أديان و مذاهب /

سفرا صموئيل الأول والثاني.. دراسة نقدية تحليلية للنص التوراتي [ مقال ]

[ الأحد 15 محرّم 1438 هـ ] [ 337 ]

الحديث عن ما أصاب الكتب السماوية السابقة من تحريف لا يزال مثار الاهتمام، خاصة وأنَّ تمسك اليهود والنصارى بها والإصرار على كون نصوصها مقدسة رغم ما أصابها من تحريف وما يعتريها من تناقضات. ومن المهم جدا تمييز مستوى التحريف والتغيير الذي طرأ عليها بعد أن بدأ الكثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين بنقد ظاهرة تعدد نسخ التوراة والإنجيل وفق أسس علمية وموضوعية. في هذا الإطار نتناول سفري صموئيل، وننقد النص التوراتي من حيث المنشأ والكتابة، والأحداث التاريخية، والتناقضات الإخبارية في داخل السفرين، كنموذج ضمن نماذج عدة يمكن دراستها.

إنَّ مجموع العهد القديم مقدس لدى اليهود والمسيحيين, ولكن أسفارهم غير متفقة عليها، فبعض أحبار اليهود يضيفون أسفاراً لا يقبلها أحبارٌ آخرون, وكذلك تختلف الكنيسة الكاثوليكية عن البروتستانتية, فتضيف الكاثوليكية سبعة أسفار أخرى وهي: طوبيا, يهوديت, حكمة يشوع, سيراخ, باروخ, المكابيين الأول, المكابيين الثاني. كما أنها دمجت سفري صموئيل مع سفري الملوك في أربعة أسفار: أولها, وثانيها: يجيئان بدلاً من سفري صموئيل الأول والثاني, وأصبح اسم الأسفار الأربعة: سفر الملوك[1].

كان سفرا صموئيل "الأول والثاني" يعتبران في الأصل كتاباً واحداً كُتِبَ باليونانية على ورقتين مختلفتين؛ غير أن المطبوعات العبرية أخذت تتبنى تقسيم الكتاب إلى قسمين، واعتبارهما سفرين منفصلين -منذ عام 1517م، في الطبعة التي نشرها "دانيال بومبرج- Daniel Bomberg" في البندقية. ومن ثمَّ اتُّبِعَ هذا التقسيم في جميع الطبعات العبرية للكتاب المقدس[2].

ولا ننسى هنا أنَّ "فرقة السامرية"[3] من الطوائف اليهودية التي لا تؤمن إلا بالأسفار الخمسة التي تمثل القسم الأول من (العهد القديم), وسفر يشوع وسفر القضاة فقط, أما سِفرَي صموئيل وما بعده من الأسفار فإنهم ينكرونها. كما أن نصوص الأسفار المعتمدة لديهم تختلف في كثير من المواضع عن النصوص المشهورة لهذه الأسفار المعتمدة عند غيرهم [4].

ويمكن تقسيم محتويات سفر صموئيل الأول كما يأتي:

(الإصحاحات 1-7): طفولة صموئيل، وانتصاره على الفلسطينيين الذين أرهقوا إسرائيل قبل ذلك في حروب مستمرة.

(الإصحاحات 8-15): تنصيب شاؤل من قبل صموئيل كملك بناءً على رغبة الشعب, ثم نبذه من قبل (يهوه).

(الإصحاحات 16-31): العلاقة بين شاؤل وداود, تلك العلاقة التي كانت في البداية حَسَنة ثمَّ انقلبت إلى عداء, ثم وفاة شاؤل في المعركة التي وقعت على جبل جلبوع.

أمَّا سفر صموئيل الثاني فيختص برواية أخبار داود بعد أن صَارَ ملِكًا على شعب يهوذا, ثم على جميع إسرائيل.

كاتب سفري صموئيل:

وقع اختلاف كبير في الكاتب الحقيقي لسفري صموئيل؛ فلم يُعلَم مُصنِّفُه, ولا زمان تصنِيفِه. وقد تعددت الأقوال في كاتب هذا السفر حتى تعذر القطع بكاتبه. هذا إلى جانب أنَّ السفرين يرجعان إلى مصادر كثيرة متعددة متفاوتة الموضوع والزمن, ولا وحدة تجمع بين محتوياتهما.

ولعل السبب في ذلك أن "الغرض الرئيس من كتابة سفري صموئيل كان تسجيل الأساس الذي قامت عليه الملكية, والأحداث التي رافقت تأسيسها، ومن ثمَّ توحيدها تحت قيادة داود.. وبمعنى آخر فإن بداية تأريخ المملكة في إسرائيل هو الموضوع الرئيس لسفري صموئيل, وإنه من طبيعة الأشياء عند كتابة مثل هذا التاريخ وتدوينه أن يتصدى لهذا العمل أكثر من مؤرخ, وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء المؤرخون في زمن واحد.

وقد يكون بين النصوص المتوفرة ما هو سهلُ المنال لمؤرخ, صَعبٌ على غيره, ويكون بينهما ما هو في متناول مؤرخ آخر لم يتوفر للأول، وهكذا. لذلك عندما جمع كاتب السفرين المواد والنصوص لهذا الغرض وجد تحت تصرفه أكثر من سلسلة من الروايات. وهكذا فإن غالبية العلماء المعاصرين تمكنوا من تمييز مصدرين أو أكثر في النصوص التي تشكل مادة السفرين. ومن العلماء الذين يعتقدون بنظرية وجود مصدرين: "فلهاوزن- Welhausen", و"كورنيل- Cornill", "بود- Budde", "كيتل- Kittel", "سيلين- Sellin".

أما صاحب نظرية المصادر الثلاثة في سفري صموئيل, فهو "ايسفلت" الذي يرى وجود مصدر ثالث إلى جانب المصدرين الآخرين"[5].

لكن الأمر المؤكد أن اطلاق سفر صموئيل على السفرين لا يعني أنه مؤلفهما, بل ذلك إشارة إلى اهتمام السفرين بشخصيته فقط. ولا شك أن ذلك مخالف للرواية اليهودية في التلمود، وفي سفر أخبار اليوم الأول (الإصحاح 29: 29- 30)، حيث زعموا أن صموئيل كتبها بنفسه, أو صموئيل وناثان وجاد[6], وأنهما يحملان اسم كاتبهما أو الكاتب  الرئيس لهما، وهو صموئيل!

إلا أنَّ "ايسفلت" يعلقُ على ذلك بقوله: في الحقيقة فإن تسميتهما جاءت من كون صموئيل يلعب الدور الرئيس فيهما, أو على الأقل في السفر الذي أصبح يسمى (صموئيل الأول).[7]

وينتقد كل من "اوسترلي" و"روبنسون" تسمية سفري صموئيل بهذا الاسم، ويعلقان على ذلك بقولهما: مهما كان السبب الذي يكمن وراء إطلاق اسم صموئيل على هذين السفرين في العهد القديم, فإنه لا جدال بأن هذه التسمية غير ملائمة, كما أنه من الصعب الاعتقاد بأن هذه التسمية قد تقررت في الأصل, ذلك أنه باستثناء بعض الإصحاحات, فإنَّ صموئيل لم يكن له يد في ذلك العمل, ويختفي تماماً عند منتصف صموئيل الأول.[8]

ويرى إبراهيم بن عزرا –أشهر نقاد التوراة في العصر الوسيط- أنَّ ناسخي الوصايا قالوا: إن سفري صموئيل كتبهما صموئيل، وهي حقيقة حتى وفاة صموئيل (صموئيل الأول: 25: 1). ويعني ذلك أنه اقتحمت آنذاك أحداث ليست من عمل المؤلف[9].

ويذكر "سبينوزا" أنه: "إذا نظرنا إلى تسلسل هذه الأسفار كلها، وإلى محتواها، رأينا أن الذي كتبها مؤرخ واحد أراد أن يروي تاريخ اليهود القديم منذ نشأتهم الأولى حتى هدم المدينة لأول مرة"[10].

ويقول "موريس بوكاي": "أما كتاب صموئيل وكتب الملوك، وهي أساسا مجموعات من السير قيمتها التاريخية مشكوك فيها، تحوي أخطاء متعددة،  بحيث تختلط الخطوط التاريخية بالأساطير"[11].

هذه الأساطير الشعبية هي  التي جعلت "ول ديورانت" يَصِفُ هذه الأسفار بأنها "من أجمل تلك الكتابات، ولربما كانت أسفار القضاة وصموئيل والملوك قد وضعت على عجل، كما يعتقد بعض العلماء، في أثناء السَّبي أو بعده بقليل،  ليجمع فيها واضعوها التقاليد القومية لشعب مشتت كسير، ويحتفظوا بها على مدى القرون. ولكن قصة شاؤل وداود وسليمان تفوق في جمال معناها وأسلوبها غيرها من الكتابات التاريخية في الشرق الأدنى القديم".[12]

وينسف المؤرخ "أرنولد توينبي"، في كتابه (تاريخ البشرية)، ما أعجب به "ديورانت" من الأدب الإسرائيلي، حيث زعم "توينبي" أنَّ كثيراً من المرويات في الأسفار مأخوذ إما من الأدب الكنعاني أو الفينيقي أو جاء عن طريق السومريين أو المصريين أو غيرهم من الأمم المجاورة، ويضيف: "قبل نهاية القرن العاشر ق.م. كانت إسرائيل ويهوذا قد أخذتا أنفسهما بوضع أدب مكتوب باللغة الكنعانية وقد دون بالألفباء الفينقية... ويبدو أن الأخبار التاريخية عن داود وسليمان معتمدة على قيود رسمية كانت تقريباً معاصرة للأحداث، وقد تكون آثار نبي من الأنبياء قد دوّنها تلاميذه، وليس بالضرورة أن يكون النبي نفسه قد فعل ذلك، وقد ينال كتبة أحد هذا النوع منزلة كبيرة، وعندها قد تضاف إليه زيادات متتالية يقوم بها مؤلفون متأخرون مجهولون، فيما يستعملون اسم النبي الأصلي في الأجزاء التاريخية من التوراة؛ وكتب الأنبياء هي أعمال إسرائيلية ويهودية أصلية، لكن حتى الوثائق الموثوق بها التي تحوي آثار الأنبياء، والتي هي أصلا شخصية وفردية،  ثبت أنها تحوي إشارات إلى الأدب السابق للإسرائيليين، وقد اتضح هذا إذ ظهر بعض هذا الأدب إلى الوجود"[13].

ويعلِّق كمال الصليبي على سفر صموئيل قائلاً: "أوَّل ما يلاحظ أنَّ المادة التاريخية في هذا السفر هي على نوعين: نوع قصصيٌ شعبي الطابع, يعود عهده في الأصل -على الأرجح- إلى زمن قريب جداً من الحدث؛ ونوع آخر أبعد زمناً عن الحدث, يعلله ويعلق عليه, ويبرزه أو يدينه أحياناً ليستخرج منه العبرة. والمادة من النوع الثاني هذا دخيلة على المادة من النوع الأول. وهي في غالب الأحيان كهنوتية الطابع, وفيها تركيز ملحوظ على الترابط المستمر المفترض بين مشيئة الرَّب (يهوه) إله التوراة, وتاريخ شعبه الخاص إسرائيل. وقد درج علماء التوراة على تسمية هذه المادة الدخيلة على الأصل القصصي في أسفار الأنبياء الأوائل بالمادة "التثنوية- Deuteronomical""[14].

ويرى الدكتور إسماعيل الصمادي أنَّ سفر صموئيل كُتِبَ بيد أكثر من كاتب، كغيره من الأسفار. وبالطبع حُرِّر أيضاً كسابقه ولاحقه في مرحلة السبي[15]؟ ولم يقم المحرّرون بتنسيق جيد بين الكتابات. ويبدو أن الكاتب الذي قام بكتابة الإصحاحات الستة عشر الأولى من السفر يختلف تماماً عمن كَتَبَ باقي الاصحاحات والتي يبدو أيضاً أنها كتبت بأكثر من يد"[16].

نماذج للتناقض في سفري صموئيل:

إن تعدد الكتّاب لهذه الأسفار كما أسلفنا أنشأ كثيراً من الاختلافات الكبيرة في سرد الروايات. خصوصاً وأنهم يعودون إلى مستويات شديدة التباين من حيث المستوى الثقافي والمعرفي والانتماء الطائفي والمذهبي. وقد أدى هذا التنوع إلى تباين شديد في المستويات النصية للكتاب المقدس. وقد حاول المحررون أن يعيدوا تأهيل النصوص المتفرقة, وأن يحلوا انسجاماً فيما بينها, ولكن التباينات والتناقضات الداخلية بقيت آثارها العميقة واضحة للعيان.[17]

وهنا نذكر نماذج فقط لهذه التناقضات التي تثبت تحريف هذا المقدس لديهم:

رواية مقتل "شاؤل" ذكرت في (صموئيل الأول: 3: 4-6)، ومنها يتبين أنه انتحر؛ بينما جاءت في (صموئيل الثاني: 1: 8-10) أنَّ الذي قتله هو رجل عماليقي.

هناك روايتان لأصل القول المأثور: "أشاؤل أيضاً بين الأنبياء؟"، الرواية الأولى موجودة في (صموئيل الأول: 10: 10- 12), أما الرواية الثانية فموجودة في (صموئيل الأول: 19: 18- 24) في قصة أخرى.

جاء في قاتل جالوت روايتان؛ وما نعرفه أن الذي قتله داود (صموئيل الأول: 17: 1- 58)، وجاء في رواية أخرى أن القاتل له رجل يدعى ألحانان (صموئيل الثاني: 1: 8- 10).

في سفر (صموئيل الثاني: 24: 13) يذكر جادٌ لداود ويخبره بأنه ستأتي عليه سبع سنين جوع، ولكن جاء في نص سفر (أخبار اليوم الأول: 21: 11- 12) يخبر جاد داود أنها ثلاث سنين فقط.

أشار سفر (صموئيل لثاني: 18: 18) إلى أنَّ أبشالوم ابن داود لم يكن له أبناء, لكنه أقام نصباً ليذكره الناس. وفي موضع آخر أنه ولد له ثلاثة أبناء وبنت أسمها تامار (صموئيل الثاني: 14: 27).

ورد في سفر (صموئيل الأول: الإصحاح 15: 35) أنَّ "والرَّب ندم"، وهي تناقض (سفر العدد: الإصحاح 23: 19): "ليس الله إنساناً فيكذب ولا ابن إنسان فيندم".

ويتحدث سفر صموئيل عن ميكال بنت شاول فيقول: "ولم يكن لميكال بنت شاول ولد إلى يوم موتها" (صموئيل الثاني: 2: 6/23)، ولكنه في السفر نفسه يذكر أن لها ذرية، وأن لهم خمسة من الأبناء من زوجها عدرئيل المحولي،  فيقول: "وبني ميكال ابنة شاول الخمسة الذين ولدتهم لعدرئيل ابن برزلاي المحولي"، (صموئيل الثاني: 21/8). والحق أن ليس ثمة تناقض هنا، بل خطأ وقع فيه كاتب صموئيل الذي لم يميز بين ميكال وأختها ميرب التي تزوجت عدرئيل المحولي، فقد جاء في سفر صموئيل: "وكان في وقت إعطاء ميرب ابنة شاول لدواد أنها أعطيت لعدرئيل المحولي امرأة" (صموئيل الأول: 18/17)، ثم حكى السفر قصة زواج داود من أختها ميكال. وقد اعترف محررو قاموس (الكتاب المقدس) بهذا الخطأ، وردوه إلى خطأ بعض المخطوطات القديمة.

وهكذا فقد خضع السفران للتنقيح والإضافة مدة طويلة من الزمن, وتنوعت مصادرهما واختلفت، بحيث جاء الكثير من النصوص في بعض الأماكن من السفرين متعارضاً مع نصوص أخرى. وغير خاف على كل ذي بصيرة ما تعرض له السفران من تحريف بإضافة أو حذف على أيدي محرري وكتبة الأسفار وفق أغراضهم وأهدافهم. وقد قام المحرر بجمع تلك الحكايات, وسردها بطريقة فسيفسائية مفككة, لم يراع فيها الترتيب الزمني الكرونولوجي الفقاري, وهذا ما أدى إلى حصول عدة تداخلات وانزياحات زمانية.

 

[1]  الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف، د.يحيى ربيع: ص23.

[2]  داود وسليمان في العهد القديم والقرآن الكريم، د. أحمد عيسى الأحمد, ط1410هـ/1990م، مطبعة حكومة الكويت: ص151-152.

[3]  سُمُّوا بذلك لأنَّ نحلَتَهم ظَهرَت في إقليم السامرة, من أقاليم فلسطين. وكانت كلمة السامريين تطلق كذلك على جماعة من غير بني إسرائيل اعتنقت اليهودية وامتزجت بالإسرائيليين, وكان الإسرائيليون ينظرون إلى أفرادها على أنهم أحط منهم قدراً ومنزلة. انظر: الأسفار المقدسة، د. علي عبدالواحد وافي: ص66.

[4]  الأسفار المقدسة، د. علي عبدالواحد وافي: ص66.

[5]  داود وسليمان، الأحمد: ص156- 157.

[6]  لما كان الجزء الأكبر من سفري صموئيل يروي أحداثاً وقعت بعد وفاة صموئيل, فإن الرواية اليهودية تنسب الأحداث الوارد ذكرها بعد وفاته إلى الرائي جاد والنبي ناثان.

[7]  داود وسليمان، الأحمد: ص152.

[8]  نفس المصدر: ص153.

[9]  تاريخ نقد العهد القديم, زالمان شازار، ترجمة أحمد محمد هويدي, المجلس الأعلى للثقافة: ص76.

[10]  رسالة في اللاهوت والسياسة، سبينوزا، ترجمة حسن حنفي: ص276.

[11]  دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، موريس بوكاي: ص37.

[12]  قصة الحضارة، وِل ديورانت: ج2/385.

[13]  ص138.

[14]  حروب داود، كمال الصليبي, دار الشروق، عمّان, ط2/1991م: ص12.

[15]  يرى البعض أنه وضع ما بين القرنين الثامن والسادس ق. م. انظر: عقيدة اليهود، محمد آل عمر: ص198.

[16]  نقد النص التوراتي، الصمادي: ص292.

[17]  المصدر السابق: ص84.