النص و التأويل /

إلماعة في قواعد المنهج السلفي في الاستدلال [ مقال ]

[ الاثنين 23 محرّم 1438 هـ ] [ 737 ]

السلفية منهج متكامل، يقوم على مرجعية الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة. وهذا المنهج له مقوماته الفكرية والعقدية والفقهية؛ وقد طرق جميع أبواب المعرفة، مبينا أصله فيها، ورافضا لما خالفه منها. فكان لزاما على أهله أن يعرفوا أصوله في تقييم الأمور قبولا ورفضا. وهذه الأصول تتلخص في كيفية الاستدلال على القضايا، لأن الاستدلال هو الطريق الأولى لإثبات الحقائق، والعمل عليها بعد ذلك. فإذا لم يكن الاستدلال سليما فإنَّ كل القضايا المحكوم عليها سلبا أو إيجابا، سواء كان الحكم يقينيا أو ظنيا، فإنه معرض للنقض لعدم سلامة آلياته، أو عدم نزاهتها؛ وهو ما يسمى بعدم "الأمانة العلمية". فما هي أصول المنهج السلفي في الاستدلال؟ وعلى ماذا يبني قضاياه؟

المنهج السلفي منهج ديني، شأنه شأن المناهج الدينية، فلا بد أن يعطي اعتبارا للنَّص بدرجة من الدرجات، ولكنه يختلف عن المناهج في إعطائه للنَّص درجة اعتبار مطلقة في الاستدلال على القضايا، شرعية كانت أو عقلية. فالنصُّ بالنسبة له حاكم على جميع القضايا، فلا حرام إلا ما حرمه، ولا حلال إلا ما أحله.

وأصول الاستدلال التي يقوم عليها المنهج السلفي هي:

الكتاب والسنة:

المنهج السلفي يجعل الكتاب والسُّنَّة أصلين للاستدلال بدرجة واحدة من جهة التشريع، وإن كان القرآن مقدما تشريعا وتعظيما، فإنَّ السُّنَّة أصل في الاستدلال قائم بذاته، يجب الأخذ به. قال تعالى: ((وأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُون))، النحل: 44، وقال: ((ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَاب))، الحشر: 7.

والسُّنَّة مُبيِّنةٌ لمجمل القرآن، ومُخصِّصةٌ لعمومه، ومُقيِّدةٌ لمـُطلَقِه، وهذا مَفرِقُ طريقٍ بين المنهجِ السَّلفي، وكثير من المناهج الإسلامية الأخرى. ذلك أنها إما أن تُلغِي السُّنة مُطلَقا، كما هو شأن الخوارج والشيعة، وإما أن تُلغِي بعضها، فتقبل المتواتر، وتردُّ الآحاد، إمَّا في جميع الأبواب وإمَّا في بعضها، كالعقائد. وهذا الرَّدُّ غالبا يكون بسبب تعارض السُّنة مع بعض الأحكام العقلية -في زعمهم!، أو الأصول الكلامية!

مِن جهةٍ أُخرَى، يعتبر السلفيون القرآن أصلا في الاستدلال وفي الحكم؛ فما حكم القرآن أنه كُلِّيٌ فهو كُلِّيٌ، كقوله تعالى: ((كُلُّ نَفسٍ ذَآئِقَةُ الـمَوتِ)) الآية، وما حكم  بأغلبيته فهو أغلبي: ((ولَـكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَعلَمُون)).

وهم في تعاملهم مع نصوص الوحي يعتمدون على معايير منها:

  • أن القرآن والسُّنَّة كلاهما بلسان عربي، فلزم أن يكونا جاريين على معهود العرب في خطابيهما. وقد حوى القرآن والسنة أغلب أساليب العرب من عموم وخصوص، ومفهوم ومنطوق؛ إلا ما نُزِّه القرآنُ عنه كالشعر والغزل والهجاء. فلا يفهم السلفيون كتاب الله، ولا يقبلون له تفسيرا، إلا إذا جرى على ما اعتادته العرب في كلامها، واعتبره الشارع في خطابه.

القرآن نُزِّل على محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم، ثمَّ هو بلَّغه لأصحَابِه، وبيَّن لهم مجمله، وخصَّصَ لهم عمومه، وردَّ محكمه إلى متشابهه. وقد كان الصحابة –رضوان الله عليهم- يُطبِّقُون الوحي على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم، والنبي يُقرُّهم على ذلك، فما أخطأوا في فهمه بيَّنه لهم. وقد نزل القرآن مزكيا لأعمالهم، مبينا لأهليتهم في تلقي الوحي وتطبيقه. قال تعالى: ((وأَلزَمَهُم كَلِمَةَ التَّقوَى وكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وأَهلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا))، الفتح: 26. وأمر النَّبيُّ بلُزُومِ سُنَّتِهم مع سُنَّته: (فإنَّه مَن يَعِش مِنكُم يَرَى بَعدِي اختِلَافًا كثيرًا. فعليكُم بسُّنتي وسنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدين المـَهديِّين، عُضُّوا عليها بالنَواجِذِ)[1]. وتبين بهذا أن فهمهم معيار لفهم الكتاب و السنة، هذا مع ما اطلعوا عليه من معرفة أسباب النزول، و قرائن الأحوال، التي صاحبت نزول الوحي، كلها أمور تجعل فهمهم مقدم على فهم غيرهم.

  • تقديم النقل على العقل: لا يعتقد أتباع المنهج السلفي وجود تعارض بين العقل والنقل، لكن الأدلة ليست في مرتبة واحدة، فهم مع اعتقادهم بمرجعية الكتاب والسُّنة، إلا أنهم يعتقدون تقديم الكتاب على السنة، من حيث أنه قطعي الثبوت، وكذلك في الاستدلال على المسائل التي هي من مجال العقل. فإنهم يجعلون النَّص بشقيه -كتابا وسُنَّة- مُقدَّمًا على العقل. لأنه لا يوجد عقلٌ لا يعتريه النَّقصُ -بوجه من الوجوه. وهذا النَّقصُ قد يكون بسَببِ شَهوةٍ، أو بسَببِ شُبهَةٍ. والعَقلُ في حكمه على الأمور قد يَصِلُ إلى نتيجة خَاطِئةٍ أو مُتخيَّلةٍ، بسبب خَللٍ في بعض الأَدواتِ المـُعينَةِ له. ففي مجال الأخبار قد يُصدِّقُ العَقلُ خبرا كاذبا بناءً على إمكانه؛ وقد يحكم حكما غير صحيح بناء على خطأ في التصور.

هذا بالإضافة إلى أنَّ العَقلَ قد ينفي الشَّيءَ لعدمِ تَمكُّنه مِنهُ، بسبب غِيَابِ الآلياتِ التي تُمكِّن مِن ذلك، ويثبته بعد ذلك عند وجودها. فقِصَّةُ الإسراء والمعراج مستحيلة عقلًا في زَمن قُريشٍ، واجِبةٌ عَقلا في زماننا الذي توجد فيه الطائرات، فلا يمتنع عقلا أن يذهب شَخصٌ مِن الحجاز إلى القُدسِ ويَرجع، في ليلته!

 لذلك فإنَّ المنهج السَّلفي يُقدِّم الوحي باعتباره دليلا مطلقا، ويُؤخِّرُ العَقلَ باعتباره دليلا مُقيَّدا، قد يَردُ له الخطأُ في بعض الوجوه. لكن المنهج السلفي –مع ذلك- لا يلغي العقل، ويحتجُّ به في مورده، ويُعلي مِن شَأنِه كما أَعلَى النَّص مِن شأنه. فكُلُّ النصوص التي في القرآن إنما تذُمُّ نقَصَ العَقلِ، ولا تَذمُّ تمامه وكماله، كما في قوله تعالى: ((لاَ يَعقِلُونَ شَيئاً ولاَ يَهتَدُون))، البقرة: 170، وقوله: ((ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنعِقُ بِمَا لاَ يَسمَعُ إِلاَّ دُعَاءً ونِدَاءً صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فَهُم لاَ يَعقِلُون))، البقرة: 171. وقد جاءَت أَمثِلةٌ أُخرَى مُثمِّنةٌ مِن دَور العملية العقلية، كقوله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ وَاختِلاَفِ اللَّيلِ والنَّهَارِ والفُلكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ومَا أَنزَلَ اللّهُ مِن السَّمَاء مِن مَّاءٍ فَأَحيَا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وتَصرِيفِ الرِّيَاحِ والسَّحَابِ الـمُسَخِّرِ بَينَ السَّمَاءِ والأَرضِ لآيَاتٍ لِّقَومٍ يَعقِلُون))، البقرة: 164؛ ومُحرِّمةٌ لكُلِّ ما ينافي العملية العقلية، كالأوهام الباطلة والخرافات والسحر والشعوذة وغيرها.

لكن هذا الإكبار محدود بإعمال العقل في مجاله وإدراكه، فإذا استخدم في غير مجاله، وما لا سبيل لإدراكه، كالمغيبات، فإن المستعمل له مخطئ، والحاكم به على الوحي قد ركب مَتنَ الشَّطط، وأتى بأقبح الغَلطِ. فإنَّ هذه المسائل لا تُقرُّ إلا بالوحي، ودُورُ العَقلِ هو التصدِيقُ لا غير. فالرُّسلُ جاءَت بما تحَار به العقول، لا بما تستحيله.

وهذا الموقف المـُقدِّمُ للوحي على العقل، جعل منطقة النقاش واسعة بين أتباع السلف وسائر المخالفين له؛ فالعقل –عندهم- لم يُعدُّ تلك الأداة المعرفية التي يتوصل بها إلى الحكم على الأشياء، بل صَارَ قَضيَّة مَعرفيةً تتناول جميع شؤون الحياة.

 بما في ذلك تقرِيرُ الحقُوقِ والحُرِّيات. وهو ما جعل أتباع المنهج السلفي يبينون حاكمية الوحي في هذه المجالات، لأن تقرير الحقوق، وإعطاء النسب دون معيار، ينافي الاستسلام لله عز وجل.

  • رفضُ التَأويلِ الكلامي: وتقييده بالكلامي إخراج للتأويل عند الأصوليين، و"الذي هو صَرفُ اللفظِ عن ظَاهِره بدَليلٍ". أما أهل الكلام فإنهم يؤولون القرآنَ بناءً على مخالفته لأَصُولٍ عَقليَّةٍ قرَّرُوها في عقائدِهم وجَعلُوها حَاكِمةً على كلامِ اللهِ وكلامِ رسولِه؛ أما المنهجُ السَّلفيُّ فإنَّه يرى أنَّ هذا المسلك مَرفُوضٌ في جميعِ أَبوابِ الشَّريعةِ، ولا يَخُصُّه بالاعتقادِ، وإنمَّا يتكلَّمون عنه في باب الاعتقادِ لكثرَتِهِ فيه -التأويل الكلامي. فالحقائقُ -لُغويَّةً كانت أو عُرفيَّةً- للشَّارِعِ الحقُّ في نقلِها إلى مَعنى آخر، وإذا تركَها على حالِها فلابُدَّ أن تحاكم إليه موافقةً أو مخالفةَ. فكثيرٌ مِن أنكِحَةِ الجاهلِيةِ سمَّاها الشَّارعُ باسمها عِندَ أَهلِ الجاهليَّةِ، لكنَّه حكَم عليها بالحُرمَةِ، فلم يُبقِ للعُرفِ اللُّغَويِّ فيها دلالةً سِوى تمييزِها عن النِّكاحِ الشَّرعي. فالأَصلُ ما أَقرَّه الوحيُّ، ولا يجوزُ العُدولُ عنه إلى غيره، لأَنَّه اتباع للهوى. ولذلك سمَّى السَّلفُ كل مُخالِفٍ في هذه المسألة صاحبَ هوى. وكان أحمد -رحمه الله- يقول: "الحمدُ لله الذي جَعلَ في كُلِّ زَمانٍ فَترةٌ مِن الرُّسلِ، بقايا مِن أهلِ العِلمِ يَدعُونَ مَن ضَلَّ إلى الهُدى... ينفُون عن كِتابِ اللهِ تحرِيفَ الغالين، وانتحَالَ المـُبطِلين، وتأويلِ الجاهلين".

 

 

[1]   رواه أبوداود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.