النص و التأويل /

مكانة الصحابة في التشريع الإسلامي [ مقال ]

[ الأربعاء 11 محرّم 1438 هـ ] [ 693 ]

الإجماع الثابت أحدُ مصَادرِ التَّشريعِ الإسلامي، وهو حُجَّةٌ شَرعِيَّةٌ يجبُ العملُ بها باتفاق المسلمين، خلافا لبعض الفرق المبتدعة، من الشيعة والخوارج وبعض المعتزلة. وحيث أنَّ الصحابة –رضي الله عنهم- هم الجيل الأول في هذه الأُمَّةِ المـُسلِمةِ فقد نالوا مَكَانةً جَليَّةً ومُقدَّمةً في اعتبارات أهل العلم من بعدهم، في تقعيدهم لهذا الموضوع الخطير، والمرتبط بالشريعة الإسلامية. ومن غير المعقول أن يَخرُجَ الصَّحابةُ –رضي الله عنهم، وهُم حَمَلَةُ الدِّينِ إلينا، نصًّا وفِقهًا وتأوِيلا، مِن مفهومِ الإجماعِ وهُم أَكثرُ الأُمَّةِ حَظوةً مِنهُ. وهذه المكانة التي يحتلها الصحابة –رضي الله عنهم- هي التي دفعت بالمغرضين من أعداء الدِّين للطعن فيهم، وإسقاط عدالتهم، بل وإخراجهم عن الإسلام –كما تقول الشيعة الرافضة وأمثالهم، وذلك ليسهل عليهم إبطال موروثهم وأثرهم، ومن ثم إبطالُ عقائدِ الدِّين وشرائعه.

تعريف الإجماع:

الإجماع في اللغة يطلق على معنيين: العزم والاتفاق والإحكام. يُقَالُ: أَجمعَ فُلانٌ على كذا إذا عَزَم عليه، ومنه قوله تعالى: ((فأَجمِعُوا أَمرَكُم))، يونس: 71؛ وقوله -عليه الصلاة والسلام: (من لم يُجمِع الصِّيَامَ قَبلَ الفَجرِ فلا صِيَامَ له)[1]. ويُقَالُ: أَجمَعوا بمعنى اتفقوا فلم يختلفوا، ومنه قوله تعالى: ((ومَا كُنتَ لَدَيهِم إِذ أَجمَعُوا أَمرَهُم وهُم يَمكُرُونَ))، يوسف: 102.

أما اصطلاحاً فقد تعددت تعريفات العلماء له. ومن هذه التعريفات[2]: أنه اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور على أمر ديني؛ أكان الاتفاق على اعتقاد أو قول أو فعل. وإنما قيل: "على أمر من الأمور" ليكون متناولا للقول والفعل، والإثبات والنفي، والأحكام العقلية والشرعية.

وفي حقيقة الأمر فقد وقع الخلافُ في الأُمَّةِ، حول الذين يكون إجماعُهم دليلا شرعيا، على أقوال: فقيل إجماع الأمة عموما؛ وقيل إجماع المجتهدين من أهل العلم دون غيرهم؛ وقيل إجماع أهل الحل والعقد؛ وقيل إجماع أهل المدينة؛ وقيل إجماع الخلفاء الراشدين؛ وقيل إجماع الصحابة؛ وقيل إجماع أهل البيت[3].

إجماع الصحابة –رضي الله عنهم:

والقولُ بقَصرِ الإجماعِ المـُعتَبرِ في إجماعِ الصَّحابةِ فقط، دون مَن سواهم، وجَعلِهِ حُجَّةٌ، نافيا ثُبوتَ ما عداه، مذهب الظاهرية، وهو رواية عن الإمام أحمد[4]. واعتبارهم لإجماع الصحابة –رضي الله عنهم، دون من سواهم، لكونه ممكنا معقولا.

يقول الإمام ابن حزم –رحمه الله: "وأيضاً فإنَّه لا يجوزُ لأَحدٍ القطعُ على صِحةِ إجماعِ أَهلِ عَصرِ ما بعد الصحابة -رضي الله عنهم، على ما لم يُجمع عليه الصحابةُ، بل يكون من قطع بذلك كاذباً بلا شك؛ لأنَّ الأَعصَارَ بعد الصحابة -رضي الله عنهم، من التابعين فمن بعدهم، لا يمكن ضبط أقوال جميعهم ولا حصرها؛ لأنهم ملئوا الدنيا -ولله الحمد- من أقصى السند وخراسان وأرمينية وأذربيجان والجزيرة والشام ومصر وأفريقية والأندلس وبلاد البربر واليمن وجزيرة العرب والعراق.."[5].

ونقل ابن بدران عن أبي المعالي الجويني قوله: "والإنصاف أنه لا طريق لنا إلى معرفة الإجماع إلا من زمن الصحابة"؛ وهو المعنى الذي قصده الإمام أحمد -رحمه الله- بقوله: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعَلَّ الناسَ اختلفوا، وما يدريه ولم ينته إليه. فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا"؛ مع قوله بإجماع الصحابة، وأخذه به.[6]

قال أبو حنيفة –رحمه الله: "إذا أجمعت الصحابة سلمنا لهم"[7]؛ وقال الشافعي –رحمه الله: "إذا اجتمعوا أخذنا باجتماعهم, وإن قال واحدهم ولم يُخَالِفهُ غَيرُه أَخَذنَا بقولِه, وإن اختَلَفُوا أَخَذنا بقولِ بعضِهم ولم نَخرُج عن أقاويلهم كلهم"[8].

وقد قيد ابن تيمية –رحمه الله، في العقيدة الواسطية، الإجماع فيما كان عليه السَّلف الصالح، كونه منضبطا -في نظره؛ "إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة". وهو بذلك يجعل الصحابة –رضي الله عنهم- في صدارة الأمر لتعلق العلة بهم.

واستنادُ الأَخذِ بإجماعِ الصَّحابةِ، واعتباره دون غيره، عند من قال به من أهل العلم:

  • أنَّ الوحي نزل بين أظهرهم، فكانوا قريبين ومعايشين لمصدر التلقي، حيث وجود الرسول –عليه الصلاة والسلام- بينهم.
  • وأنَّ سكناهم في بيئة متقاربة الأطراف، محدودة المدى، تمكنهم من التواصل بينهم ومعرفة أقوال بعضهم لبعض.
  • وأنَّ وحدة منهج التلقي والنظر والاستدلال عندهم تجعلهم يتفقون في غالب ما يصدر عنهم من رأي.
  • وأنَّهم تميزوا بقلة نوازع الاجتهاد والرأي، نظرا لوفرة النصوص وقلة المستجدات المحدثة في زمنهم.
  • تطاوعهم فيما بينهم، وميلهم للحق والصواب، وانتفاء الأهواء والشهوات والشبهات عنهم.
  • ثبوت الاجتماع الصريح فيهم.

وهذا ما لا يتوفر في غيرهم. فإنَّهم استندوا في عدم اعتبار غير الصحابة إلى استحالة العلم باتفاقهم، والإحاطة بعدم وجود المخالف لهم؛ مع اتساع البلدان وانتشار الأمة وكثرة المجتهدين، وتشعب الأهواء ودخول المحدثات، وتعدد المناهج والمشارب.

دليل حجية إجماع الصحابة:

واستدل القائلون بأنَّ الإجماع المعتبر هو إجماع الصحابة بالنصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، في شأن تزكيتهم وإثبات عدالتهم، والشهادة بمكانتهم محلا للاقتداء وأهلا للتأسي لمن بعدهم؛ ومن ذلك:

قول الله تعالى: ((ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِع غَيرَ سَبِيلِ الـمُؤمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَت مَصِيرًا))، النساء: 115. ووجه الدلالة أنَّ الله تعالى توعَّدَ مَن اتبع غير سبيل المؤمنين بالعذاب؛ فدلَّ على وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وهو ما أجمعوا عليه.

وقوله تعالى: ((فإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ واليَومِ الآخِرِ))، النساء: 59. ووجه الدلالة أنَّ الله تعالى أمرهم بالرَّدِّ إليه وإلى رسوله حال التنازع بينهم، فعُلِم أنَّ ما أجمعوا عليه لا يجب فيه الردُّ اكتفاءً بإجماعهم.

وقوله سبحانه: ((وكَذَلِكَ جَعَلنَاكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيدًا))، البقرة: 143. ووجه الدلالة أنَّه "إذا كان الرَّبُّ قَد جَعَلَهُم شُهَدَاءَ لَم يَشهَدُوا بِبَاطِلِ، فإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِشَيءٍ فَقَد أَمَرَ بِهِ، وإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَن شَيءٍ فَقَد نَهَى عَنهُ. ولَو كَانُوا يَشهَدُونَ بِبَاطِلٍ أَو خَطَأٍ لَم يَكُونُوا شُهَدَاءَ اللَّهِ فِي الأَرضِ؛ بَل زَكَّاهُم اللَّهُ فِي شَهَادَتِهِم كَمَا زَكَّى الأَنبِيَاءَ فِيمَا يُبَلِّغُونَ عَنهُ أَنَّهُم لَا يَقُولُونَ عَلَيهِ إلَّا الحَقَّ، وكَذَلِكَ الأُمَّةُ لَا تَشهَدُ عَلَى اللَّهِ إلَّا بِحَقٍّ، وقَالَ تَعَالَى: ((واتَّبِع سَبِيلَ مَن أَنَابَ إلَيَّ))، والأُمَّةُ مُنِيبَةٌ إلَى اللَّهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهَا"[9].

ويدخل في أدلة إجماع الصحابة عموم أدلة الإجماع فإنَّ الصحابة –رضوان الله عليهم- يدخلون فيها دخولا أوليا. ومنها حديث ابن عُمَرٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، ويَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ)[10]. وحديث أَنَسِ بن مَالِكٍ –رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِي –صلى الله عليه وسلم- كان يَقُول: (إِنَّ اللَّهَ قَد أَجَارَ أُمَّتِي أَن تَجتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ)[11].

كما أنَّ أَمرَه -صلى الله عليه وسلم- في أَكثَرِ مِن حَديثٍ بملازمة جماعة المسلمين، ونهيه عن مخالفتهم ومفارقتهم، كما في قوله: (لَيسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الجَمَاعَةَ شِبرًا فَيَمُوتُ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)[12]؛ وقوله: (مَن فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبرًا فَقَد خَلَعَ رِبقَةَ الإِسلَامِ مِن عُنُقِهِ)[13]، دالة على أهمية الإجماع واتباع سبيل المؤمنين. قال الإمام الشافعي -رحمه الله: "وأَمرُ رَسولِ الله بِلُزُومِ جمَاعَةِ المسلمين ممَّا يُحتجُّ به في أنَّ إجماعَ المسلمين -إن شاء الله- لازمٌ"[14]. قالَ ابنُ مسعودٍ: (عليكُم بالجَمَاعَةِ، فإنَّ اللَّهَ لا يجمَعُ أمَّةَ محمَّدٍ علَى ضلالةٍ)[15].

وقد قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: (مَن أَحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ فيه فهو رَدٌ)، رواه البخاري[16]، ولفظ مسلم: (مَن عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليهِ أَمرُنا فهو رَدٌّ)[17]. والمقصودُ بالأَمرِ أَمرُ الدِّين، والإحداثُ اختِراعُ شيءٍ لم يكن مَوجودًا، وفيه: أي في ليسَ له أَصلٌ مِن القُرآنِ الكَريمِ، أو سُنَّةِ النَّبي –صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الصحابة –رضي الله عنهم، فهو ردٌّ أي: مَردودٌ وباطلٌ غيرُ مُعتدٍّ بهِ.

وقد قال ابن قدامة -رحمه الله: "وهذه الأخبارُ لم تَزَل ظاهرةً مشهورةً في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحدٌ مِن السَّلف والخلف. وهي وإن لم تتواتر آحادها، حَصَلَ لنا بمجموعها العلم الضروري: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عظَّمَ شَأنَ هذه الأُمَّة، وبيَّنَ عِصمَتها عن الخطأ"[18].

وهذه الأدلة سيقت في شأن إجماع الصحابة كونهم أَحقَّ الناسِ بها، كما قال الرزكشي[19]، حيث أن إجماعهم حُجَّةٌ مَعلُومٌ تصَوُّرُه[20]، كما أنَّ عدالتهم وتزكيتهم ثابتة بالكتاب والسُّنَّة.

ومن ثمَّ فإنَّ إجماع الصحابة –رضي الله عنهم- يمثل أهم مراحل التأسيس لهذا المصدر من مصادر التشريع الإسلامي. حيث شَهِدَ عَصرُهم مَولِدَ الإجماعِ ونشأتَه؛ فقد كانوا إذا حَزَبَهم أَمرٌ من الأمور رجعوا إلى الشورى، وتدارسوا شأنهم وما يحضرهم فيه من النصوص، فلا ينقضي اجتماعهم إلا باتفاقهم على قول. وكان للخلفاء الراشدين المقام الأبرز في سنِّ هذه السُّنة، سعيا وراء الإجماع.

وقد حفظت لنا كتب السُّنة والفقه الكثير من إجماعات الصحابة –رضي الله عنهم- زمن أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما. وقد مثلت هذه الإجماعات مرجعا فصلا لعلماء الأمة من بعدهم، لذلك كانت إجماعات الصحابة من أكثر الأمثلة الواردة في كتب الأصول.

مكانة الإجماع:

الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. قال الإمام الشافعي -رحمه الله: "وليس لأحد أبداً أن يقول في شيء: حَلَّ ولا حَرُم إلا من جهة العلم، وجهة العلم: الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو القياس"[21].

وهو لا يخرج عن الكتاب والسُّنَّة؛ قال ابن تيمية -رحمه الله: "إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع فمدلول الثلاثة واحد، فإنَّ كلَّ ما في الكتاب فالرسول موافقٌ له، والأُمَّةُ مجمعةٌ عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنَّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما أَجمعَ عليه المسلمون فإنَّه لا يكون إلا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة"[22]. وقال أيضا: ".. بخلاف ما يقوله أهل الإجماع؛ فإنه لا بد أن يَدُلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة، فإنَّ الرَّسولَ –صلى الله عليه وسلم- هو الواسطة بينهم وبين الله في أمره ونهيه وتحليله وتحريمه"[23].

وبما أن الإجماع مَصدرٌ مِن مصادرِ التشريع الأساسية، فإنَّ خرقه مُحرمٌ، شأنه في ذلك شأن بقية المصادر الرئيسية الأخرى. وهذه الحرمة عامة في كل إجماع معتبر، وليست خاصة بإجماع دون إجماع، فحيثما وجد الإجماع، وجدت الحرمة بخرقه، لأنه إتباع لغير سبيل المؤمنين توعَّدَ الله عليه. إلا أن هذه الحرمة تتفاوت بتفاوت الإجماع في الثبوت والشهرة.

قال ابن تيمية -رحمه الله: "كل ما أَجمَعوا عليه فلا بُدَّ أن يكون فيه نَصٌّ عن الرَّسُول، فكُلُّ مسألةٍ يُقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المـُنَازِع مِن المؤمنين: فإنها مما بيَّن الله فيه الهدى. ومخالف مثل هذا الإجماع يَكفُر، كما يَكفُر مُخالفُ النَّصِ البَيِّن. وأمَّا إذا كان يَظُنُّ الإجماعَ، ولا يَقطَعُ به، فهنا قد لا يُقطَع أيضاً بأنها مما تبيَّن فيه الهدى من جهة الرسول. ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يَكفُر؛ بل قد يكُون ظَنَّ الإجماعِ خَطَأً، والصواب في خلاف هذا القول. وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر"[24].

فإجماع الأُمَّةِ حَقٌّ في نفسه، كما قال ابن تيمية: "وأمَّا إجماعُ الأُمَّةِ فهو في نفسه حَقٌّ، لا تجتَمِعُ الأُمَّةُ على ضَلالَةٍ"، وأضاف: "كما وَصَفَها اللهُ بذلك في الكتابِ والسُّنَّةِ"[25]، "وقَد جَعَلَهُم اللَّهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وأَقَامَ شَهَادَتَهُم مَقَامَ شَهَادَةِ الرَّسُولِ، وقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ –صلى الله عليه وسلم مُرَّ عَلَيه بِجِنَازَةٍ، فَأَثنَوا عَلَيهَا خَيرًا، فَقَالَ: (وَجَبَت، وَجَبَت)، ثُمَّ مُرَّ عَلَيه بِجِنَازَةٍ، فَأَثنَوا عَلَيهَا شَرًّا، فَقَالَ: (وَجَبَت، وَجَبَت)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَولُك.. وَجَبَت وَجَبَت؟ قَالَ: (هَذِهِ الجِنَازَةُ أَثْنَيتُم عَلَيهَا خَيرًا فَقُلتُ: وَجَبَت لَهَا الجَنَّةُ، وهَذِهِ الجِنَازَةُ أَثنَيتُم عَلَيهَا شَرًّا فَقُلتُ: وَجَبَت لَهَا النَّارُ، أَنتُم شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرضِ)"[26].

وقال السرخسي -رحمه الله: "الإجماع موجب للعلم قطعاً بمنزلة النص ، فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له: لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الإجماع بدليله"[27].

وقال الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله: "لو أجمع الصحابة على قول ، فهذا الإجماع يمنع من حدوث خلاف ، فلا يمكن لمن بعدهم أن يخالف إجماعهم ، لأن الإجماع يمنع من حدوث الخلاف ، لأنه حجة"[28].

وقد تكلم العلماء في مسألة إنكار الإجماع أو مخالفته بكثير من الأحكام صيانة لهذا المصدر الشرعي من أن يعبث به، وأن يخرج عليه. فالإجماع كاشف عن دليل شرعي، فإذا كان إنكار الدليل الشرعي أو جحوده أو مخالفته معصية فكذلك الإجماع.

ختاما..

لقد اعتبر علماء الحديث، وعلماء الجرح والتعديل، الصحابة كلهم عدول ولم يتكلموا فيهم، خلافا لمن أتى بعدهم، فقد تكلموا فيهم، وردوا كثيرا من الأحاديث لعدم توفر شروط العدالة أو الضبط فيهم. ويكفي أن أعظم إجماع تحقق في زمن الصحابة –رضوان الله عليهم- إجماعهم على القرآن؛ فلم يختلفوا فيه؛ وهذا مِن حِفظِ الله له: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))، الحجر: 9، فهو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما قال تعالى: ((لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ ولَا مِن خَلفِه))، فصلت: 42. ولولا حفظ الصحابة له وإجماعهم عليه لاختلفت الأمة فيه.

فينبغي حفظ هذا الفضل والمكانة لهم، وصيانة جنابهم من طعن الطاعنين وتشكيك المشككين تحت ذرائع مختلفة تهدف لإسقاطهم ومن ثمَّ النيل من مصادرنا الأولى: الكتاب والسنة. وقد ذَهبَ بعضُ أَهلِ العلمِ لتكفير من أنكر ما أجمع عليه الصحابة، ووصفه بعض مَن لم يُكفِّره بالابتداع. قال التفتازاني في شرحه (التلويح على التوضيح)[29]، في كلامه عن مراتب الإجماع: "فالأولى –أي مرتبة إجماع الصحابة- بمنزلة الآية والخبر المتواتر يكفر جاحده، والثانية بمنزلة الخبر المشهور يضلل جاحده".

 

[1] رواه أبو داود والترمذي؛ عن حفصة بنت عمر –رضي الله عنهما.

[2] انظر في ذلك: كشف الأسرار، للبخاري: ج6/110، والتقرير والتحبير، لابن أمير الحاج: ج5/35، والمحصول، لابن العربي: ج1/121، والمستصفى، للغزالي: ج1/345، وشرح مختصر الروضة، للطوفي: 3/5.

[3] وهو مذهب الشيعة!

[4] أصول الفقه، لوهبة الزحيلي: ص532.

[5] انظر: النبذ في أصول الفقه، لابن حزم: ج1/23.

[6] انظر: نزهة الخاطر العاطر، لابن بدران: ج1/335، وإعلام الموقعين: ج1/30.

[7] انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني: ج1/388.

[8] المدخل إلى السنن الكبرى، للبيهقي: ص110.

[9] مجموع الفتاوى: ج19/178.

[10] رواه الترمذي، رقم: (2167). قال عنه الحافظ ابن حجر -رحمه الله: حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال. وقد صحح إسناده الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، وانظر: تخريج مشكاة المصابيح، رقم: (171).

[11] رواه ابن أبي عاصم في كتاب (السُّنَّة). وقد حسنه الشيخ الألباني بمجموع طرقه. انظر: تخريج كتاب السنة: 82، 83، و92؛ وصحيح الجامع، رقم: (1786). والسلسلة الصحيحة، رقم: (1331).

[12] متفق عليه.

[13] رواه أبو داود، برقم: (4758)، وصححه الألباني في (صحيح أبي داود).

[14] الرسالة: ج1/ 403.

[15] قال عنه الألباني: إسناده جيد موقوفا. انظر: تخريج كتاب السنة، رقم: 85.

[16] رقم: 2697.

[17] رقم: 1718.

[18] روضة الناظر: ج1/387.

[19] انظر: إرشاد الفحول، للشوكاني: ج1/175.

[20] التقرير والتحبير، لابن أمير حاج: ج3/83.

[21] الرسالة: ص39.

[22] مجموع الفتاوى: ج7/40.

[23] المرجع السابق.

[24] مجموع الفتاوى: ج7/39.

[25] مجموع الفتاوى: ج19/176.

[26] مجموع الفتاوى: ج19/177- 178.

[27] أصول السرخسي: ج1/308.

[28] انظر: شرحه على كتابه (الأصول من علم الأصول): ص498.

[29] ج2/109.