النص و التأويل /

دعوى الخيال في القصص القرآني! [ مقال ]

[ الثلاثاء 1 صفر 1438 هـ ] [ 881 ]

ليس من المستغرب على بعض مؤرخي الغرب أن ينكروا حدوث كثير من القصص التاريخي الوارد في القرآن، أو في كتابهم المقدَّس، سواء كان ذلك المؤرخُ يهودياً كـ"وِل ديورانت" الذي زَعمَ أنَّ قِصةَ "شاؤل" –أي طالوت- وداود قِصَّةٌ مَوضُوعةٌ مِن روائع الأَدب؛ أو كان المؤرخُ نصرانياً كـ"أرنولد توينبي" الذي ادَّعى أنَّ مُوسى –عليه الصلاة والسلام- بَطلٌ فولكلوري أُسطُوريٌ، وقد يكون شخصاً حقيقياً.

وقد أنكر كثيرٌ مِن عُلماءِ الغَربِ حُدوثَ كثيرٍ مِن القصص التوراتي، حينما أدخلوا في معايير نقدهم التاريخي عِلمَ "الآركيولوجيا". وأصبح إثبات التاريخ والأحداث عبر ما يحصلون عليه من الآثار والأحفورات. ولكن العجب كل العجب حينما ينبري أناس ممن ينتسبون للإسلام، ويزعمون أن القصَّصَ القرآنيَّ ضربٌ مِن ضُروبِ الخيالِ، وليس له رَصيدٌ مِن الواقع، وإنما ذكره الله في القرآن مِن أجل العظة والعبرة فقط, أي مثلَ المرويات الحديثة التي يخترعها القصاص!

وتولى كِبر هذه الدعوى في عصرنا الحديث أمين الخولي[1] وتلميذه محمد أحمد خلف الله[2]، والذي تقدم برسالة دكتوراه في عام 1947م بعنوان (الفن القصصي في القرآن الكريم)؛ يصف القرآن فيها بأنه "أساطير"، كما وصفه به المشركون من قبل! ويستدل على هذا بأنَّ القرآن عُرِضَ مَرَّة واحِدة للرد على المشركين: "في قولهم بأنَّه أساطيرٌ، وهي المرة التي ترد في سورة الفرقان، وهذه هي الآيات: ((وقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكرَةً وأَصِيلاً * قُل أَنزَلَهُ الَّذِي يَعلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيما))، فهل هذا الرَّدُّ ينفي ورود الأساطير في القرآن؟ أو هو ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتبها وتملى عليه ويثبت أنها من عند الله... إذا كان هذا ثابتاً فإنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير، لأننا في ذلك لا نقول قولاً يُعارضُ نصاً من نصوص القرآن"[3].

ثم هو يستدل لكل ذلك بالمذهب الأدبي المعتمد على العقل، إذ قال: "فطن العقل الإسلامي إلى أن هذه الأشياء لا تفهم على أنها الحق التاريخي والواقع العلمي إلا بضروب من التأويل، ولو أنَّ العقل الإسلامي أقام فهمه للقصص القرآني منذ اللحظة الأولى على المذهب الأدبي لما احتاج إلى هذه التأويلات"[4].

وكتب عن الرسالة أحد أعضاء اللجنة الذين اشتركوا في مناقشة الرسالة، وهو الأستاذ أحمد أمين، تقريرًا بعث به إلى عميد كلية الآداب، ونشر في مجلة (الرسالة)، وقد تضمن التقرير نقدًا لاذعًا لما كتبه الطالب الجامعي، وإن كان أستاذه المشرف قد دافع عنه.

وصدَّر الأستاذ أحمد أمين تقريره بالعبارة الآتية: "وقد وجدتها رسالة ليست عادية، بل هي رسالة خطيرة، أساسها أن القصص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خَلقٍ وابتكار، من غير التزام لصدق التاريخ. والواقع أن محمدًا فنان بهذا المعنى"! ثم قال: "وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها. وإنِّي أرى من الواجب أن أسوق بعض أمثلة توضح مرامي كاتب هذه الرسالة وكيفة بنائها"، ثمَّ أورد أمثلة منتزعة من الرسالة تشهد بما وصفها به من هذه العبارة المجملة[5]؛ كادعاء صاحب الرسالة أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادث تصويرًا فنيًا، وزعمه أن القرآن يختلق بعض القصص، وأن الأقدمين أخطأوا في عدّ القصص القرآني تاريخًا يعتمد عليه، ونسي هذا المتهجم على تاريخ القرآن أنَّ كثيراً من المؤرخين يعتمدون على كتب الأدب القديمة لمعرفة مجريات التاريخ والأحداث، ككتابات "كونفوشيوس"، وإلياذة "هوميروس"، أو (المعلقات) الشعرية الجاهلية أو غيرها، كمرجعية تاريخية صادقة لديهم، ثم يأتي هذا ليقول أن القرآن مجرد كتاب أدبي ليس إلا! مع أنه لا مجال للمقارنة بين كلام الله وكلام البشر.

ثم خرج بعد محمد أحمد خلف الله مَن يُنكِرُ حُدوثَ القصص القرآني من المسلمين، تقليداً لمدرسة نقد التاريخ الغربية، والقائمة على علم الآثار. إلا أنَّ الفرق بينهما أنَّ أصحاب النقد بـالمذهب الأول ينطلقون من منطلق الدين وأولئك ينطلقون من منطلق علوم الدنيا.[6]

ومع أن كثيراً من الدراسات الحديثة تؤكد وجود آثار واضحة لما ذكره التاريخ القرآني، ويتجلى لنا يوماً بعد يوم صحة ودقة النص القرآني التاريخي، إلا أنها تبقى مجرد نظريات وفرضيات، ويبقى القرآن هو الأساس التاريخي الذي لا يقبل الرد.

ويردُّ الشيخ محمود شلتوت على هذه الفكرة الدخيلة بقوله: "بقي أن جماعة من متفلسفة هذا العصر حاولوا أن يعيدوا بعض الآراء لقوم حكّموا عقولهم فيما قصه الله, فقالوا: إنّ مثل هذا القصص لا يلزم أن يكون صادقاً يحكي واقعاً صحيحاً... وهذه الآراء -فضلاً عن مالها من نتائج سيئة- تذهب بقدسية القرآن من النفوس، وتزيل عنه روعة الحق، وتزلزل قضاياه في كل ما تناوله من عقائد وتشريع وأخبار ماضية وأحوال مستقبلة"[7].

إنه ليس من شَكٍّ في أنَّ القرآن الكريم -كمصدر تاريخي- يمثل أصدق المصادر وأصحها على الإطلاق. فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه بحال من الأحوال, لأنه ذو وثوقية تاريخية لا تقبل الجدل, ولم يلتبس بشيء من الخيال[8]. فهو كما قال الله سبحانه: ((إنَّ هَـذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ ومَا مِن إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وإِنَّ اللّهَ لَهُو العَزِيزُ الحَكِيمُ))، آل عمران: 62. وأرسل رسوله بالحق: ((إِنَّا أَرسَلنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيراً ونَذِيراً))، فاطر: 24، ((والَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ مِن الكِتَابِ هُو الحَقُّ مُصَدِّقاً لـِمَا بَينَ يَدَيهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ))، فاطر: 31. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.

 

[1] هو الذي قال في تقديمه لرسالة (الفن القصصي): "فلو لم يبق في مصر والشَّرق أَحدٌ يقول أنَّه حَقٌّ لقُلتُ وَحدِي وأنا أُقذَفُ في النار أنه حَقٌ حَقٌ"!

[2] نسب بعض الباحثين هذا القول إلى محمد رشيد رضا، وأستاذه محمد عبده، واعتمدوا في هذه الدعوى على قولهم في تفسير المنار: "ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية, إذ يراد أن من شأن مثلها في وضوحه أن يكون معلوماً حتى كأنه مرئي بالعينين"، [2:457] وعلى عبارات غير هذه، ولكنها موهمة. انظر: منهج المدرسة العقلية، فهد الرومي: ص457. وأنبه هنا أن العبارة السابقة جاءت مقيدة بتفسير قول الله تعالى: ((ألم تر إلى اللذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف.. الآية))، البقرة: 244. والقول فيها بأنها للتمثيل قَولٌ قابلٌ للاجتهاد، وهو منقول عن عطاء -رحمه الله. انظر: تفسير ابن كثير: ج1/320.

[3] الفن القصصي في القرآن الكريم، محمد أحمد خلف الله, مكتبة النهضة المصرية، ط1/1950م: ص179- 180.

[4] المصدر السابق: ص44.

[5] انظر: نقد كتاب (الفن القصصي في القرآن)، محمد الخضر حسين: ص94.

[6] أطال د. عدنان زرزور الرَّدَّ على كِلا الطَّائفتين. انظر: علوم القرآن: ص362- 368.

[7] تفسير القرآن الكريم، محمود شلتوت, دار الشروق، القاهرة، ط6/1394هـ: ص273.

[8] انظر: دراسات في تاريخ العرب القديم، د. محمد بيومي مهران, جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط2/1400هـ: ص39.