب بانتكاسة السُّنَّةِ في المنطقة، وتغلب الطائفية الشيعية على الغالبية السُّنيَّة العُظمى هناك. والأمر لا يتوقف على خلاف سياسي، أو تباين فكري، بل على رؤية عقدية تكفيرية استئصالية متطرفة، تتحالف مع كل القوى لإقامة مذهبها الخاص، على أنقاض الأمة الإسلامية.

وقد اختصر نوري المالكي -رئيس الوزراء العراقي السابق- المشهد القادم عقب الموصل في قوله: "أنا أرى على مستوى مواجهة هؤلاء الإرهابين أن عمليات (قادمون يا نينوى) تعني في وجهها الآخر (قادمون يا رقة)، (قادمون يا حلب)، (قادمون يا يمن)، قادمون في كل المناطق التي يقاتل فيها المسلمون الذين يريدون الارتداد عن الفكر الإسلامي"! وهو يوسع دائرة معركته في هذه الجغرافية بعد حديثه عن "الفكر التكفيري الإرهابي الدخيل على الاسلام"، الذي جعل الشيعة منه منطلقا لحروبهم الطائفية[1].

"داعش" في الحسبة التآمرية:

خلال أكثر من أربع سنوات سمحت حكومتا العراق وسوريا لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الموصوف بـ"داعش" للتمدد في المناطق السُّنيَّة المحاذية لتركيا. وسهلتا له الوصول إلى حواضر السنة في المنطقة، ومن بينها الموصل، تاركة له مخازن السلاح والذخيرة والمعدات العسكرية والموارد المالية الضخمة. فنشاء كيان هلامي عبر امتداد الجغرافية السنية بين العراق وسوريا، يمثل واجهة لـ"الإرهاب" المستهدف عالميا.

لقد كان الأمر بهذا المخطط يقضي بعدة أمور:

  • تحويل المناطق السُّنية من مناطق ثورة وكفاح ضد الظلم والاستبداد والأنظمة الفاشلة، إلى بؤر تهدد دول العالم وتستدعيها لقتالها. وبالفعل أعطى بروز مليشيات "داعش" و"القاعدة" على الساحة السنية في العراق وسوريا للدول العظمى مبرر التهجم والتدخل وإرباك المشهد الداخلي تحت ذريعة "الإرهاب".
  • إيجاد قوة ضاربة تطعن الحركات الثورية الأخرى في ظهرها، وتستبد بالمشهد ولو على حساب القضاء على مخالفيها، في صورة كيان "دولة" مفرغ من محتواه الحقيقي. وهو ما تمَّ وأوقع فتنة داخلية في صفوف الثورة العراقية والسورية على حدٍّ سواء. وعوضا عن أن تتحد الفصائل ضد العدو الأصيل، ذهبت في مواجهة بعضها البعض، وتصفية خيرة القيادات والخبرات والشباب.
  • تحشيد المجندين الراغبين في الجهاد وإقامة دولة إسلامية من أقطاب الأرض، لإبراز خطر الوجود الإسلامي في تلك الدول وتهديده لها؛ كما حدث مع دول الاتحاد الأوروبي التي بدأت تضيق الخناق على الوجود الإسلامي في أراضيها، وتمنع المزيد من الهجرة إليها.
  • تشويه صورة الإسلام، وصورة الدولة الإسلامية الموعودة، بالممارسات العملية التي ينفذها تنظيم "داعش" ويقوم بنشرها، متباهيا بها ومقدما لها باعتبارها الإسلام! وليس أي إسلام إنه بالطبع "الإسلام السُّني"! وفي حين تغفل كاميرات العالم صور جرائم المليشيات الشيعية الطائفية التي ترتكب في العراق وسوريا واليمن، تركز اهتمامها على ممارسات "داعش" الإجرامية فقط!
  • تأسيس بؤرة توتر في خاصرة تركيا، لتظل مهددة بهذا النموذج "الإسلامي" المنافس، والذي يمكنه استغلال الدعاية لنموذجه لمهاجمة تركيا وتهديد أمنها واستقرارها. وهو ما ترجم مؤخرا بعمليات إرهابية جرى تنفيذها من قبل التنظيم في عمق الأراضي التركية، وليس على حدودها فقط.[2]
  • إعطاء الحراك الشيعي ذريعة التحرك والتجييش والقتال تحت راية عدة، من طهران وحتى بيروت، مرورا ببغداد ودمشق. وهو ما يشار له في العراق بـ"الحشد الشعبي"، وهو حشد شيعي طائفي بامتياز[3]. كما أنَّ "حزب الله" وغيرها من الفصائل الشيعية حاضرة وتقاتل إلى جانب نظام الأسد ضد من يصفهم بـ"الدواعش". وهو ذات الشعار الذي يسم به "الحوثيون- أنصار الله" مخالفيهم في اليمن.

وعقب تحقيق المآرب الخبيثة تشكل تحالف دولي واسع، ضمَّ أكثر من خمسين دولة، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وشاركت فيه دول إسلامية وعربية، للقضاء على هذا التنظيم. وجرى الإعلان على أن القضاء على داعش سيتطلب سنوات. وباسم محاربته يجري استنزاف ثروات الدول الإسلامية والعربية بشكل رهيب.[4]

تركيا والدور المحوري:

تمثل تركيا اليوم، وفي ظل قيادة "حزب العدالة والتنمية"، دولة إسلامية صاعدة على المستوى الاقتصادي والسياسي معا. وهي تواجه نتيجة التحولات التي تشهدها منذ تربع "العدالة والتنمية" على السلطة مؤامرات عدة تهدف إلى إسقاط الحزب، وإعادة تركيا إلى "بيت الطاعة"!، وإيقاف المشروع النهضوي في تركيا، والذي يقدم نموذجا إسلاميا حضاريا منافسا للغرب، ومتمكنا من الإمساك بزمام القوة المعرفية والتقنية والمادية والعسكرية.

وهي بموجب موقعها الجغرافي المجاور لسوريا والعراق معا، عبر حدود تمتد على طول امتداد حدودها الجنوبية، تكون معنية بما يجري في هذين البلدين. خاصة وأن هناك انعكاسات فعلية وقعت على تركيا نتيجة الوضع في العراق وسوريا، أهمها نزوح عدد كبير من اللاجئين إليها فرارا من الأوضاع المتردية وحالة الاحتراب الداخلي السائدة في البلدين[5]؛ هذا خلافا للآثار الاقتصادية والتجارية والأمنية التي انعكست على الداخل التركي كذلك.

وعقب الانقلاب الفاشل الذي سعى للإطاحة بـ"العدالة والتنمية" في تركيا، في 15 يوليو من العام الجاري (2016م)، استشعرت تركيا حجم التآمر الذي يحيط بها ويستهدف وجودها ومشروعها النهضوي. وعزمت القيادة السياسية بزعامة الرئيس التركي طيب رجب أردوغان على معالجة الملفات الإقليمية بشكل مختلف، وعبر حضور تركيا المباشر فيها.

لذا عملت تركيا على الدخول إلى سوريا ودعم الجيش الحر لفرض منطقة آمنة شمال سوريا بمحاذاة حدودها الجنوبية. وقد بدأت هذه العملية بتحرير مدينة "جرابلس" –شمال سوريا، في 24 أغسطس، من تنظيم "داعش"، فيما باتت توصف بعملية "درع الفرات". وبالفعل استطاعت الفصائل السورية مدعومة من قبل الجيش التركي من تحرير عدد من القرى والمناطق التي اتخذها التنظيم مسرحا لعملياته.

ومع أحداث الموصل الأخيرة، وتقدم قوات الجيش العراقي مسنودة بالحشد الشعبي "الشيعي الطائفي"، حضرت تركيا مجددا في الساحة كعامل توازن وقوة كبح تستهدف إيقاف عمليات التطهير العرقي والقتل والإجرام التي سبق وأن ارتكبتها قوات الحكومة العراقية التابعة لرئيس الوزراء الشيعي حيدر العبادي، وقوات الحشد الشعبي، في محافظة الأنبار وغيرها. فالقوات التركية حاضرة قرب الموصل، فهناك قرابة ألفي جندي تركي يقومون بتدريب مجموعات سنية من نينوى، وقوات البيشمركة، للمساعدة في استعادة الموصل. فتركيا تخشى من أن يكون للتطورات في العراق تداعيات على أمنها القومي. وقد اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحشد الشعبي بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني المحظور.

وتأتي جهود تركيا في الموصل لمحاربة تنظيم "داعش" والوقوف ضد الأعمال الإرهابية التي قد تمارسها قوات الحشد الشعبي وقوات العبادي الطائفية. وقد وعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أنقرة "لن تترك الموصل تقع في إيدي الإرهاب"؛ وأضاف: أنَّ على السعودية وتركيا عدم السماح لـ"سيادة طائفية" على الموصل. وأضاف أنَّ الذي سيبقى في الموصل بعد تحريرها هم: "أهالي الموصل، وهم من السنة العرب، والسنة التركمان، والسنة الكرد، ويجب ألا يدخل الحشد الشعبي للموصل".[6]

وقال: إن بلاده عازمة على القضاء على الإرهاب في سوريا والعراق، بهدف ما وصفه تطهير الحدود التركية من خطر العمليات الإرهابية؛ مضيفا بأن تركيا لن تسمح بأن تتسبب عملية القضاء على داعش في الموصل في "دماء ونار" بالمنطقة لما سيترتب عليها من صراع طائفي. وقال مُعرِّضا بدول التحالف القادمة من وراء البحار: "بعض الدول تأتي من على بعد آلاف الكيلومترات لتنفيذ عمليات في أفغانستان وغيرها في كثير من المناطق بدعوى أنها تشكل تهديدا لها، بينما يقال لتركيا -التي لها حدود بطول 911 كلم مع سوريا و350 كلم مع العراق- إنه لا يمكنها التدخل لمواجهة الخطر هناك.. نحن لا نقبل أبدا بهذا المنطق الأعوج".[7]

وتوعد أردوغان في حال أقصيت تركيا من عملية تحرير الموصل بـ"خطة بديلة"، وقال: مصرون على أن نشارك ضمن قوات التحالف في العراق من أجل وحدة العراق وتماسكه.[8] كما أكد بأنَّ بلاده لن تسمح بمعارك طائفية في الموصل، بتسليم المدينة إلى منظمة إرهابية أخرى. وقال: "ديننا الوحيد هو الدِّين المـُبيَّن، دِينُ الإسلامِ الحنِيفِ، والأمور الأخرى هي تأويلات ومذاهب، وهي ليست دينا"[9].

إن تركيا تعي المخاطر المترتبة على عملية تحرير الموصل، وأثارها المدمرة في حالة شهدت تصفية طائفية، وقتلا على الهوية[10]. وهي من أبرز المتضررين في هذه الحالة، فمن مصلحتها السياسية والأمنية والاقتصادية إيقاف أي جريمة يمكن أن ترتكب في الموصل، فضلا عمَّا يتطلبه الموقف الديني والأخلاقي. وهو ما يجعل القيادة التركية مصرة على المشاركة في العملية، بل وفيما هو أبعد من ذلك، المفاوضات التي ستتم حول مستقبل الموصل[11].

بغداد متذمرة:

على الرغم من أن حكومة بغداد هي من طلب رسميا -في وقت سابق- من تركيا حماية معسكر "بعشيقة"، إلا أنَّه وتحت ضغوط إيرانية وغربية بدت بغداد منزعجة ومتذمرة من الوجود التركي على مشارف مدينة الموصل. وعلل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي موقفه الداعي لسحب القوات التركية بأنها "تعرقل" جهود استعادة السيطرة على مدينة الموصل!

وقد وصف حكومة العبادي القوات التركية بالاحتلال، وطالبت بسحبها؛ وذلك على إثر رفض تركيا مشاركة قوات الحشد الشعبي "الشيعية" في عملية تحرير الموصل. يأتي هذا الموقف متناغما مع تأكيد قيادة التحالف الدولي أنَّ أيَّ تدخل لقوات أجنبية في معركة الموصل يجب أن يأتي بموافقة من القيادة العراقية في بغداد!

إيران ليست بعيدة من المشهد، فالمليشيات الشيعية الطائفية المتغلبة على الساحة العراقية تتمتع بدعم ورعاية طهران، كما أنَّ إيران حاضرة بسوريا بفعالية قصوى خلف نظام الأسد المنهار أساسا. لذلك فإنَّ المواقف العراقية لا يمكن فصلها عن السياسة الإيرانية في العراق؛ وهو ما فهمته القيادة التركية وألمحت إليه.

خلاصة:

من هنا يمكن القول أن تدخل تركيا في سوريا والعراق يأتي للوقوف ضد أي تهديد يمس أمنها واستقرارها، وللوقوف إلى جانب المستضعفين السُّنة الذين تتكالب عليهم قوى الطائفية الشيعية والغرب الصليبي، وتطعنهم جماعات الغلو المتطرفة في الظهر. فهي تمثل –قدر استطاعتها- سدا أمام زحف المليشيات الشيعية على المنطقة وانهيار معاقل السنة فيها: الموصل وحلب!

 

[1] في كلمة له، خلال مؤتمر الصحوة الإسلامية في العاصمة العراقية بغداد، 22 أكتوبر 2016م.

[2] في 3 نوفمبر وفي تسجيل صوتي نشرته مؤسسة الفرقان التابعة لتنظيم "داعش"، دعا أبو بكر البغدادي -زعيم التنظيم مقاتليه أن يطلقوا نار غضبهم على القوات التركية، ونقل المعركة إلى تركيا، كما دعا أتباع التنظيم إلى شن هجمات في السعودية، واستهداف قوات الأمن، ومسؤولي الحكومة، وأعضاء العائلة الحاكمة، ووسائل الإعلام.

[3] تثني القيادات الأمريكية السياسية والعسكرية على سياسات الحكومة العراقية الطائفية والحشد الشعبي "الشيعي" الموالي لها. يقول المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية الأدميرال جون كيربي، في مقابلة تلفزيونية لقناة "سي إن إن"، في 4 يونيو 2015م: "نحن نعترف بأن التنظيم خطير جدا وسيستمر بالمحاولة للسيطرة على أراض جديدة وسيتمكن من السيطرة على مناطق جديدة، لا يوجد شك في ذلك"، وقال: "الحل -كما أوضحناه- ليس عسكريا فقط، بل سيكون النجاح النهائي عندما يكون هناك جسد سياسي ناجح في العراق وسوريا، وهذا ما بدأ في العراق في حكومة العبادي والإصلاحات التي يقوم بها". ما هو مفهوم "الجسد السياسي" الناجح في العراق وسوريا سوى الحكومات الشيعية الطائفية؟!

[4] قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية الأدميرال "جون كيربي"، في مقابلة تلفزيونية لقناة "سي إن إن"، في 4 يونيو 2015م: إن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية قد تستغرق "ثلاث إلى خمس سنوات". وفي 25 أكتوبر 2015م أعلن التحالف بقيادة الولايات المتحدة أن القضاء على التنظيم في العراق سيستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات. وهو ما أكده وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" لاحقا، في مقابلة تليفزيونية، في 26 مارس 2016م: إن أن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية سيستغرق "سنوات"!

وذكرت قناة "الحرة"، في 17 يونيو 2015م، أن الولايات المتحدة الأمريكية تنفق تسعة ملايين دولار يوميا في حربها ضد تنظيم "داعش"؛ وأن الكلفة الإجمالية للحملة كلفت وزارة الدفاع الأمريكية 2.7 مليار دولار في الأشهر العشرة الأخيرة. أي أنه ووفق لعملية حسابية بسيطة –حسب الحرة- تعطي نتيجتها رقما من حوالي عشرة مليارات دولار في حال استمرت الحرب على "داعش" ثلاث سنوات.

[5] يتجاوز عدد اللاجئين السوريين بتركيا مليونين ونصف المليون لاجئ.

[6] كوردستان 24، في 3/10/2016م.

[7] الجزيرة، في 12/10/2016م

[8] بي بي سي، في 14/10/2016م.

[9] وكالة أنباء الأناضول، في 15/10/2016م.

[10] قال المتحدث باسم الحكومة التركية نائب رئيس الوزراء نعمان كورتولموش إن "المجازفة بتغيير التوازن الديموغرافي والمذهبي في الموصل" قد تترتب عنه "عواقب خطيرة". دي دبليو، في 17/10/2016.

[11] أكد الرئيس التركي أن تركيا ستكون في الميدان، وعلى طاولة المفاوضات بخصوص الموصل. الجزيرة، في 19/10/2016م.