النهضة و التغيير /

القصة التاريخية القرآنية.. بين العبرة والتشكيك! [ مقال ]

[ الجمعة 15 ذو الحجة 1437 هـ ] [ 990 ]

اهتم القرآن الكريم بالتاريخ؛ حتى وجدنا أن أغلب آيات القرآن تتحدث عن قصص تاريخية أكثر من حديثها عن جانب الأحكام والعقائد والسلوك، وإن كنا نستنبط كثيراً من ذلك من سياق التاريخ القرآني. وهذا الاهتمام القرآني بالقصص التاريخي يتمثل في ناحيتين: الأولى ذكر الأحداث التاريخية؛ والثانية الآيات التي تكون مرتبطة بأسباب النزول، فإنها في حقيقتها أيضاً تاريخ لحدث واقع في زمن الصحابة -رضي الله عنهم. والقصة هي تصوير لوقائع تاريخية، حدثت في فترة من الفترات، بأشخاصها وملابساتها وتفصيلاتها، لتعيد تشكيلها في وعي المتلقي وشعوره، بتسلسل مجرياتها كما وقعت.

أهداف القصة التاريخية القرآنية:

القصة في القرآن ذات أهداف دينية بحتة. فهي مسوقة للموعظة والتربية والتوجيه. وحين نتحدث عن أهداف القصة القرآنية فإنه ينبغي علينا "ألا نقف في الحادثة عند دلالتها المفردة، ولا الشخص عند كيانه الفرد, وإنما تشير الحادثة إلى السنة الشاملة، ويشير الشخص إلى الإنسان من وراء الظروف الملابسات، وترتسم يد القدر من وراء الأشخاص والأحداث على أنها القوة الموجهة المريدة التي تسيّر كل شيء بمقتضى الناموس الأكبر الذي يحكم الوجود".[1]

ولعل من أهم أهداف القصة القرآنية:

- إثبات صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم، وصدق رسالته، وصدق الوحي الذي نزل عليه. فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أميا، لا يقرأ ولا يكتب. كما جاء وصفه في القرآن: ((الرسول النبي الأمي)). فهو لم يتلق العلم على يد بشر. ولم يقصد إلى أحد من معاصريه من علماء اليهود أو النصارى للتعليم والسماع منهم. فلمَّا نزل عليه القرآن يقص عليه مالا يعلم من أنباء الأنبياء السابقين وأخبار الأمم الماضية بما يتفق مع بعض ما جاء في التوراة والإنجيل كان ذلك دليلاً لا يقبل الشك على أن هذا القرآن ما كان حديثاً يفترى[2]: ((ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون))، آل عمران: 44، ((ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون))، الأعراف: 157.

فمن كان عاقلاً موفقاً صدَّق بما أوحى الله إليه، و ومن كان جاحدا معانداً صده جحوده وأنكر ما جاء به، كما أخبر الله تعالى: ((وقالوا أساطير الأولين اكتبتها فهي تملى عليه بكرةً وأصيلا))، الفرقان: 5. ورد عليهم المولى تعالى تكذيباً لهم وتصديقاً للنبي -صلى الله عليه وسلم: ((قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض))، الفرقان: 6.

- بيان أن الله ينصر أولياءه ويهلك المكذبين، وذلك تثبيتاً للرسول الكريم وصحابته، وتنبيها لعقول من يدعوهم إلى الإيمان: ((وكلاً نقصُّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاء ك في هذه الحق وموعظةً وذكرى للمؤمنين))، هود: 120. وتبعاً لهذا الغرض كانت ترد قصص الأنبياء ومجتمعاتهم مختومة بمصارع من كذبوهم[3]. و"بالجملة فحيث ذكر قصص الأنبياء -عليهم السلام, كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون، فإنما ذلك تسلية لمحمد –صلى الله عليه وسلم، وتثبيتا لفؤاده، لما كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة، فتذكر القصة على النحو الذي يقع له مثله"[4].

- ومن أعظم الأهداف التذكير والاتعاظ والاعتبار. لذلك نجد كثيراً من القصص القرآني يختم بجملة ((لعلهم يتذكرون))، فإنَّ السنن الإلهية لا تتخلف، فمن سار على درب الهالكين هالك لا محالة، ومن سار على درب الفائزين فاز -بإذن الله.

وقد اهتم القرآن "بتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع"[5]. وعندما يأمر القرآن بالتفكير والتدبر فإنما يطلب المقارنة والقياس؛ يقول ابن عطية: "ثم أحالهم في علم ذلك على الطلب في الأرض واستقراء الأمم، والوقوف على عواقب الكافرين"[6].

- "بيان الأصل المشترك بين دين محمد ودين إبراهيم بصفة خاصة، ثم أديان بني إسرائيل بصفة عامة، وإبراز أن هذا الاتصال أشد من الاتصال العام بين جميع الأديان"[7]. و"أن الدين كله من عند الله، من عهد نوح -عليه السلام، إلى عهد محمد –صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة ضاربة في جذور التاريخ، يضمهم ركب واحد مبارك"[8]: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون))، الأنبياء: 92.

- "بيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه، نحو قصة سليمان وداود وأيوب وإبراهيم وعيسى وزكريا ويونس وموسى. فكانت ترد حلقات من قصص هؤلاء الأنبياء تبرز فيها النعمة في مواقف شتى، ويكون إبرازها هو الغرض الأول"[9]. كما أن هذه الأمة المحمدية مخصوصة بعظيم النعمة فإن الله لما "قصَّ هذه القصص على نبيه رأى فضل نفسه، وفضل أمته، وعلم أنَّ الله خصه هو وأمته بكرامات لم يخص بها أحدا من الأنبياء والأمم"[10].

- أن الله قص عليه "أخبار الأنبياء الماضين إحياء لذكرهم وآثارهم، ليكون المحسن منهم في إبقائه ذكره مثبتا له تعجيل جزاءه في الدنيا، حتى يبقى لذكره وآثاره الحسنة إلى قيام الساعة، كما رغب خليل الله إبراهيم -عليه السلام- في بقاء الثناء الحسن، قال: ((واجعل لي لسان صدق في الآخرين))، الشعراء: 84. والناس أحاديث، يقال: ما مات ميت والذكر يحييه، وقيل: ما أنفق الملوك والأغنياء الأموال على المصانع والحصون والقصور إلا لبقاء الذكر"[11].

- بيان قدرة الله تعالى بيانا يثير انفعال الدهشة والخوف من الله؛ لتربية عاطفة الخشوع والخضوع والانقياد ونحوها من العواطف الربانية[12].

التربية بالقصص القرآني:

للقصة في التربية الإسلامية وظيفة تربوية لا يحققها لون آخر من ألوان الأداء اللغوي. ذلك أن القصة القرآنية تمتاز بميزات تجعل لها آثارًا نفسية وتربوية بليغة، بعيدة المدى على مرِّ الزمن؛ مع ما تثيره من حرارة العاطفة ومن حيوية وحركية في النفس، تدفع الإنسان إلى تغيير سلوكه وتجديد عزيمته بحسب مقتضى القصة وتوجيهها وخاتمتها والعِبرَةِ منها. وتتجلى أهم هذه الميزات فيما يلي:

- تشد القصة القارئ، وتوقظ انتباهه، دون توان أو تراخٍ، فتجعله دائم التأمل في معانيها والتتبع لمواقفها، والتأثر بشخصياتها وموضوعها حتى آخر كلمة فيها. ذلك أن القصة تبدأ غالبًا، وفي شكلها الأكمل، بالتنويه بمطلب أو وعد أو الإنذار بخطر، أو نحو ذلك مما يسمى عقدة القصة، وقد تتراكم، قبل الوصول إلى حل هذه العقدة، مطالب أو مصاعب أخرى، تزيد القصة حبكا، كما تزيد القارئ أو السامع شوقا وانتباها، وتلهفا على الحل أو النتيجة.

- تتعامل القصة القرآنية مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في أهم النماذج التي يريد القرآن إبرازها للكائن البشري. ويوجه الاهتمام إلى كل نموذج بحسب أهميته؛ فيعرض عرضا صادقا يليق بالمقام، ويحقق الهدف التربوي من عرضه. فالقصة القرآنية ليست غريبة عن الطبيعة البشرية، ولا محلقة في جو ملائكي محض، لأنها إنما جاءت علاجا لواقع البشر، وعلاج الواقع البشري لا يتم إلا بذكر جانب الضعف والخطأ على طبيعته، ثم بوصف الجانب الآخر الواقعي المتسامي الذي يمثل الرسل والمؤمنون، والذي تؤول إليه القصة بعد الصبر والمكابدة والجهاد والمرابطة، أو الذي ينتهي عنده المطاف لعلاج ذلك الضعف والنقص والتردي البشري في مهاوي الشرك أو حمأة الرذيلة، علاجًا ينهض بالهمم، ويدفع بالنفس للسمو -ما استطاعت- إلى أعلى القمم؛ حيث تنتهي القصة بانتصار الدعوة الإلهية، ووصف النهاية الخاسرة للمشركين الذي استسلموا إلى الضعف والنقص، ولم يستجيبوا لنداء ربهم فيزكوا أنفسهم.

- تربي القصة القرآنية العواطف الربانية عن طريق:

إثارة الانفعالات كالخوف والترقب، وكالرضا والارتياح والحب، وكالتقزز والكره، كل ذلك يثار في طيات القصة بما فيه من وصف رائع ووقائع مصطفاة. وتوجيه جميع هذه الانفعالات حتى تلتقي عند نتيجة واحدة هي النتيجة التي تنتهي إليها القصة. والمشاركة الوجدانية حيث يندمج القارئ مع جو القصة العاطفي حتى يعيش بانفعالاته مع شخصياتها.

وتمتاز القصة القرآنية بالإقناع الفكري بموضوع القصة من خلال:

الإيحاء، والاستهواء، والتقمص؛ والتفكير والتأمل.. فالقصص القرآني لا يخلو من محاورات فكرية ينتصر فيها الحق، ويصبح مرموقًا محفوفًا بالحوادث والنتائج التي تثبت صحته وعظمته في النفس، وأثره في المجتمع، وتأييد الله له.

فيتظافر الإقناع العقلي المنطقي والإثارة الوجدانية والإيحاء وحب البطولة (الاستهواء) والدافع الفطري إلى حب القوة وتقليد الأقوياء، وتتظاهر هذه العوامل، ويؤيدها التكرار مرة بعد مرة؛ وما أكثر تكرار بعض قصص القرآن حتى تؤدي بمجموعها إلى تربية التصور الرباني للحياة وللعقيدة واليوم الآخر، وإلى معرفة كل جوانب الشريعة الإلهية معرفة إجمالية، وإلى تربية العواطف الربانية من حب في الله، وكراهية للكفر، وحماسة لدين الله ولحماته، ولرسل الله، وولاء الله وانضواء تحت لوائه، وإلى السلوك المستقيم وفق شريعة الله، والتعامل حسب أوامره. وبهذا تحيط القصة القرآنية نفس المؤمن بالتربية الربانية من جميع جوانبها العقلية والوجدانية والسلوكية.

علاقة القرآن بالتاريخ:

لقد أوجب بعض العلماء دراسة علم أسباب النزول لأن العبرة ليست بعموم اللفظ وإنما بخصوص السبب. قال الزركشي: "وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته -أي علم أسباب النزول، لجريانه مجرى التاريخ، وليس كذلك، بل له فوائد منها: وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب، ومنها الوقوف على المعنى".[13]

"إن القصص القرآني هو المعرض الواسع والمعين الثر والمنجم البكر، الذي يقف فيه المرء على السنن النفسية والسنن الاجتماعية والسنن الإيمانية، في الفرد والمجتمع والناس والأمم، وعلى مدى ارتباط هذه السنن بعضها ببعض، أو مدى ارتباط السنن الإيمانية بالسنن الطبيعية كذلك.. هنا يقف الدارس البصير على تاريخ الحضارة وتاريخ الإنسان وتاريخ النفس والاجتماع.. وتاريخ التاريخ!".[14]

لكن ينبغي لنا أن نفقه أن القصص القرآني يختلف في سرده للحوادث. فهناك قصة تذكر جميع التفصيلات، كقصة موسى –عليه الصلاة والسلام، وقصة يوسف –عليه الصلاة والسلام، التي تسير مفصلة حتى تنتهي. وهناك قصص متوسطة التفصيل كقصة سيدنا نوح –عليه الصلاة والسلام؛ وأخرى قصيرة، كقصص هود وصالح وشعيب ولوط. وبعضها متناهية في القصر، كقصة زكريا وأيوب.[15]

إن القرآن استخدم "كل أنواع القصة: القصة التاريخية الواقعية المقصودة بأماكنها وأشخاصها وحوادثها، والقصة الواقعية التي تعرض نموذجا لحالة بشرية، فيستوي أن تكون بأشخاصها الواقعيين أو بأي شخص يتمثل فيه ذلك النموذج. والقصة المقربة للتمثيل، والتي لا تمثل واقعة بذاتها، ولكنها يمكن أن تقع في أية لحظة وأي عصر من العصور".[16]

إن من المهم جداً أن نعرف أن القرآن يخرج بالقصة من دائرة السرد التاريخي إلى الدائرة الدينية، والاهتمام بالأهداف. ومن هذا المنطلق فإنه لا يصح حينئذ أن يؤخذ عليه أن لا يتناول القصة من جميع أطرافها، وأنه لا يتسلسل في إيراد حدوثها مرتبة منظمة، وأنه يصعب فهم القصة من القرآن على من لم يطلع عليها من مصدر آخر. ذلك أن القرآن يأخذ من القصة ما يحقق أهدافه من التهذيب والوعظ.

إن القرآن لا يقدم قصصه ومشاهداته لمجرد الترف الذهني، وإشباع حاجة المؤمنين إلى القصص والمشاهدات، ولا لنزعة "أكاديمية" تسعى إلى تتبع ما حدث فعلاً، دون اكتراث للمدلولات الكبرى لهذا الذي حدث وإرشاداته الأخلاقية. فالقرآن يجيء بمعطياته التاريخية من أجل أن يحرك الإنسان صوب الأهداف التي رسمها الإسلام، ويبعده عن المزالق التي أودت بمصائر مئات الأمم والشعوب. كما يجيء بالقصص والأحداث التاريخية من أجل إبراز الفروق الحادة بين المجتمعات الوضعية والمجتمعات الإسلامية على مدار التاريخ، لكي يوضح أنه لا يوجد في كل العالم إلا أمتين اثنتين: أمة الحق وأمة الباطل.

فالحركة هي هدف العرض التاريخي لا مجرد السرد والاستقاء. والقرآن يقدم أصول منهج متكامل في التعامل مع التاريخ البشري, والانتقال بهذا التعامل من مرحلة العرض والتجميع –فحسب- إلى محاولة استخلاص السنن التي تحكم الظواهر الاجتماعية والتاريخية.[17]

فالقصص القرآني إذن لم يكن سرداً مجرداً لبعض الروايات القديمة التي يتسلى بها السامعون, يصدق بعضها ويكذب بعضها، كما في سائر الكتب والقصص, ولكنها -أي قصص القرآن- اتسمت بالواقعية المطلقة التي لا زيف فيها.[18]

وليس من المستغرب على بعض مؤرخي الغرب أن ينكروا حدوث كثير من القصص التاريخي الوارد في القرآن الكريم، أو في كتابهم المقدس. أكان ذلك من مؤرخ يهودي كـ"وِل ديورانت"، الذي زعم أن قصة "شاؤل" طالوت، وداود، "قصة موضوعة من روائع الأدب"[19]؛ أو من مؤرخ نصراني كـ"أرنولد توينبي" الذي ادعى أن موسى –عليه الصلاة والسلام- بطل فولكلوري أسطوري، وقد يكون شخصاً حقيقياً.[20]

وقد أنكر كثير من علماء الغرب قصصا دينية حينما أدخلوا في معايير نقدهم التاريخي علم "الآركيولوجيا"، وأصبح إثبات التاريخ والأحداث عبر ما يحصلون عليه من الآثار والأحفورات. والعجب كل العجب حينما ينبري أناس ممن ينتسبون للإسلام ويزعمون أن القصص القرآني ضرب من ضروب الخيال، وليس له رصيد من الواقع، وإنما ذكره الله في القرآن من أجل العظة والعبرة فقط, أي مثل المرويات الحديثة التي يخترعها القصاص!

وقد تولى كِبر هذه الدعوى في عصرنا الحديث أمين الخولي[21], وتلميذه محمد أحمد خلف الله[22]، والذي تقدم برسالة دكتوراه في عام 1947م بعنوان (الفن القصصي في القرآن الكريم)، يصف القرآن فيها بأنه "أساطير"، كما وصفه به المشركون!![23]. يقول خلف الله: "فطن العقل الإسلامي إلى أن هذه الأشياء لا تفهم على أنها الحق التاريخي والواقع العلمي إلا بضروب من التأويل، ولو أن العقل الإسلامي أقام فهمه للقصص القرآني منذ اللحظة الأولى على المذهب الأدبي لما احتاج إلى هذه التأويلات"[24].

ونسي هذا المتهجم على تاريخ القرآن أن كثيراً من المؤرخين يعتمدون على كتب الأدب القديمة لمعرفة مجريات التاريخ والأحداث، ككتابات "كونفوشيوس"، وإلياذة "هوميروس"، أو المعلقات الشعرية الجاهلية، أو غيرها، كمرجعية تاريخية صادقة لديهم، ثم يأتي ليقول: إن القرآن مجرد كتاب أدبي ليس إلا! مع أنه لا مجال للمقارنة بين كلام الله وكلام البشر.

ثم خرج لنا بعد خلف الله مَن يُنكِرُ حدوث القصص القرآني ممن ينتسب إلى المسلمين، تقليداً لمدرسة نقد التاريخ الغربية القائمة على علم الآثار؛ إلا أنَّ الفرق بينهما أن أصحاب النقد بالمذهب الأول ينطلقون من منطلق الدين وهؤلاء ينطلقون من منطلق علوم الدنيا.[25]

ومع أن كثيراً من الدراسات الحديثة تؤكد وجود آثار واضحة لما ذكره التاريخ القرآني، ويتجلى لنا يوماً بعد يوم صحة ودقة النص القرآني التاريخي، إلا أنها تبقى مجرد نظريات وفرضيات، ويبقى القرآن هو الأساس التاريخي الذي لا يقبل الرد.

ويرد الشيخ محمود شلتوت على هذه الفكرة الدخيلة بقوله: "بقي أن جماعة من متفلسفة هذا العصر حاولوا أن يعيدوا بعض الآراء لقوم حكّموا عقولهم فيما قصه الله, فقالوا: إن مثل هذا القصص لا يلزم أن يكون صادقاً يحكي واقعاً صحيحاً.. وهذه الآراء -فضلاً عن مالها من نتائج سيئة- تذهب بقدسية القرآن من النفوس، وتزيل عنه روعة الحق، وتزلزل قضاياه في كل ما تناوله من عقائد وتشريع وأخبار ماضية وأحوال مستقبلة"[26].

فليس هناك من شك في أن القرآن الكريم -كمصدر تاريخي- أصدق المصادر وأصحها على الإطلاق. فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه بحال من الأحوال, لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل, ولم يلتبس بشيء من الخيال[27]. فهو كما قال الله سبحانه: ((إنَّ هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإنَّ الله لهو العزيز الحكيم))، آل عمران: 62. وما قصه الله تعالى في القرآن هو الحق: ((نحن نقص عليك نبأهم بالحق))، الكهف: 13؛ ((نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق))، القصص: 3.[28]

والله أرسل رسوله بالحق: ((إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرا))، فاطر: 24. ووصف الوحي بأنه حق: ((والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق))، فاطر: 31؛ ((يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم))، النساء: 17؛ ((والذي أنزل إليك من ربك الحق))، الرعد: 1.

 

[1] محمد قطب، منهج الفن الإسلامي, دار الشروق، القاهرة، ط6/1403هـ: ص156.

[2] محمود الشريف، القصة في القرآن: ص67، بتصرف.

[3] سيد قطب، التصوير الفني في القرآن, دار الشروق، القاهرة، ط8/1403ه: ص152.

[4] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، بشرح عبدالله دراز, دار الكتب العلمية، بيروت: ج3/314.

[5] محمد رشيد رضا، تفسير المنار, دار المعرفة، بيروت: ج1/67.

[6] تفسير ابن عطية، وزارة الأوقاف، قطر: ج8/413.

[7] المرجع السابق: ص151.

[8] د. عدنان زرزور، علوم القرآن, المكتب الإسلامي، ط2/1404هـ: ص376.

[9] محمود السيد حسن، روائع الإعجاز في القصص القرآني, المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية: ص68.

[10] الثعلبي، قصص القرآن: ص2.

[11] الثعلبي، قصص القرآن: ص3.

[12] - النحلاوي، عبدالرحمن ،أصول التربية الاسلامية وأساليبها, الطبعة الثانية 1403هـ دمشق , دار الفكر ،ص241

[13] بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار أحياء الكتب العربية، ط1/1376هـ: ج1/22.

[14] عدنان زرزور، علوم القرآن: ص370.

[15] محمود الشريف، القصة في القرآن: ص75.

[16] محمد قطب، منهج الفن الإسلامي: ص157.

[17] عماد الدين خليل، التفسير الإسلامي للتاريخ, دار العلم للملايين، ط1/1975م: ص8- 9، بتصرف.

[18] محمود السيد، روائع الإعجاز القرآني: ص61.

[19] وِل ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران: ج2/331.

[20] أرنولد توينبي, تاريخ البشرية، ترجمة نقولا زيادة, الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981م: ص116.

[21] هو الذي قال في تقديمه لرسالة (الفن القصصي): "فلو لم يبق في مصر والشرق أحد يقول أنه حق لقلت وحدي وأنا أقذف في النار أنه حق حق"!

[22] نسب بعض الباحثين هذا القول إلى محمد رشيد رضا، وأستاذه محمد عبده، واعتمدوا في هذه الدعوى على قولهم في تفسير المنار: "ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة، بل يصح مثله في القصص التمثيلية, إذ يراد أن من شأن مثلها في وضوحه أن يكون معلوماً حتى كأنه مرئي بالعينين" [ج2/457]، وعلى عبارات غير هذه، ولكنها موهمة. انظر: منهج المدرسة العقلية، فهد الرومي.

أنبه هنا أن العبارة السابقة جاءت مقيدة بتفسير قول الله تعالى: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف... الآية))، البقرة: 244. والقول فيها بأنها للتمثيل قول قابل للاجتهاد، وهو منقول عن عطاء -رحمه الله. انظر: تفسير ابن كثير، ج1/320.

[23] محمد أحمد خلف الله, الفن القصصي في القرآن الكريم، مكتبة النهضة المصرية، ط1/1950م: ص179- 180.

[24] المصدر السابق: ص44.

[25] أطال الدكتور عدنان زرزور في الرد على كلا الطائفتين. انظر: علوم القرآن: ص362- 368.

[26] محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم، دار الشروق، القاهرة، ط6/1394هـ: ص273.

[27] د. محمد بيومي مهران، دراسات في تاريخ العرب القديم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط2/1400هـ: ص39.

[28] انظر: مناع القطان، مباحث في علوم القرآن: ص319- 321.