قضايا فكرية /

المرأة وألاعيب التغريبيين [ مقال ]

[ الاثنين 19 ذو القعدة 1437 هـ ] [ 825 ]

ينطلق بعض الكتاب في تناول قضايا المرأة من رؤى خارجة عن الدين الإسلامي وهوية المجتمع؛ ليس هذا فحسب بل متناقضة مع الدين والهوية والثقافة الخاصة. وهم بذلك لا يقتنصون النجاحات والإيجابيات والمحاسن بل تلك القضايا التي تدور حول كشف جسد المرأة، وظهورها سافرة، واختلاطها بالرجال دون حياء وخجل، واتخاذ الأخدان والأصدقاء، وممارسة ما يحيلها إلى فتنة للشباب بالغناء والرقص وممارسة الرياضة علنا وغير ذلك. هذا الصنف من الكتاب لا يرى التطور والتقدم قيمة موضوعية، فحرية المرأة لا يتعلق لديهم بحالة الاستعباد العامة التي يعيشها المجتمع، من الحكام وأصحاب رؤوس المال وأرباب العمل، بل يرون حريتها في خلع "القماش" الساتر لجسدها! وهم لا يرون كرامة المرأة في أن تعطى حقوقها كاملة كإنسان أولا، وجزء من المجتمع ثانيا؛ فهم لا يدافعون عن حقوق الأم، وحقوق الزوجة، وحقوق البنات، وحقوق العاملات، وحقوق الأرامل والمطلقات، وحقوق السيجنات، وحقوق الطالبات؛ وإنما عن سواقة المرأة للسيارة، وسفرها من غير محرم، وبروزها في الملاعب وعلى شاشات التلفاز!

أولويات هؤلاء الكتاب واهتماماتهم لا تصوغها النظرة الواقعية والظرف المجتمعي ولكن الميول للحاق بمظاهر الغرب الفاتنة البراقة. كما أن مناقشتهم لقضايا المرأة في بلادنا تنطلق من المبادئ التي تنادي بها الحركات النسوية في الغرب، لا من مطالب النساء الفعلية النابعة من أوضاعهن واحتياجاتهن، إلا في حدود الاستشهاد ببعض النماذج الشاذة والواقعة في أسر التقليد للغرب.

المرأة الرجل:

يحاول هذا الصنف من الكتاب أن يلغي أساسا الفوارق بين الجنسين إلا في حدود البعد الفيزيائي الفسيولوجي. تقول الكاتبة هيفاء بهاء عزي، في مقال لها بعنوان "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"[1]: الاختلاف (الحقيقي) -أي بين الذكر والأنثى- يكمن في "الناحية الفسيولوجية فقط"! وتضيف: "هناك أمثلة على أن الرجل والمرأة قادران على أن يقوما بنفس الأدوار إن أرادا ذلك"، فـ"نوعية العمل المكتسب لا تحدد نوعية الجنس"!

وهذه الفروق الفسيولوجية لا ينبني عليها أي فروق أخرى، فضلا أن توجد فروق سواها. تقول الكاتبة مها الحجيلان في مقال حول تعدد الزوجات[2]: "نحن لا نختلف أن ثمة فروقا فسيولوجية بين الرجل والمرأة خلقها الله وهي التي تميز كل جنس عن الآخر؛ لكن هذه الفروق ينبغي أن تبقى في إطارها البيولوجي"!

إن الفروق الكائنة بين الذكر والأنثى، ونقصد بها الفروق المعلومة طبعا والمقرة شرعا والمعتبرة عرفا، تجد تهجما من هذا الصنف من الكُتاب لما يمثله من معوق أمام قناعات التغيير المبتذلة![3] ومرادهم من ذلك إلغاء ما يعتبرونه تبعية المرأة للرجل. تقول أميرة كشغري: "أن نظرة المجتمع السعودي إلى المرأة وتعامله مع قضاياها ما زال يحكمه فكرة التبعية للرجل والدوران في فلكه.." وهي تدعو إلى "أن يعمل الجميع على خلق مجتمع يتمتع فيه الإنسان بحريته وفرديته وكرامته وحقوقه"[4]!

ويصف بعضهم النساء الراغبات في الانعتاق من قوامة الرجل بالقول: "إقبال النساء المتعطشات والباحثات عن كيانهن وسط ضجيج المرجفين الذين يريدون للمرأة البقاء في قالب التبعية"![5] ويشير بعضهم إلى أن "المرأة لدينا وبسبب السيطرة الذكورية أصبحت تدور في فلك الرجل فكراً وثقافة"![6] ويرى بعضهم بالمطلق أنَّ "ثقافة الشرق الذكورية سواء في السعودية أو مصر أو حتى لبنان"![7]

إنهم يوجدون حالة من الفصام النكد بين الجنسين، وكأنهما كائنين متصارعين. فيتحدثون عن (المجتمع الذكوري) و(السلطة الذكورية)[8] و(النظام الذكوري)[9] و(العقلية الذكورية) و(الثقافة الذكورية)! وهي مفاهيم ومصطلحات أفرزتها الثقافة الغربية العلمانية، لتحلل وتصف وضع مجتمع له تاريخه ورؤاه الفكرية الخاصة، دون بيان معناها أو ذكر أبعادها.

سندان الفتاوى!

يسعى كتاب التغريب للطعن في منطلقات العلماء والدعاة في فتاواهم المتعلقة بالمرأة، وذلك للتشكيك المطلق في منطلقاتهم الشرعية. جاعلين وضع المرأة الصعب نتاج تعاضد "الهيمنة الدينية والتربية الاجتماعية"، و"أن البعض في فتاواهم التي تخص المرأة يخلطون بين الدِّين والعُرف لتجنب الصدام السائد الاجتماعي من جهة وليضمنوا استمرار هيمنة الرجل من ناحية ثانية"![10].

ونظرا لتحكيم الشريعة وطبيعة المجتمع المتدين، يحاول كتاب التغريب أن يدثروا بخطاب إسلامي، ليسوقوا دعواهم التغريبية بلبوس ديني. فيشير بعضهم إلى أن "التصورات الجاهلية" "انتقلت إلى المجتمعات الإسلامية من غير تغيير يذكر"، ويرى أنَّ "فهم كثير من القدماء [ولم يوضح الكاتب مقصوده بهذا الوصف] نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ذات الصلة بالمرأة من خلال تلك الأنساق الثقافية نفسها"! وأنَّ "آراء بعض العلماء المسلمين القدماء عن المرأة لا تبعد كثيرا عن الآراء المتحيزة التي كانت سائدة في الحضارات القديمة كلها"![11]

ولا مانع عند هذا الفريق أن يستعين "المسلمون المعاصرون" لتغيير الواقع "بتأويل النصوص التي وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة عن المرأة تأويلا يتماشى مع التطور المعاصر في الأخلاق والقيم"![12] ولا يبدو مستبعدا "حين تتغير نظرة المسلمين إلى المرأة، أن يكون من الممكن لهم فَهم الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي كان يبدو للقدماء أنها تعامل المرأة معاملة تختلف عن معاملة الرجل فهما مغايرا يتماثل مع الكيفية نفسها التي يفهمون الآن بها الآيات الخاصة بالرقيق؛ وسوف يجدون عند ذاك أن فهمهم الجديد لتلك النصوص لا يعدو أن يكون إعمالا لمبادئ الإسلام الكبرى، وتطبيقا لروحه، واستهداء بسماحته"!

وفي نظر هؤلاء أن "التطورات الأخلاقية في هذا العصر" توجب "مقاومة التحيز ضد المرأة بأشكاله كلها، والنظر إليها على أنها مخلوق سوي يستحق التمتع بالقدر نفسه من الكرامة الإنسانية والحقوق التي يتمتع بها الرجل، على الرغم من اختلافها عنه من حيث التركيب الأحيائي والوظائف الأحيائية"![13]

ولا مانع عند هؤلاء من تصحيح المرويات التراثية حول حقوق المرأة؛ بوضع هذه المرويات التراثية "تحت مجهر النقد إذا كنا غيورين حقاً على الإسلام"[14]. ومن المنطقي "في هذا الزمن الذي علت فيه الأصوات المنادية بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل، من المنطقي أن نأخذ بالآراء الأكثر تماشياً مع زماننا وعصرنا"[15]! وبموجب القراءة التأويلية للقرآن والسنة عند هؤلاء يمكن أن تكون القوامة للمرأة.[16]

ولا يخفي هذا الفريق تندره بالأحكام المتعلقة بمحرم المرأة[17]؛ ووليها[18]؛ معتبرا إياها عادة وتقليد وعرف كيما لا يرفض موقفه من هذه المسائل الشرعية. وهم يذهبون في سبيل تشويه هذه القضايا الشرعية بإعطاء صور تعنت، أو سلوكيات خاطئة، أو فهم مغلوط، للانقضاض على ذات المبدأ الشرعي لا على السلوك المخالف. وهي حيلة تجعل السذج يتقبلون هذه المواقف المعادية لمبادئ شرعية تحت سوط التشويه الذي يجعلها تقاليد وأعراف.

إن هذا الفريق من الكتاب مطالب بأن يراجع حقيقة إيمانه وتمثله للإسلام، ومدى نظرته إليه باعتباره دينا ربانيا راسخا ومحكما. فإما أن يأخذ به وينطلق من منطلقاته ويراعي تشريعاته ومناهجه، وإما أن ينحاز لغيره بكل وضوح ويثبت صحة أفكاره وآراءه دون تزييف في الشرع والدين.

 

[1] الوطن، عدد 2354، في 21/2/1428هـ.

[2] الوطن، في 27/2/2006م.

[3] انظر مثلا: "لأنك بنت"، مرام مكاوي، الوطن، عدد 2427، في 6/5/1428هـ.

[4] لماذا أشكلت المرأة على المجتمع، الوطن، عدد 2328، في 25/1/1428هـ.

[5] هوية المرأة، سمر المقرن، الوطن، عدد 2458، في 8/6/1428هـ.

[6] تربية النساء، رندلة محمد رواس، الوطن، عدد 2511، في 2/8/1428هـ.

[7] وقفة مع عينات دعائية للمرأة فقط، هيفاء المنصور، الوطن، عدد 2454، في 4/6/1428هـ.

[8] الخوف امرأة، سعود البلوي، الوطن، عدد 2359، في 26/2/1428هـ.

[9] حقوق وقضايا المرأة.. في عالمنا المعاصر، انتصار العقيل، الوطن، عدد 143، في 25/11/1421هـ.

[10] انظر: المرأة بين مطرقة العادات وسندان الفتاوى، مليحة الشهاب، الوطن، عدد 2478، في 28/6/1428هـ.

[11] الرقيق والمرأة وجه شبه، حمزة المزيني، الوطن، عدد 121، في 3/11/1421هـ.

[12] المرجع السابق.

[13] المرجع السابق.

[14] نحو مفهوم عصري للقوامة، ليلى الأحدب، الوطن، عدد 2467، في 17/6/1428هـ.

[15] المرجع السابق.

[16] انظر: متى تتوقف قوامة الرجل؟، مليحة الشهاب، الوطن، عدد 2492، في 13/7/1428هـ.

[17] انظر: إنهم يضحكون علينا، مليحة الشهاب، الوطن، عدد 2531، في 4/8/1428هـ.

[18] انظر: باب الحريم، إيمان القويفلي، الوطن، عدد 2358، في 25/2/1428هـ. وقانون ضد المجتمع، مليحة الشهاب، الوطن، عدد 2436، في 15/5/1428هـ. والدفاع عن المرأة السعودية بالوكالة، سمر المقرن، الوطن، عدد 2437، في 16/5/1428هـ.