أصول و محكمات /

موقف السلفية من التكفير [ مقال ]

[ الاثنين 30 محرّم 1438 هـ ] [ 907 ]

بدعة التكفير من أَشدِّ البدع التي عصفت بالأمة، واستحل أصحابها دماء المسلمين، ولم يفرقوا بين برٍّ وفَاجِرٍ، ولم يَفوا لذي عهد بعهده. وهي من أوائل البدع ظهورا، فقد ظهرت في الخوارج، ثمَّ تلقفتها بقية الفِرقِ الكلامية المنشقة عن أهل السنة والجماعة، حتى صَارَ تكفير أَهلِ القِبلةِ بالظَّن شِعارًا لهم. ولم يزل بهم الأمر حتى كَفَّر بعضُهم بعضًا. فالإمام البغدادي يقول، في كتابه (الفَرقُ بين الفِرقِ، ص153): "فهذا راهب المعتزلة، قال بتكفير شيوخه، وقال شيوخه بتكفيره، وكلا الفريقين محق في تكفير صاحبه". ولم يكن المنهج السلفي بمنأى عن هذا النقاش، بل كان حاضرا في كل القضايا يبرز موقفه الشرعي، ويبين خطأ مخالفيه، فما هي معايير المنهج السلفي في هذه القضية؟

فكرة التكفير في حد ذاتها مقبولة من الناحية العقلية، فكُلُّ فكرةٍ لابُدَّ أن تَضعَ حَدًا ذهنيا لها. فلا يمكن لفكرة أن تستوعب البشر جميعا بتناقضاتهم، وتقبلهم على ما هم عليه، مما قد يناقض أصلها. لكن التكفير -كحكم شرعي- ينبغي أن يكون مرد ضوابطه ومعرفة مستحقيه إلى الشرع. وهذا ما ميز المنهج السلفي عن غيره. فلا يكفر بناء على أصول اخترعتها عقول أصحابه، أو اصطلحوا عليها، بل لا يقبل هذا الحكم إلا إذا ورد الشرع به. ولذلك كان في المنهج السلفي ميزتان:

  • حفاظه على الدِّين، أن يَدخُل عليه ما ليس منه، كالبدع وغيرها.
  • وحفاظه على أَهله، أن يَخرُج عن الدِّين بالظَّن مَن هو مِن أهله.

وهذه الأخيرة هي مربط الفرس.

وقد حمى المنهج السلفي أتباعه من الغلو في تكفير أهل القبلة بإجراءات وقائية، عُرِفَت عندهم بضوابط التكفير وموانعه. وسوف نفصل الضوابط والموانع في هذه الورقة القصيرة بعيدا التطويل الممل والاختصار المخل.

ضوابط التكفير:

إذا كتب الله أنَّ المـُكلَّف مِن المـُنتَسِبين إلى القبلة وَقعَ في الكُفر فإنَّه لابُدَّ قَبلَ الحُكمِ عليه مِن استحضار ضَوابِط دلَّت نصوصُ الكتَاب والسُّنة على اعتبارها، أولها:

  • الحكم على الظاهر:

وهذه مسألة مهمة في الحكم على الناس. فلا يكون الحكم مبنيا على ظَنٍّ، ولا على وَهمٍ، بُدونِ بيِّنةٍ. وهذا أَصلٌ مقطوعٌ به في النصوص الشرعية. فالنبي -صلى الله عليه وسلم، مع أنَّه مُخبَرٌ بالوحي، إلا أنَّه أَجرَى على المـُنافقِين أَحكَامَ الظَّاهِر، وحَكَمَ لهم بالإسلام. فلم يقتلهم، ولم يأَمُر نِساءَهم بالخروج من بيُوتهم، ولم يَمنَع أَبناءَهم مِن وِرَاثتِهم.

ومن أدلت ذلك، قوله -صلى الله عليه وسلم: (أُمِرُت أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يشهَـدوا أن لا إلــه إلَّا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله، ويُـقيمُـوا الصلاة، ويُؤتُوا الزكاة؛ فإذا فَعَلوا ذلك عَصَموا منِّي دِماءَهم وأَموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ، وحِسابُهم على الله تعالى)[1].

قال ابن رجب: "وأمَّا في الآخِرةِ فحِسَابُه على اللهِ -عزَّ وجلَّ، فإن كان صَادقاً أدخَلَه الله بذلك الجنة، وإن كان كَاذِباً فإنَّه مِن جُملَةِ المنافقين في الدَّركِ الأَسفَلِ مِن النَّار"[2]. وقال الحافظ -في الفتح: "أيُّ أَمرُ سَرائِرهم.. وفيه دَليلٌ على قَبولِ الأَعمَالِ الظَّاهِرةِ والحُكمِ بما يَقتَضيه الظَّاهِرُ"[3]. وقال الإمام البغويُّ: "وفي الحديث دَليلُ على أنَّ أُمورَ النَّاسِ في مُعامَلةِ بعضِهم بَعضاً إنَّما تُجرَي على الظَّاهِر مِن أَحوالِهم دُونَ باطِنِها، وأنَّ مَن أَظهَرَ شِعارَ الدِّينِ أُجرِيَّ عليه حُكمُه، ولم يُكشَف عن بَاطِن أَمرِه، ولو وُجِدَ مَختُون فيما بينَ قَتلَى غُلف، عُزِلَ عنهم في المدفَنِ، ولو وُجِدَ لقَيطٌ في بَلَدِ المسلِمين حُكِمَ بإسلامِه"[4].

والمقصودُ بهذا أنَّ الكُفرَ ليس كالإسلام، فالإسلامُ حُكمٌ على الظَّاهر، والكُفرُ حُكمٌ على الظَّاهِر والبَاطِن، فلا يَصحُّ الحُكمُ على مُعيَّنٍ بالكُفرِ مع احتمالِ أن يكون غَيَر كَافِرٍ على الحقيقة. ولذلك وَجبَ النَّظرُ إلى قوله وفعله، هل هما قطعيان في الكفر، أم يحتملان غيرَه، فإذا احتملا فلا يُمكِنُ اللُّجوءَ إلى التكفير.

  • الاحتياطُ في تكفير المعين:

فمنهج السَّلفِ قَائِمٌ على التَّحفُظَ مِن التَّكفِير. وإنَّما يُطلِقون الوَصفَ الشَّرعيَّ الذي هُو الكُفرُ أو الفِسقُ بالفعل أو القول، فإذا تَعلَقَ الأَمرُ بالمعَيَّنِ تَوقَفوا حتَّى تتوفَرُ الشُّروطُ، وتَنتَفي الموانع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإنَّ تكفِيرَ المـُطلَقِ لا يَستَلزِمُ تكفِيرَ المـُعَيَّنِ، إلاَّ إذا وُجِدَتِ الشُّروطُ، وانتَفتِ الموانِعُ. يُبَيِّن هذا أنَّ الإمام أَحمدَ، وعَامَّةُ الأَئِمةِ الذين أطلقوا هذه العمومات، أي: مَن قَالَ أو فَعلَ كذا، فقد كفر، لم يُكَفِّروا أَكثَرَ مَن تَكَلَّم بهذا الكلام بعينِه"[5].

  • قيامُ الحُجَّةِ:

وهذا مِن رَحمةِ اللهِ بعِبادِه، أنَّه لم يُخَاطبهم إلا بمَبلَغِهم مِن العِلمِ، ونَصيبِهم مِن العَقلِ، فالذَّكيُّ والغَبيُّ والبَليدُ، كُلُّهم يبتليه اللهُ فيما آتاه؛ ومَن حُرِمَ العَقلُ فليس بمُكلَّفٍ، ومَن لم يَبلُغه العِلمُ فلا يُعذَّبُ إلا بعدَ البَلاغِ. وهذا مبثوث في النصوص الشرعية. قال تعالى: ((ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولا))، الإسراء: 15.

  • اعتبار الموانع، ومنها:

الجهل: والمقصودُ بالجَهلِ معناه الاصطِلاحي، الذي هو ضِدُّ العِلم، وليسَ المقصُودُ استعماله اللغوي. وعلمَاءُ السَّلفِ يُقرِّرُونه كعُذرٍز ويبقَى النِّزاعُ في بَعضِ الحالات: هل تُقبلُ فيها دَعوَى الجَهل أم لا؟ وذلك أَمرٌ قَضائِيٌ يتَعلَّقُ بالبينات. وقد دلَّت نصوصُ الكتابِ والسُّنةِ على اعتبارِ الجَهلِ عُذرًا للمُكلَّفٍ. ولن أستَفِيضَ في سَردِ النُّصُوصِ الدَّالةِ على ذلك، بَل أَكتَفي بتقرير المـُتفقِ عليه إِجمَاعًا، وهو أنَّ للتَكليفُ شرطان، هما: العِلمُ والقُدرَة، فمَن لا يُنازِعُ في الشَّرطِ الأَولِ، فدعواه عدم العذر بالجهل تناقض.

الخطأ: وهو عُذرٌ بإجمَاعٍ؛ لقوله تعالى: ((رَبَّنا لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أو أَخطَأنَا))، البقرة: 286، وفي الحديث : (قال [أي الله تعالى]: قد فعلت)[6]. ومَن وَقَعَ مِنه الكُفرُ على سَبيلِ الخَطَأِ فإنَّه يُعذَرُ.

الإكرَاه: فمَن أُكرِه على الكُفرِ فإنَّه لا يَكفُرُ اتِّفَاقَا، لقوله تعالى: ((إِلَّا مَن أُكرِهَ وقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ))، النحل: 106.

التَّأويل: ولَيسَ المـُرادُ به التَّأويلُ عند الأُصوليين، لأَنَّ ذلك داخل في التأويلِ الشَّرعيِّ، وصَاحِبُه ليس مُعرَّضًا للإثم؛ وإنما المـَقصُودُ بالتَّأويلِ الذي يَجعَلُ صَاحِبَه لا يَقصِدُ الكُفرَ ولو بَوجهٍ ضَعِيفٍ. قال ابن تيمية، بعدَ ذِكرِه لقِصَّةِ قُدَامَة، ولِقِصَّةِ الذي طَلَبَ مِن أَولادِه أَن يَحرِقُوا جَسَدَه بعدَ مَوتِه: "ولهذا كُنتُ أَقُولُ للجَهمِيَّةِ مِن الحُلُوليَّةِ والنُّفاةِ، الَّذين نفَوا أنَّ اللهَ تعالى فَوقَ العَرشِ، لمـَّا وَقعَت مِحنَتُهم: أنَا لو وَافَقَتكم كُنتُ كَافِرًا؛ لأنِّي أَعلَمُ أنَّ قُولُكم كُفرٌ، وأَنتُم عِندِي لا تُكفَّرُون؛ لأَنَّكم جُهَّال، وكان هذا خِطَابًا لعُلَمَائِهم وقُضَاتِهم وشُيوخِهم وأُمَرَائِهم، وأَصلُ جَهلِهم شُبهاتٌ عَقلِيةٌ حَصَلَت لرُؤُوسهم في قُصُور مِن مَعرِفةِ المنقُولِ الصَّحيحِ، والمعقُولِ الصَّريحِ الموافِق له"[7].

والأَمثِلةُ التَّطبِيقِيةُ في حَياةِ السَّلفِ أَكثَرُ مِن أَن تُحصَى، وأَوسَعُ مِن أن تُحصَر. فهذا الإمامُ أَحمد لم يُكفِّر أَعيانَ المعتَزِلةِ ولا الجَهمِيَّةِ، وكذا ابن تيمية -رحمهما الله تعالى. وكانوا يُحيلُون إلى هذه الضَّوابِطِ والقَواعِدِ التي يَلتَزِمونها في الحُكمِ على النَّاس. والأمثلة -في زمننا المعاصر- التي تُؤكِّدُ بُعدَ المنهَجِ السَّلفيِّ عن التَّكفِيرِ والغُلو فيه كَثيرَةٌ، ولا أَدلَّ على ذلك مِن كَثرةِ المؤَلفَات التي تُحذِّرُ مِنه، وإذا قُورِنت مُؤلفاتُ السَّلفيين في الموضوعِ مع مُؤلفَات غَيرهم عَددًا، كان البَونُ شَاسِعًا، وإذا قُورِنت بها تَأصِيلا ودِراسَةً كان البونُ أَشدَّ سِعةً.

 

[1]   متفق عليه.

[2]   جامع العلوم والحكم: ص83.

[3]   فتح الباري: ج1/77.

[4]   شرح السنن: ج1/70.

[5]   مجموع الفتاوى: ج12/487.

[6]  صحيح مسلم، الرقم: 126.

[7]  الاستغاثة: ج1/383.