رؤية في المستجدات /

#قانون_جاستا وإرهاب أمريكا! [ مقال ]

[ الجمعة 29 ذو الحجة 1437 هـ ] [ 424 ]

بعد عقود من الإرهاب عبر العالم تقرر أمريكا محاكمة الدول التي تصفها بـ"راعية الإرهاب"!. ففي خطوة جديدة أبطل الكونغرس الأمريكي "فيتو" الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" ضد "قانون العدالة ضد رعاة الارهاب"، ليجعل منه تشريعا نافذا. يتيح القانون للمحاكم الفدرالية في الولايات المتحدة النظر في دعاوى مدنية ضد أي دولة ذات سيادة، قدمت -بعلمها أو بنحو متهور- دعماً مادياً أو موارد -بشكل مباشر أو غير مباشر- للأفراد أو المنظمات التي يحتمل بنسبة كبيرة ارتكابها أعمالاً إرهابية. ويخول لهذه المحاكم ممارسة الولاية القضائية الشخصية، وفرض محاسبة أي شخص يرتكب أو يقدم المساعدة أو يحرض أو يشرع في ارتكاب أي عمل من أعمال الإرهاب الدولي ضد أي مواطن أمريكي!

كما يلغي القانون حصانة أي دولة من الخضوع لاختصاص المحاكم الأمريكية؛ في منافاة واضحة للقانون الدولي الذي يعطي الدول ذات السيادة حصانة ضد هذا الأمر. فقد جاء في بند محاسبة الدول الأجنبية ما يلي: "لا يجوز لدولة أجنبية أن تكون في مأمن من اختصاص المحاكم الأمريكية، في أي قضية من القضايا التي تطالب بتعويضات مالية ضد دولة أجنبية جراء إصابات جسدية لشخص أو ممتلكات أو حوادث قتل تحدث في الولايات المتحدة"، وتكون نتيجة:

عمل من أعمال الإرهاب الدولي في الولايات المتحدة؛ أو عمل من أعمال أي دولة أجنبية، أو من أي مسؤول أو موظف أو عميل لتلك الدولة الأجنبية، خلال عمله ضمن نطاق مكتبه أو وظيفته أو وكالته، بغض النظر عن موقع حدوث هذه الأعمال من الدولة الأجنبية.

السعودية في دائرة المؤامرة:

يعطي القانون الذي رمز له بـ"جاستا" أسر ضحايا أحداث 11 سبتمبر 2001م الحق في مقاضاة أي دولة أجنبية يشُكُّون في لعبها دورا في تلك الهجمات. ورغم أن القانون لا يشير صراحة إلى المملكة العربية السعودية، إلا أنه فُصِّل على مقاسها –كما يرى البعض. فالبرغم من أن لجنة التحقيق الأمريكية الرسمية بشأن هجمات الـ11 من سبتمبر أَقرَّت بأن السعودية لا دور لها في تلك الأحداث، إلا أن 15 شخصا من بين 19 شخصا نفذوا هجمات 11 سبتمبر يحملون الجنسية السعودية، وينتمون إلى "تنظيم القاعدة"، وهو ما جعل السعودية محل اتهام عدد من وسائل الإعلام ورموز الفكر والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ عنه في حينها حملة اتهامات ومطالب ضد مؤسسات خيرية وشخصيات وطنية.

وبعد أن عجزت الإدارة الأمريكية وأجهزتها الأمنية خلال 15 سنة الماضية من إثبات تورط السعودية في الوقوف خلف تلك الأحداث، جاء تشريع القانون ليفتح المجال أمام الجهود المدنية لخوض غمار المواجهة على مصراعيه. وعلى الرغم من أن القانون يسمح للنائب العام الأمريكي بالتدخل لوقف متابعة أي قضية بموجب شهادة وزير الخارجية على أن الولايات المتحدة تجري محادثات بحسن نية مع الدولة المتهمة إلا أنه يسمح لأي قاض بأي محكمة أمريكية صغيرة حجز مليارات الدولارات لأي دولة يتم اتهامها.

ورغم أنه سبق للرئيس الأمريكي "باراك أوباما" أن رأى في القانون خطرا على الأمن القومي الأمريكي، وعارضه واستخدم حق الفيتو ضده، وبرغم أن السعودية تواجه خطر الإرهاب وتقوم بجهود في مكافحته، إلا أن توجه صانع السياسة الأمريكية مندفع لهذا التشريع!

إنَّ #قانون_جاستا مؤشر على نوايا أمريكية في الصدام مع العالم الإسلامي مجددا، بأوراق جديدة. وأكبر خطر في القانون هو الاستحواذ على الودائع المالية والاستثمارات العربية والإسلامية داخل الولايات المتحدة الأمريكية بصورة سهلة وسريعة، وبعيدا عن أي تبعات. فهو بمثابة إعلان "حرب مالية" على دول عربية وإسلامية، في مقدمتها السعودية.[1]

وحيث أنه من الصعب استهداف أرض الحرمين بانقلاب عسكري أو ثورة شعبية عارمة، لإمكانية فشل مثل هذه الأدوات، فإن الإدارة الأمريكية تعمل باتجاه التضييق المتدرج والخنق المحكم واستفراغ طاقة دول المنطقة من خلال إشعال حروب أهلية وطائفية وإطلاق يد إيران في المنطقة. فالقانون يأتي بعد الاتفاق مع إيران على برنامجها النووي، والإفراج عن أموالها التي جمدت لأكثر من ثلاثة عقود، والتنسيق معها ومع أذرعتها في ملفات المنطقة: العراق، سوريا، اليمن.

المنافقون وشهاداتهم:

في حين كان الغرب يحبك مؤامرته ضد المسلمين شعوبا ودولا، كان فريق المنافقين -من العلمانيين أعداء الشريعة- يسهمون في ترسيخ صورة تُدِينُ الإسلام والمسلمين، وأرض الحرمين خصوصا، في ثقافتها ورجالها وتقاليدها، وتَصِمُهم بالإرهاب!

فقد عمل هؤلاء عبر المنابر الإعلامية، وبمختلف صيغ الخطاب الإعلامي، على إدانة المناهج والمؤسسات التعليمية والهيئات الشرعية ودور التحفيظ والمساجد في السعودية. وألحقوا بشكل -مباشر وغير مباشر- تهمة "الإرهاب"، التي اتخذت بعد 11 سبتمبر كذريعة لإدانة الآخرين والعدوان عليهم وعلى خصوصياتهم وسيادتهم، بوطنهم ومجتمعهم.

وفي الوقت الذي اشتغلت فيه القوى الاجتماعية الخيرة برفض #قانون_جاستا ، والتعبير عن تعاطفهم مع السعودية "أرض الحرمين الشريفين"، إذ بالعلمانيين يعتذرون لأمريكا عن توجهها التآمري، ويبرئون ساحتها من أي مقصد عدواني. بل إن بعض الأقلام انبرت للوم الأمة على "توليد الإرهاب"!

لقد استمرأ هذا الفصيل العمالة والعداء للدين والهوية والأمة. وهذه المواقف الخائنة والخادمة لأعداء الأمة مواقف طبيعية من هذا الصنف الذي مرد على النفاق والوقوف ضد الأمة ودينها وهويتها ومصالحها.

وقد كان الواجب على الأمة الإسلامية اليوم التحرك بجد في مواجهة هذه المؤامرات متعددة الدوائر، والأدوات، والمستويات. وهذا يتطلب تجاوز الخلافات السياسية والاجتماعية وإقامة تحالف كبير، تنخرط فيه قوى الأمة للدفاع عن وجودها وحقوقها ومصالحها وهويتها الدينية والاجتماعية.

لقد جاءت اعترافات واضحة وصريحة من عناصر منشقة عن داعش، واتهامات من أطراف دولية، وعلى لسان مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات 2016م الرئاسية "دونالد جون ترامب"، بتورط الإدارة الأمريكية بصناعة داعش، ودعمها؛ فأين إعلامنا من هذه الحقائق الدامغة، ولماذا لا تتحرك الأنظمة العربية بموجبها.

الجزاء بالمثل:

إن على مجالس النواب والشورى في المنطقة تشريع قوانين على غرار #قانون_جاستا للسماح بمحاكمة الولايات المتحدة الأمريكية على جرائمها في المنطقة، بما في ذلك دعمها للكيان الصهيوني المجرم، وتجميد مصالحها. فالسجل الأمريكي في المنطقة حافل بالإجرام في: أفغانستان، وباكستان، والعراق، والصومال، والسودان، وليبيا، وفلسطين. فقد احتلت الولايات المتحدة أفغانستان والعراق بقرصنة دولية، وكذبات تاريخية، راح ضحيتها ملايين البشر، وانتهكت بموجبها سيادة دول، وانتهكت حقوق وحريات مجتمعات كاملة. وتسببت في قتل أبرياء واضطهادهم في عدة دول أخرى خارج إطار القضاء والقوانين.

وتشريع قوانين بهذا الشأن سيتيح محاكمة مئات المسئولين وآلاف الجنود والحكومة الأمريكية بصورة قانونية تعيد للعدالة موازينها. وهو ما يخشاه العقلاء من الساسة والمفكرين ورجال الإعلام في الولايات المتحدة. وقد اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن القانون -إذا ما تم إقراره- سيعرض أمريكا ومواطنيها ودبلوماسييها، لعدد من المحاكمات والملاحقات القانونية من جانب دول غربية؛ وذكرت أنه سيكلف أمريكا "ثمناً كبيراً"! كما حذر الاتحاد الأوروبي من اعتماد قانون جاستا، لأنه سيدفع بلاد أخرى بتطبيق نفس مبدأ هذا القانون بشكل أوسع.

إن الدول الإسلامية –إذا أرادت- تمتلك مقومات عديدة تجعل من الصعب على الغرب تركيعها أو ابتزازها وسرقة مدخراتها عبر أدواته المختلفة. والمطلوب هو مواقف موحدة وإجراءات مشتركة تعمل على "فرملة" هذا التآمر.

وبحسب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق لشؤون الأمن الدولي "شاس فريمان"، والذي شغل منصب سفير واشنطن في الرياض أثناء عملية عاصفة الصحراء، فإنَّ بإمكان السعودية الرد على القانون بأساليب من شأنها أن تضع مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية على المحك. كما حذّر عدد من الشخصيات من ردات الفعل السعودي تجاه خطوة كهذه. ولا زال قرار حظر النفط الذي اتخذ عام 1973م بزعامة الملك فيصل بن عبدالعزيز والرؤساء العرب يمثل ذكرى للحزم العربي في القضايا المصيرية.

إن لهذا القانون الجديد انعكاسات سلبية على المدى القريب والمتوسط، وربما آثار ارتدادية إستراتيجية على المدى البعيد، ونتائجه على العلاقات الدولية بين العالمين الإسلامي والغربي ستكون خطيرة. وهو جزء من الحملة العدوانية على الأمة بلباس قانوني وقضائي.

ثمرة سراب:

لقد عاش كثير من أبناء الأمة وَهمَ أَن يتخلى الغربُ عن عدائه للإسلام والمسلمين، وأن يتجاوز تاريخ الصراع الدامي الذي خلفته حروبه الصليبية والاستعمارية على المنطقة، وأن يمتثل الشعارات والمبادئ التي يرفعها ويعلن عنها. وهم اليوم يستيقظون تحت مطارق الحقائق التي غابت عنهم، وتجاهلوها في ظل بريق الشعارات وضجيج الدجل الغربي.

إن عداء اليهود والنصارى للمسلمين والإسلام عداء كامن في صدورهم. ولطالما جسده التحالف الغربي- الإسرائيل منذ نشأ وعد بلفور لليهود بإنشاء وطن لهم في فلسطين. وهذا التحالف لم ينفك يوما، ولم يتراجع عن مخططاته العدوانية في المنطقة. بل هو اليوم يصطف مع العدوان الصفوي الفارسي الشيعي الطائفي ويتخلى عن كل مصالحه مع دول المنطقة السنية؛ لا لشيء سوى لأن الحرب مع الإسلام! وليس مع الإرهاب!

هذه الحقائق تفرض استلهام توجيهات القرآن الكريم في الموقف من اليهود والنصارى، والمشركين وأهل النفاق، وعدم الانخداع بظواهرهم الزائفة وكلامهم المعسول، لذلك أوصى الله تعالى المؤمنين بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِن دُونِكُم لَا يَألُونَكُم خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّم قَد بَدَتِ البَغضَاءُ مِن أَفوَاهِهِم ومَا تُخفِي صُدُورُهُم أَكبَرُ قَد بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُم تَعقِلُونَ))، آل عمران: 118.

لقد وصمت أمريكا الجماعات الجهادية والحركات الإسلامية والهيئات الإغاثية بالإرهاب، وسعت في محاربة التمدد السني في أفريقيا وآسيا وأوروبا؛ وأسقطت نظام العراق تحت دعوى وجود أسلحة دمار شامل، وتركت الفوضى تعم الدول العربية بعد عرقلة التحولات السياسية فيها على خلفية ثورات 2011م، وهي الآن تستهدف اليوم قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم. ويأتي هذا الاستهداف على لسان مرشح للرئاسة الانتخابية واضحا، حيث اتهم ترامب -خلال إحدى محطات حملته في ولاية ويسكونسن- بعدم المساهمة بشكل عادل في كلفة الدفاع الأمريكي، وقال "إننا نرعى السعودية. الآن لا يستطيع أحد إزعاج السعودية لأننا نرعاها، وهم لا يدفعون لنا ثمنا عادلا، إننا نخسر كل شيء"!

لذا فإن جهود المسلمين ينبغي أن تنصب في مقاومة العدوان على كافة الجبهات وفي كل المستويات. فمعركة الأمة اليوم باتت معركة واحدة في العراق والشام واليمن وغيرها. وخذلان المسلمين في أي من هذه المواطن هو قبول بانتكاسة الأوضاع لما هو أسوأ مما هي عليه.

 

[1] تتجاوز قيمة الأصول التي تمتلكها السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية ترليون ونصف الترليون دولار في بعض التقديرات.