رؤية في المستجدات /

بعث العادات الجاهلية (عكاظ نموذجا) [ مقال ]

[ الأحد 11 ذو القعدة 1437 هـ ] [ 1111 ]

لما بعث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وضع أمور الجاهلية تحت قدميه، فقال في خطبته بعرفة: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع). فكل ما كان من أمور الجاهلية مذموم في كتاب الله؛ كالظن السيء في الله: ((ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ))، آل عمران: 154، والحكم بغير شرع الله: ((أَفَحُكمَ الجَاهِلِيَّةِ))، المائدة: 50، وتبرج النساء وسفورهن: ((تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ))، الأحزاب: 33، والعصبية في الباطل: ((حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ))، الفتح:26، وفي السنة النبوية: (مات ميتة جاهلية)، (إنك امرؤ فيك جاهلية). والجاهلية أحوال منها ما هو شرك، ومنها ما هو نفاق، ومنها ما هو فجور. وإماتة أمور الجاهلية من معتقدات وأخلاق وعادات وسلوكيات هو إغلاق للنفوذ إليها، وسد للذريعة من إحيائها. وهذا يتطلب معرفة هذه المعتقدات والأخلاق والعادات والسلوكيات التي ارتبطت بالجاهلية شكلا ومضمونا. وسوف نتناول في هذه العجالة موضوع إحياء سوق (عكاظ).

سوق (عكاظ) من أسواق العرب في الجاهلية. سمي بذلك لأنهم كانوا يجتمعون فيه فيتعاكظون، أي يتفاخرون ويتناشدون الشعر. وكان يقع وراء قرن المنازل بمرحلة، ما بين الطائف ومكة. وكان ينعقد سوق (عكاظ) سنويا في أوَّل شهر ذي القعدة إلى العشرين منه. وهو متجر للوافدين عليه يجدون فيه بضائع مختلفة؛ من أطعمة وأشربة وألبسة وإبل.

ومثَّل (عكاظ) ناديا أدبيّاً للشعراء والخطباء والأدباء زمن الجاهلية. فيأتونه لعرض قصائدِهم، ولتحكيمها من كبار الشُّعراء، حتى تجد القبول والانتشار، في زمن كانت تضعف فيه وسائل الاتصال والتواصل. وهذا الدور الأدبي لم يخل من عادات الجاهلية من التفاخر بالأنساب والأحساب أو الطعن بها. وربَّما قامت حروبٌ على خلفية منافرات قِيلت في السوق -كحرب الفجَّار.

ويذكر البعض أنه كان في (عكاظ) صنم لهوازن يسمى (جَهَار). وكان سدنتَه آلُ عوف النصريون، وكانت معهم "محارب" فيه. وكانت به أيضًا صخور يطوفون بها ويحجُّون إليها، وبها دماء البُدن كالأرحاء العظام. وقيل إن العرب كانت تهلُّ له كما تهلُّ للحج، ولهم تلبية خاصَّة حين ينسكون لجهار، وهي: "لبَّيك اللهمَّ لبَّيك، اجعل ذنوبنا جبار، واهدِنا لأوضح المنار، ومتِّعنا وملِّنا بجهار". فكان (عكاظ) موسماً من مواسم الحج في الجاهلية، يذهبون إليه قبل منى.[1]

وقد دخل النَّبي - صلى الله عليه وسلم- سوق (عكاظ)، بعد بعثته يعرض نفسَه على القبائل ليَحمُوه فيُبلِّغَ دَعوَة ربِّه؛ لكنه لم يجد ما كان يصبوا له. واستمر شأن سوق (عكاظ) فترة من الزمن؛ حتى جاء الإسلام وقامت دولته فاندثر صيته؛ وسبب اندثاره بالإسلام، يعود لأحد أمرين:

الأوَّل: مَنعُ الإسلامِ إِحياءَ مآثرِ الجاهليَّة، وسوق عكاظ -كما تقدَّم- عيدٌ من أعياد أهل الجاهليَّة؛ فاندثر شأن السوق لترك المسلمين له وإماتتهم إياه.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله: "فقول النبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم: (هل كان بها عيد من أعيادهم؟) يريد اجتماعًا معتادًا من اجتماعاتِهم التي كانت عيدًا، فلمَّا قال: لا، قال له: (فأَوفِ بنَذرِك)، وهذا يقتضي أنَّ كون البقعة مكانًا لعيدهم مانعٌ من الذَّبح بها وإن نذر، كما أنَّ كونها موضعَ أوثانهم كذلك، وإلاَّ لما انتظم الكلام ولا حسن الاستِفصَال، ومعلوم أنَّ ذلك إنَّما هو لتعظيم البقعة التي يعظِّمونها بالتعييد فيها، أو لمشاركتهم في التَّعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ونحو ذلك؛ إذ ليس إلا مكان الفعل أو نفس الفعل أو زمانه"[2].

والقول الثاني: أن الأسواق الثلاثة (عُكَاظ، ومِجنَّة وذُو المجَاز) استمرت حتى خرج الحرورية فخربوها.

وممَّن قال بذلك الكلبي، حيث قال: "وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومجنَّة وذي المجاز قائمةً في الإسلام حتَّى كان حديثًا من الدَّهر، فأمَّا عكاظ فإنَّما تركت عام خرجت الحروريَّة بمكَّة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزْدي الإباضي في سنة تسْعٍ وعشرين ومائة، فخاف النَّاس أن يُنهبوا، وخافوا الفتنة، فتركت حتَّى الآن، ثمَّ تركت مجنَّة وذو المجاز بعد ذلك، واستَغْنوا بالأسواق بمكَّة ومنى وعرفة".[3]

وقال البكري: "واتّخذت سوقًا [أي عكاظ] بعد الفيل بِخمس عشرة سنة، وتُركت عام خرجتِ الحروريَّة بمكَّة مع المختار بن عوف سنة تسع وعشرين ومائة إلى هلمَّ جرًّا".[4]

وهذا يعني أنه ظل لمصلحة التجارة وتبادل المنافع، وإن أزيلت عنه مظاهر الجاهلية التي يسقطها الإسلام كعبادة الأوثان، والتفاخر بالأنساب أو الطعن بها، ومظاهر التبرج والسفور، والغناء واللهو. بل لا يرد في كتب الأدب ذكر عن إحياء (عكاظ) كمنتدى أدبي أو شعري بعد قيام دولة الإسلام.

وهناك من يشير إلى أن الإقبال عليها ضعف، مع تحول طرق التجارة بعد قيام الدولة الإسلامية، وفتح الشام ومصر والعراق وخراسان وخروج قبائل العرب إليها.

اليوم يسعى البعض لأحياء الجوانب المندثرة من سوق (عكاظ)، لا على سبيل قصد رعاية المصالح التي تحقق معاش العباد في الدنيا، من خلال التجارة والبيع والشراء وفرص العمل وتبادل المنافع، ولكن على سبيل اللهو والغناء والطرب، مع غياب الاحتساب على مظاهر الاختلاط والسفور التي تقع من الزوار وغيرهم.

فهو وإن لم يكن إحياء للشرك إلا أنه تشبُّه بأعياد الجاهلية الأولى، وإحياء لها على غير معنى باعتبارها تراثا قوميا للعرب. وهذا ما يهدف إليه دعاة القومية الجاهلية الذين يحيون العنصريات والعصبيات العرقية.

لقد عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمـَّا هاجر إلى المدينة، بإبدال أهلها عن اليومين اللذين وجَدَهم يلعبون فيهما، ويتخذونها عيدا، بيومي الفطر والأضحى. فإنه لمـَّا سألهم: (ما هذان اليومان؟) قالوا: كنَّا نلعب فيهما في الجاهليَّة. فقال –صلى الله عليه وسلم: (قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر)[5]. ومعلوم أن الأنصار لم يحيوهما لإحياء الجاهلية ومعتقداتها، ولم تكن لهم فيهما عبادة، وإنما على سبيل العادة الجارية، ومع ذلك نهوا عن ذلك، وأبدلوا بهما الفطر والأضحى.

ومخالفة المشركين وعدم التشبه بهم في ظاهر الأمر مقصود شرعا، كما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس حتى ترتفع، فإنَّها تطلع حين تطلع بين قرنَي شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار. هذا بالرغم من أن المسلم يقصد بصلاته وجه الله، لكن المخالفة في ظاهر الأمر مطلوبة شرعا حسمًا لمادَّة المشابهة.

يذكر أن المخالفات التي تشتمل عليها فعاليات سوق (عكاظ) -في نسختها المعاصرة، من اختلاط وتبرج وغناء وموسيقى وغيرها، جعل العديد من العلماء والدعاة يعبرون عن استنكارهم الشديد لوجود هذه المخالفات.

فقد أصدر الشيخ العلامة عبدالرحمن البراك بيانا على صفحته في "تويتر"[6]، أوضح فيه بأن إحياء سوق (عكاظ) يعتبر من العودة إلى الجاهلية؛ كون "هذه الأسواق أعياد مكانية، وأيامها أعياد زمانية"؛ مشيرا إلى أنها هجرت بعد الإسلام. وذكر الشيخ –في بيانه- بعض المفاسد التي تترتب على إحياء هذا السوق كالتشبه بأهل الجاهلية، وإحياء شعائر الجاهلية وأعيادها مما أبطله الإسلام؛ بالإضافة إلى حصول منكرات أخرى كالاختلاط والتبرج؛ وإنفاق الأموال الطائلة التي مصالح الأمة أحق بها.

وقطع الشيخ بأن إحياء سوق (عكاظ) حرام؛ وذكر أن العلماء أنكروا منذ أربعين سنة إحياءه، حين نادت بعض المؤسسات الرسمية بذلك، وأوقف المشروع، وجمدت فكرة إحيائه[7]. وذكر بأن أسلاف الدولة السعودية حاربوا أمور الجاهلية من الشرك والبدع والأخلاق السيئة.

وقال د. ناصر العمر -على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، معلقا على هذه الفعاليات: "إن سوق عكاظ والتي تقام فعالياته هذه الأيام هو تراث جاهلي، ومن مشاريع اللهو التي يحرم تبنيها". وانتقد غلبة حياة اللهو واللعب على واقع كثير من الناس؛ داعياً المسؤولين إلى تبني مشاريع جادة لا مشاريع لهو محرمة كسوق (عكاظ).

وهذا موقف العلماء منذ نشوء الفكرة. يقول عاتق بن غيث البلادي: "وقد اعترض بعض العُلماء على الفكرة فجمدت، والفِكرةُ ليست ذات فائدة كبيرة، وليست لها حاجة دنيوية ملحَّة، أمَّا من الناحية الدينيَّة فقد تحمل بذورًا سيئة"[8].

إن ما تحتاجه الأمة اليوم نهضة شاملة بمنظور إسلامي يجمع بين تحقيق مصالح الدنيا ومقاصد الدين وحاجات المجتمع؛ لتتمكن من مواجهة التحديات التي تعصف بها. وما يتم إحياءه من عادات جاهلية لا يخدم أيا من هذه المعاني، بل هو عبئ تصرف فيه الأوقات والأموال دون جدوى تستحق. وفي أقل الأحوال أن يتم بعيدا عن المخالفات الشرعية التي تجلب سخط الله وغواية خلقه.

 

[1] قال الأَزرَقي: وكانوا يرَونَ أنَّ أَفجَر الفُجور العُمرَة في أَشهُر الحجِّ، تقول قريش وغيرها من العرب: لا تحضروا سوق عكاظ ومجنَّة وذي المجاز إلاَّ مُحرمين بالحج. وهذا يعني أنهم كانوا يقصدون (عكاظ) غير محرمين، وإنما تجارة.

[2] اقتضاء الصراط المستقيم: ج1/442.

[3] أخبار مكة، للأزرقي: ج1/283.

[4] معجم ما استعجم: ج3/959.

[5] أخرجه أبو داود، (برقم: 1134)، والنسائي: ج3/179؛ بإسناد صحيح كما في بلوغ المرام: ص99.

[6] في 13 ذو القعدة 1434هـ.

[7] كما ذكر ذلك الأستاذ عاتق بن غيث البلادي، في كتابه (معجم معالم الحجاز): ج6/152.

[8] معجم معالم الحجاز: ج6/152.