رؤية في المستجدات /

سوريا.. جبهة صمود في مواجهة مشاريع عدوان [ مقال ]

[ السبت 23 ذو الحجة 1437 هـ ] [ 435 ]

تستمر مأساة الشعب السوري مع نهاية عام هجري جديد (1437هـ) دون أي بصيص أمل في تراجع العدوان الداخلي والخارجي؛ بل على العكس تماما تتفق جميع المشاريع العدوانية على –الصفوية والصليبية والصهيونية- على إكمال المجزرة الإنسانية في حق هذا الشعب الأعزل إلا من كرامته وعزيمته وصبره وثباته. قرابة ست سنوات من الإجرام الذي طال جميع فئات الشعب، ومختلف مناطق سوريا، ووثقته مختلف وسائل الإعلام، وبشهادة من مختلف المنظمات والهيئات المحلية والإقليمية والدولية، وانعكست آثاره على العمران والأمن والاقتصاد.

وأخطر ما في الأمر تلك الآثار السلبية التي تمثلت في تغيير التركيبة الديمغرافية، فقد هاجر أكثر من 5 ملايين سوري إلى خارج سوريا، في حين نزح أكثر من 7 ملايين سوري إلى مناطق أخرى داخل سوريا هربا من الحرب الدائرة، مع مقتل ما يزيد عن 500 ألف شخص في ظل الصراع.

وهذا التغيير الديمغرافي الذي يتم ملأ فراغه والتحكم في مساراته من قبل المشاريع المتنافسة على وجودها المستقبلي في أرض الشام سينعكس على مستقبل سوريا بأي حال من الأحوال. خاصة وأنه لا يوجد أي دعم أو عون أو مساندة من قبل الدول العربية والإسلامية –عدا النزر اليسير وعلى ضعف- للشعب السوري والجيش الحر والفصائل الثورية المناضلة والرافعة السياسية لهم "الائتلاف السوري".

هذه المعاناة الإنسانية القائمة في أرض الشام لن تقف عند القضية السورية، بل ستطال دول الجوار في حال سقطت مقاومة الشعب السوري وثورته أمام المشاريع الاستعمارية المتنافسة. فسوريا ستمثل البلد التالي للهيمنة الإيرانية على غرار ما جرى ويجري في العراق؛ وبذلك ستتحول سوريا إلى منطلق للتمدد الإيراني في المنطقة، بعد أن تصبح ضمن الهلال الشيعي (إيران- العراق- سوريا- لبنان).

وهنا ينبغي السؤال: ماذا لو جرى القضاء على الثورة السورية؟ ما هي التبعات والنتائج؟

أولا: إن القضاء على الثورة السورية سيمكن للتمدد الإيراني وأذرعته في سوريا، فهي الكاسب الأكبر من هزيمة الثورة السورية. وعليه سوف يكون حكم سوريا مهيمنا عليه من قبل المليشيات الشيعية المسلحة وإن تحت مظلة الطائفة النصيرية –التي لا تختلف كثيرا عن الاثنى عشريين. وعليه سوف تتمكن هذه المليشيات من تغيير الديمغرافية السكانية بالقضاء على الوجود السني -تحت عدة مبررات، وبإضعاف ما يتبقى منه، كما هو الحال في العراق. وبالتالي سوف تحصل إيران على منطقة نفوذ تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط بكل ثرواتها؛ وسوف تكون قادرة على التحكم في المنطقة بشكل أكبر.

ثانيا: القضاء على الثورة السورية سوف يدفع إيران وأذرعتها في الخليج والجزيرة العربية لرفع سقف المطالب والتحرك والظهور. وما تضحيات إيران في الشأن اليمني إلا من قبيل استكمال النفوذ على المنطقة من البوابة الجنوبية للجزيرة العربية والتي يمكن أن تمثل خنجرا في خاصرة دول الجزيرة العربية. ومن ثم يصبح تحرك شيعة المنطقة محميا ومدعوما وقادرا على الاتصال بجبهات إمداد في حال نشوب أي نزاع.

ثالثا: سيعزز القضاء على الثورة السورية من بروز الأكراد كقوة صاعدة تحمل –في صيغتها الحزبية- موروثها العدائي مع العروبة والإسلام، وعمالتها للغرب وإسرائيل. وهذا سيضعف أي دور تركي منافس لإيران في المنطقة ومتعاون مع الأنظمة العربية السنية. بل قد يصبح صعود قوة الأكراد في سوريا محركا لنشوء الدولة الكردية التي يمكن أن تهدد تركيا سياسيا وعسكريا!

رابعا: مع القضاء على الثورة المصرية وبروز نظام السيسي الانقلابي باتت القضية الفلسطينية أكثر تهديدا، خاصة وأن النظام المصري الانقلابي يعمل على محاربة قطاع غزة حيث حاضنة المقاومة الفلسطينية، ويعزز مواقف إسرائيل العدوانية بل ويتعاون معها استخباريا وأمنيا. وفيما إذا جرى القضاء على الثورة السورية وتمكن إيران في المنطقة سيصبح الموقف العربي ضعيف جدا، وسوف تكون إيران البديل الأنسب للتعاون مع الدولة الصهيونية وخدمة أهدافها في المنطقة.

خامسا: سيفتح القضاء على الثورة السورية شهية الدول الغربية لعودة الاستعمار بصور حديثة تتلاءم مع طبيعة الشركاء والحلفاء القائمين في المنطقة. وبهذا فإن الدول العربية الأخرى سوف تكون معرضة لمزيد من التنازلات في سبيل ضمان سلامة أنظمتها الحاكمة، ودفع ضريبة بقاءها أضعافا مضاعفة.

سادسا: إن الضعف الذي نتج عن الثورات المضادة في مصر وتونس وليبيا واليمن، وحالة الانقسام والاحتراب التي رافقت ذلك، سوف تتضاعف وترتد مجددا في حال سقوط الثورة السورية.

وعليه فما هو الموقف من ذلك؟؟

على المستوى الرسمي:

على حكومات دول الخليج وهي المستهدف الأكبر من هذا التآمر، وذات الثقل الاقتصادي العالمي، أن تقوم بدور محوري في الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي للوقوف إلى جانب الشعب السوري. وأن تتعاون مع بقية دول العالم للتأثير على المحافل الدولية لانتزاع قرارات مؤيدة ومساندة لقضيته.

وعلى حكومات دول الخليج ألا تقف عند مستوى الخطاب السياسي والبيانات بل النزول إلى مستوى الفعل والتأثير والحركة. فهي قادرة على تفعيل دور الشعوب ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات الشرعية والدعوية للقيام بأدوار واسعة وكبيرة. وكمثال على ذلك جهود هذه الدول زمن الحرب الأفغانية، والتي أثمرت في تعديل موازين القوى والتأثير على مسار الصراع هناك.

إن تحرك هذه الحكومات ينبغي أن يقوم على أساس الشعور بالمسئولية التي كلفهم الله تعالى بها، والعهد الذي أوجبه عليهم كولاة أمور لشعوبهم. وينبغي أن يكون رضى الله تعالى وتحقيق مراده في نصرة المظلوم وردع الظالم، والدفاع عن أهل الإسلام ونصرتهم، والجهاد في سبيل ذلك بالكلمة والموقف والمال والأنفس، هو قصدهم. وسوف تكون مواقفهم هذه مؤيدة من الشعوب العربية والإسلامية، ومشكورة لهم، وستجد صداها في أوساطهم والقادرين منهم.

على مستوى العلماء:

لقد كان علماء الإسلام على مدار التاريخ هم المتصدرين للتوجيه في زمن التحديات والفتن، بعلمهم وحكمتهم ومواقفهم. فليس المطلوب منهم فتاوى وكلمات عابرة، وأدعية وبيانات، بل أن يتداعوا لاتخاذ مواقف متقدمة وتقديم رؤية شرعية تراعي المصالح والمفاسد والمقاصد لقيام الأمة جمعاء بالواجبات والتكاليف المنوطة بها في مثل هذه الظروف.

إنَّ الحرب على الإسلام التي باتت هي محور المشاريع المتنافسة في المنطقة تتطلب رؤية كلية شاملة استشرافية تحافظ على الهوية الجامعة والمكاسب الكبرى بعيدة المدى. وهذا يتطلب تواصل العلماء بالفئات السياسية والفكرية والاقتصادية وصناع القرار، من مختلف التوجهات والمجتمعات، للخروج بهذه الرؤية وتعزيز روح الشورى والتشاور.

لقد باتت قضايا المنطقة اليوم معقدة لكنها مترابطة، وهي قضايا مصيرية فلن تتوقف آثارها على الجيل الحالي أو الذي يليه، بل سوف يكون أثرها أبعد من ذلك، وأصداؤها ونتائجها ستطال العقيدة والشريعة والدعوة والأخلاق والوضع الاقتصادي والأمني. وإذا لم يتم التصدي للفتنة في مهدها كبرت وتضاعفت، واحتار العامة فيها، وتمكن منها أهل الفجور والإجرام.

إن المقاومين في سوريا واليمن وغيرها خط دفاع عن الأمة جمعاء، وإذا جرى التعامل معهم كجماعات مسلحة مفرقة تدافع عن ذاتها وأعراضها وأموالها فسوف يتوقف الأمر في دعمهم ومناصرتهم على هذا الحد. والحقيقة تقتضي أن تعتبرهم الأمة خط دفاعها الأول الذي إذا انهار سينفتح عليها باب شر عظيم. وصدق الله إذ يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَموَالِهِم وأَنفُسِهِم فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَم يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلَايَتِهِم مِن شَيءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وإِنِ استَنصَرُوكُم فِي الدِّينِ فَعَلَيكُمُ النَّصرُ إِلَّا عَلَى قَومٍ بَينَكُم وبَينَهُم مِّيثَاقٌ واللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ * والَّذِينَ كَفَرُوا بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ إِلَّا تَفعَلُوهُ تَكُن فِتنَةٌ فِي الأَرضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ * والَّذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُم الـمُؤمِنُونَ حَقًّا لهُم مَغفِرَةٌ ورِزقٌ كَرِيمٌ))، الأنفال: 72- 74.

المؤسسات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني:

في حين يدافع أبناء الشام عن الأمة في معركتهم الحالية التي وعتها المشاريع المتنافسة –الصفوية والصليبية والصهيونية- تنشغل كثير من المؤسسات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني عن واجب الوقت ومهمة المرحلة، تاركة المشهد للطرف المعادي للعبث بالقضية إعلاميا وإنسانيا وسياسيا.

إن المأساة الإنسانية التي بلغتها القضية السورية ترمي بثقلها على الأمة المسلمة، فحجم المعاناة كبير جدا، ومستوى التحديات مرتفع، والعقبات متعددة، ما يتطلب جهودا منظمة ضخمة، ومبادرات متعددة، وطرق ووسائل جديدة تكسر الحصار وتصل إلى ذوي الاحتياجات بشكل مباشر.

لقد أظهرت الأحداث أن المنظمات الأممية والدولية تعبث بالملف الإنساني في سبيل الكسب والتربح، وكذلك بعض المؤسسات الحاضرة إعلاميا دون جهود على أرض الواقع. لذلك فإنَّ على الحكومات العربية والإسلامية تفعيل دور المؤسسات المحلية الوطنية ذات السمعة الطيبة في القيام بأدوار الإغاثة والعون الإنساني بمختلف أشكاله.

والأمر لا يتوقف عند أي شريحة عمرية، أو فئة احتياج، بل يتطلب توسيع دائرة العون والإغاثة لكل مناشط الثورة والشعب السوري الرافعة لتمكنه العسكري والسياسي وتحقيق أهدافه. بما في ذلك دعم الجهود الإعلامية والحقوقية والتربوية والدعوية والتنموية في الداخل والمخيمات.

إن قضية بحجم ما يجري في الشام والمنطقة عموما يتطلب مزيدا من التنسيق والتعاون بين المؤسسات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني المختلفة، بعيدا عن الحزبيات والعصبيات والولاءات الضيقة والارتجالات الفردية والفئوية، فطبيعة المرحلة المواجهة الشاملة. وقد أشار القرآن الكريم للمعنى التقابلي في الأمور في كثير من آياته: ((وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))، التوية: 36.

إن جزءا من المهمة تقتضي تجاوز الخطوط الحمراء الفعلية والمصطنعة والموهومة، وإثبات دور هذه المنظمات والمؤسسات بفعل الأمر الواقع وعبر مبادرات مختلفة. ويمكن في ظل سياسة الممكن التحالف مع منظمات عالمية لها حضورها ووثوقيتها في ميدان العمل الإنساني والإغاثي، لتكون حاضرة ومشاركة في الدعم أو العمل الميداني.

على المستوى الشعبي:

لقد أكدت ثورات 2011م على الدور المهم للشعوب في الدفاع عن حقها في الوجود والعدل والعيش الكريم والحرية. ومثلت المبادرات الفردية وحراك الشارع ظاهرة لافتة لمدى قوة الشعوب إذا هي تحركت وسعت لتحقيق ما تريده ويخدم مصالحها. ومن هنا جاءت مؤامرة الغرب في انخراط هذه الشعوب في حروب داخلية، وإنهاكها بخناق وتدهور اقتصادي يعيدها إلى حالة الارتهان للقمة العيش وضرورياته.

لقد أثبتت الأحداث أن الشعوب المسلمة شعوب حية، تمتلك عاطفة كبيرة، ولديها شعور بالولاء والانتماء تجاه بعضها البعض؛ ولذلك فلا ينبغي تجاوزها وإهمالها في صراع يجري فيه حشد وتوظيف طوائف وأقليات وجموع بشرية مسلحة ومتوحشة للقضاء على إرادة الشعوب وعزيمتها.

إن الضعف الذي لحق بالشعب العراقي مكن لنفوذ الطائفية الشيعية المتسلحة بكل الوسائل، وهيمنتها على القرار السياسي والثروات القومية وأجهزة الدولة ومؤسساتها. وقد أصبح العراق مرتعا للمليشيات الطائفية التي تنهب وتفسد وتجرم. كما أصبح منزلا لاستيطانها وجسرا لعبورها إلى الدول الأخرى.

وفي حال أصاب الشعب السورية انتكاسة كاملة وقضي على ثورته، فإن المأساة سوف تتكرر. وهو اليوم قادر على إيقافها ومواجهتها مهما تطلب الأمر. لكنه فقط بحاجة للوقوف معه، وليس العبث بمصيره والمتاجرة بقضيته كملف من ملفات السياسة البرجماتية.

لقد استطاعت المقاومة الفلسطينية رغم الحصار والتضييق في غزة على الصمود وإيقاف مشروع الاحتلال الإسرائيلي بإمكانيات بسيطة، لكنها وجدت حاضنة شعبية وإرادة مجتمعية صابرة وثابتة ومضحية.

من هنا تأتي أهمية أن تستثمر دول الخليج خاصة قدرات شعوبها، وأن تعززها وترشدها لكي تعمل بشكل سليم في سبيل مناصرة الشعب السوري دون انحياز أو تشظي. وهذا يتطلب قدرا من الحرية والتشجيع وتعزيز المبادرات ورعايتها وفتح آفاق واسعة للأنشطة المجتمعية.

وفي هذا الصدد يمكن إعلان جبهة شعبية واسعة تضم رجال أعمال ومشائخ قبائل ووجهاء اجتماعيون ومشاهير ونشطاء سياسيون من مختلف التوجهات والبلدان، للقيام بمشروع عون وغوث كبير جدا، يحضر من خلال الشارع ووسائل الإعلام والمال.

وهذا لا يعني ضرورة النشاطات الفردية والبذل الأحادي المتزن والمتسق مع جهود الشعب السوري وجهاده، دون أي إملاءات أو توظيف. والمرء مسئول عما قدم يوم القيامة –أحسن الناس أم أسأوا، بذلوا أم قصروا. فكل إنسان لا يكلف إلا نفسه.

وإن وعد الله حق ولكن أكثر الناس لا يعلمون.