رؤية في المستجدات /

علماء ودعاة اليمن وميثاق الشرف [ تقرير ]

[ الأربعاء 21 ذو القعدة 1437 هـ ] [ 560 ]

بالتزامن مع الانتصارات التي يحققها الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في اليمن على صعيد العمل العسكري باتجاه تحرير صنعاء من قبضة المليشيات الطائفية المدعومة من إيران، في كل من محافظتي تعز وصنعاء، حقق اليمنيون نصرا جديدا. فقد وقع جمع من علماء ودعاة اليمن على "ميثاق شرف" لتوحيد الصف تجاه المؤامرات التي تتربص بدعوة أهل السنة والجماعة، والوقوف أمام الأزمات التي تتهدد المجتمع اليمني.

ويمثل هذا الميثاق مرجعا للعلماء والدعاة العاملين في الحقل الإسلامي والدعوي من كافة المكونات الدعوية والحركية الموقعة عليه. وقد استضافت وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد -ممثلة في برنامج التواصل مع علماء اليمن، حفل التوقيع على الميثاق في 18 من ذي القعدة (1437هـ)، بمقر الوزارة بالرياض. وحضر التوقيع جمع غفير من علماء ودعاة اليمن يتقدمهم قادة العمل الإسلامي ورموز العلماء والدعاة.

وقد جاء هذا الميثاق حصيلة جهود من اللقاءات والاجتماعات والتواصل دعت إليها ضرورة المرحلة التي تشهدها اليمن والإقليم عموما. وهو بلا شك يلبي حاجة الأمة الإسلامية بصورة عامة في تجاوز الخلافات البينية والنزاعات الداخلية لمواجهة أخطار الطائفية وموجة الإلحاد والتغريب التي تكتسح المنطقة على إثر الانتكاسات التي تضرب بعض المجتمعات.

"ميثاق الشرف" يسعى لتوحيد المنطلقات والأهداف والمبادئ والأصول في صيغة شارك الجميع في مناقشتها وصياغتها وتحريرها. وجاءت مواد الميثاق مرتكزة على أصول أهل السنة والجماعة الذين التزموا السير على جادَّة الصحابة -رضي الله عنهم، وأئمة الإسلام في القرون المفضلة من بعدهم؛ ومؤسسة للائتلاف ونبذِ الفُرقة والاختلاف.

توزع الميثاق على مقدمة؛ وثلاثة تبويبات: المنطلقات، والأهداف، والمبادئ والأصول العامة؛ والخاتمة. مؤكدا في منطلقاته على ضرورةُ الأخذِ بالأسباب، ومراعاةِ السنن الكونية والشرعية في تغيير الواقع، وفي مقدمة ذلك تغيير ما في النفوس أولًا، الأمر الذي يستلزم توحيدَ الأهداف العامة، وتنسيقَ الجهود، والعملَ المشتركَ لتحقيق تلك الأهداف بما يتلاءم وأصول أهل السنة والجماعة.

ونص الميثاق على أن المقاصدُ الشرعية ثابتة والوسائل متجددة مَرِنَةٌ متطورة؛ وأنَّ الاختلافُ طبيعةٌ بشرية، فلا مَطمَعَ في أن يكون الدعاة أُنموذجًا واحدًا في جميع الأهداف والوسائل والأولويات؛ وأنه يمكن الجزم بوجود جادَّةٍ متفَقٍ عليها بين العلماء والدعاة، ومن واجب الجميع أن يعرفوها، ويعملوا من خلالها بهدوء وصبرٍ واستمرار، لتستوعب أكبر عددٍ ممكن.

وانطلق الموقعون على هذا الميثاق من كونهم جماعةً من جملة المسلمين، وليسوا جماعةَ المسلمين؛ وأن جماعاتهم الدعوية، وما انبثق عنها من الأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية ونحوها، وسائلُ لتكثير الخير، وتقليل الشر، وليست غايات، وليس فيها شيء مُقَدَّسٌ لذاته، ولا ممنوع بعينه، ولا يُعْقَدُ عليها لذاتها ولاءٌ ولا براء، وأنها تستمد قيمتها ومكانتها من صحةِ أهدافها وممارسةِ القائمين عليها في أرض الواقع، ولذا فلا يجوز ذَمُّها بإطلاق، أو مَدْحُها بإطلاق، وأهلُها في الحق يَتَنَاصَرون، وفي الخطأ يَتَنَاصَحون.

وأخذ الموقعون على أنفسهم ضرورة بناء جسورِ الثقة بين الجهود الرسمية والشعبية في العمل لخدمة الدين، مؤكدين بأنَّ الحقَّ المطلق لا يمتلكه أحد من العاملين للإسلام في الساحة كاملا، وعليه فإنَّ المطلوب: التناصر في الحق، والتناصح والتغافر في الخطأ.

وهذا الميثاق وإن كان خاصا بالعلماء والدعاة الموقِّعين عليه، ومَن سَلَكَ مَسلَكَهم من أبناء اليمن على اختلاف شرائحهم، لا يُعقَدُ على التوقيع عليه وعدمِهِ –بحسب الميثاق- ولاءٌ ولا براء، فمن تمسك بالحق أينما كان -وقَّع عليه أم لم يوقِّع- فيُوالَى ويناصَرُ بقَدر ما عنده من الحق.

أما أبرز أهداف الميثاق فتتمثل في:

تحقيقُ التعاونِ والتكاملِ لنصرة الدين، ونَشْرِ الأصول والقواعد المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة، المتبعين لمنهج الصحابة، وأئمة القرون المفضلة في العقائد والعبادات والمعاملات وغيرها.

صيانةُ الأجيال من الانحراف أو التنازع، بتوحيد منهج التلَقِّي والنظر والاستدلال، وبقائه صافيًا نقيًّا من البدع والمحدثات المصادمة لمحكمات النصوص، المنحرفة عن طريق السلف.

الإسهامُ في بناء الدولة العادلة؛ والعملُ على إقامة شرع الله في الأرض.

بيانُ فَضلِ أهل اليمن، وجهودِهم في نصرة الدين ونَشرِه على مدار التاريخ، ليُعيد الأحفادُ مجدَ الأجداد.

بيانُ مكانة الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى، وما يجب على الأمة عمومًا، وأبناء المنطقة خصوصًا من حمايتها، والحفاظ عليها، والدفاع عنها.

الحفاظُ على تماسك أهل اليمن وقوتهم وهيبتهم، والمساهمةُ في تعزيز التواصل بين اليمن والمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بخاصة، والعالم العربي والإسلامي عامة لتكوين رؤية إسلامية مُوَحَّدة لمواجهة جميع المخاطر، وللحفاظ على الأمن، وحقوق الأُخُوَّةِ وحُسنِ الجوار.

الدعوةُ إلى تحقيق المواطنة العادلة بين أبناء الشعب اليمني كافَّةً، والتصدي لكل أنواع العصبيات الجاهلية الطائفية، والسلالية، والطبقية، والمناطقية، والحزبية، وغيرها من صُوَر الهيمنة وإقصاء الآخرين.

وقد بارك علماء المملكة العربية السعودية –الدولة المضيفة، والخليج والعالم الإسلامي، من مختلف المدارس الفقهية والمكونات الدعوية توقيع هذا الميثاق وأشادوا به في تصريحاتهم لوسائل الإعلام وكتاباتهم على صفحات التواصل الاجتماعي وفي بيانات مختلفة. فقد مثل الميثاق خطوة باتجاه التقارب ونزع الفرقة والخلاف.

لقد جاء الميثاق واليمن تستقبل بشائر التحرير وتستعد لاستكمال النصر بعد وقوف التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد التغول الإيراني في سياستها الداخلية، وإشعاله حربا أهلية على غرار العراق وسوريا ولبنان. وهو ما يقطع الطريق ضد المؤامرات المختلفة التي لا زالت تتربص بالمنطقة، خاصة تلك التي تستهدف إفراغ الساحة العلمية والدعوية لجماعات الغلو والتطرف التي تتخذ شماعة للاحتلال الأجنبي والتدخل الخارجي.

إن هذا الإنجاز المبارك خطوة إيجابية يتطلع الجميع لعكسها واقعا ملموسا ومشاريع عملية جادة تقود المجتمع اليمني إلى بر الأمان بعد حروب طاحنة أكلت الأخضر واليابس فقد ظل العلماء والدعاة وأبناء العمل الإسلامي طليعة التنمية والبناء كما كانوا طليعة الفداء والتضحية.