أديان و مذاهب /

تشكل الطائفية.. الحوثيون نموذجا [ مقال ]

[ الجمعة 2 ذو القعدة 1437 هـ ] [ 1454 ]

جاء الإسلام ليعيد لجميع بني آدم كرامتهم، ويسقط كل وجوه الاستعباد لغير الله تعالى على أساس إعلاء سلالة أو جنس أو عرق. فكل الناس لآدم وآدم من تراب.. فواحدية الأصل والمنشأ تعني المساواة. ومن ثمَّ فإنَّ دين الله تعالى خطاب للجميع باعتبارهم عبادا مكلفين. قال تعالى: ((قُل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللَّهِ وكَلِمَاتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ))، الأعراف: 158. على هذه القاعدة حارب الإسلام العصبيات الجاهلية التي تقوم على العرق أو القبيلة أو العائلة؛ فأماتها وأبدل عنها برابطة الإيمان التي تجعل الجميع إخوة: ((إنما المؤمنون إخوة)). فلمَّا رأى الشيطان أن هذا الباب أغلق عليه دخل على المؤمنين من باب آخر؛ وهو باب لطالما جرَّ على الأمم الأخرى ويلات وانتكاسات كثيرة. إنه باب التعصب "الطائفي" القائم على شعار أو شعيرة لهما أصل في الدين، أو على ولاء لإمام أو لمذهبه أو ذريته من دون الدين والأمة. فظهرت مسميات تحل محل الإسلام والإيمان، وكيانات ضرار تمزق نسيج الأمة بل وتعاديها.

في هذه السطور نستعرض حركة الحوثيين التي ظهرت على الساحة اليمنية، بما تمثله من طائفية تشكلت على أساس السلالية والمصالح السياسة والمذهب، لتكون خنجرا في جسد المجتمع بل والأمة جميعا.

إحياء للزيدية أم إماتة لها:

الزيدية مذهب سياسي ينتسب إلى الإمام زيد بن علي، الذي أخذ بمبدأ السيف الذي تقول به المعتزلة، في الإنكار على حكام الجور، مع عدم "التقية"، خلافا للشيعة التي قالت بها. وعلى ضوء هذه الآراء انحاز الشيعة المتطرفون عن معسكر زيد، خاصة بعد ثنائه على الشيخين (أبي بكر وعمر) عندما سئل عنهما، ليتخذ منهما موقفا سلبيا. فأصبحت السمة المميزة للإمام زيد ترضيه عن الشيخين[1]، واعتبارهما وزيرا جده –محمد عليه الصلاة والسلام.

دخلت الزيدية اليمن على يد يحيى بن الحسين –المشتهر بالرسيِّ، والملقب بالإمام الهادي- في أواخر القرن الثالث الهجري. فقد استطاع الهادي أن يقيم دولة له في صعدة شمالي اليمن، وأن ينشر مذهبه الخاص بكونه مذهبا لزيد بن علي. ذات الفترة شهدت استهداف الشيعة "الإسماعيلية" اليمن لنشر مذهبهم الشيعي الباطني فيها. وتمكن كل من علي بن الفضل ومنصور بن حوشب –اللذين انتسبا للإسماعيلية- من إقامة كيانات سياسية لهما في أواخر القرن الثالث الهجري.[2]

كان يصف الإمام الهادي "الرافضة" –وهو النعت الذي أطلقه الإمام زيد على الشيعة الغلاة الذين لم يتفقوا معه- بأنهم "حزب الشيطان". ودخل -والأئمة الزيديون من بعده- في حرب شرسة مع كياناتهم التي قامت في اليمن. وفي حين قُضِيَّ على دول الإسماعيلية ظلَّ حكم الأئمة "الزيدية" لليمن لأكثر من ألف عام؛ لكن في حالة تمدد وانكماش.

لم تتمكن عقائد الشيعة -الاثنى عشرية والباطنية- بالانتشار في اليمن إلا في نطاق محدود وفترات محدودة. وظلت اليمن –في معظمها- سنة أو زيدية. غير أن كثرة الخلافات الفكرية والصراعات المذهبية ساهمت في تسلل آراءٌ متشددةٌ تجاه الصحابة –رضي الله عنهم، وبالأخص الشيخين أبا بكر وعمر، ومسألة الإمامة وعلي –رضي الله عنه، في الفكر الزيدي. وهذا بدوره أحدث تحولات في الزيدية، وتفرقها إلى: سليمانية ومطرفية وجارودية. فكانت الجارودية أقرب في مواقفها وتشددها من الاثنى عشرية؛ لذلك دخلت في صراع مسلح مع المطرفية التي تمثل خطا معتدلا مقابلها.

قضت ثورة عام 1962م على الحكم الإمامي الزيدي، لكنها لم تتمكن من القضاء على الفكر الزيدي الذي ظل كامنا في الوعي الجمعي للأسر "العلوية"[3] الزيدية. وبرغم كل محاولات الدمج والتعايش والانفتاح التي شهدها اليمن عقب الثورة ظلت بيئات زيدية -كمنطقة "صعدة"- مغلقة على ذاتها. فقد اتبعت القوى الزيدية سياسة بقاء التجهيل والعصبية في المناطق الحاضنة للمذهب، حيث عملت على إضعاف أو انعدام مؤسسات التعليم والمرافق الثقافية والبنى الخدمية، وعلى صعيد الاتصال والتواصل.

وفيما بدا أن المذهب الزيدي ينحسر في مجالس العلم والفتيا في مساحة اجتماعية ضيقة، ظلت الأسر "العلوية" متمسكة وساعية لاستعادة موقعها "السيادي" في الدولة والمجتمع. وهذا ما يفسر وصول كثير من رموز هذه الأسر للمناصب العليا في أجهزة الدولة، وفي الأحزاب السياسية التي مثلت مسارا جديدا للوصول للسلطة. فأصبحت الأسر العلوية حاضرة في السياسة مجددا من خلال أفكار متعددة –يسارية ويمينية ووسط. لكنها جميعا لم تحقق غير مكاسب شخصية محدودة. من هنا انطلقت حركة ثقافية متأثرة بالثورة الخمينية في إيران بأوساط الزيدية في صعدة، حيث معقل الجارودية (المتطرفة) هناك.

نشطت هذه الحركة باعتبارها بعثا تجديديا للزيدية في مناطق الشمال، وفي الأسر العلوية –حتى الشافعية السنية منها. وكان بدر الدين الحوثي مصدر التقارب في الرؤى العقدية والفكرية بين المذهبين –الزيدي والاثنى عشري، من خلال مؤلفاته، وفتاويه، ورسائله. وهو ما تشربه أبناؤه وبدأوا ببثه فيما عرف بـ"تنظيم الشباب المؤمن" –الاسم الذي عرفت به الحركة الثقافية الجديدة.

وعوضا عن التجديد في المذهب جرى إحياء العصبية المذهبية الناقمة على الوضع في ضوء التلاقح مع الفكر الثوري -المستنسخ من الثورة الإيرانية. وحتى تلقى الحركة الجديدة دعما وعونا لها ارتمت في أحضان طهران التي فتحت أبوابها مشرعة لكل أوجه الاتصال والتعاون. فقدمت المنح التعليمية المختلفة، وقدمت الدعم لبناء الكوادر السياسية والإعلامية والعسكرية، ووفرت خدماتها للمكون الجديد كأحد أذرعها في المنطقة. فمبدأ تصدير الثورة الإيرانية كان حاضرا في المنطقة ويعمل في الفراغات المتاحة مع كافة الأقليات الشيعية. وكانت سوريا ولبنان حاضنة لهذا الاتصال والتعاون، وممر العبور السري نحو طهران.

الأحداث الأخيرة في اليمن أظهرت إلى أي مدى جرى التحول في البيئة الزيدية وبعض الأسر العلوية نحو المذهب الشيعي الاثنى عشري، في العقائد والطقوس والآراء الفقهية. كما أظهرت مدى الولاء والارتماء في أحضان إيران الذي قاد الحوثيون الزيديون والأسر العلوية إليه، بحيث أصبح انحياز هذا المكون الاجتماعي مبتورا عن تاريخه الزيدي ومجتمعه السني الذي تعايش معه على مدى قرون. هذا على الرغم من أنَّ الحوثيين ظلوا لسنوات ينكرون أي تحول نحو المذهب الاثنى عشري وتمسكهم بالمذهب الزيدي، ويقدمون أنفسهم وحركتهم كحركة تجديد للمذهب الزيدي.

وهكذا جنت النَزَعَات السياسية الجامحة على المذهب، وقادت للتحول للنقيض منه، والذي لم تخل كتب الزيدية العقدية من تكفيره والتشهير به خلال عقود من المواجهات. فعوضا عن البحث في الجذور، والتجديد في ضوء الكتاب والسنة، كما فعل أئمة أعلام تحرروا من التقليد وجددوا في المذهب، انخلس الحوثيون من موروث الإمام زيد وحوروه ليلتقي مع المذهب الضد "الاثنى عشري" الرافضي.

من المذهبية للطائفية:

شكلت رؤية الإمام زيد مذهبا سياسيا في مواجهة استبداد السلطة وجور الحاكم، دون أن تمس بعقيدة الأمة أو بتاريخها الراشد. ولم يؤسس الإمام زيد فقها خاصا بآل البيت باعتبارهم طبقة "فوق بشرية" أو "مرجعية معصومة". فمن المعلوم أن ذرية علي بن أبي طالب التحقت بالمذاهب المختلفة، واجتهدت فيما تعتقده وتعمل به كما اجتهد غيرها. وأي حديث عن مرجعية لـ"آل البيت" موازية للكتاب والسنة تصبح غير ذات جدوى مع هذا التعدد والتنوع.

جميع مذاهب الشيعة التي سعت لنصب مكانة مرجعية لـ"آل البيت" تناقضت في تأصيل هذه المكانة وتجسيدها. وظهر تياران عريضان، هما: الشيعة الاثنى عشرية، والشيعة الباطنية المنشقة عنها بكل فرقها! وكل هذه الفرق كفرت بعضها بعضا، وخاضت غمار الصراع الدموي العنيف فيما بينها.

بعد مجيء يحيى بن الحسين إلى اليمن وتأسيسه دولة خاصة به، تحول المذهب من رؤية معارضة إلى رؤية حاكمة، فكان من الضروري في ظل الصراع الشيعي- الشيعي الذي شهدته اليمن أن توجد عصبة ممسكة بالحكم "الزيدي" وفق نظرة دينية. ومن هنا نشأ حضور المنطق "العلوي" في الإمامة، ومنطق "آل البيت" كعصبة حاكمة. بهذا تأسست "الهاشمية" الحاكمة كعقيدة وسياسة، في رحم المذهب "الزيدي"؛ والذي هو معتزلي بالأساس.

أعطى "العلويون" الزيود أنفسهم ألقابا وأوصافا خاصة، كالسيد والشريف[4]. وعملوا على تصنيف المجتمع تصنيفا طبقيا، أو ربما عززوا وجوده السابق لهم في اليمن. وجعلوا لهم مكانة دينية وسياسية تعطيهم الحق في إقصاء الآخرين وتهميشهم، على أساس النسب أو المذهب إن كان "علويا" سنيا. وانعكست هذه الرؤية في العلاقات الاجتماعية، حيث يحرم تزويج "العلوية" من غير العلوي كونه دونها، وربما منع "العلوي" كذلك من زواج غير العلوية كونها دونه. وخدمة لهذه القضية اختار علماء المذهب شرط الكفاءة في النسب للتدليل عن خصوصية وتفوق النسب "العلوي".

من هنا تحول المذهب السياسي في التغيير من قيم فكرية تنشد العدل وتسعى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى صيغة طائفية تمثل السلالة "العلوية" الزيدية في المحور منها. لذلك جرى إحياء النزعة "العلوية" في ضمن الحركة الحوثية بقوة، وأصبحت الأسر العلوية هدفا للاتصال والتواصل معها، بغية انخراطها في مشروع استرداد "السلطة" وليس تجديد "المذهب".

لقد وجدت الحوثية ضالتها في المذهب الشيعي الاثنى عشري ليشبع هذه النزعة، ويرسخ جذورها في نفوس الأتباع بالخرافة والكذب والادعاء، بل ولو لزم الأمر بالسحر والشعوذة. فقد أظهرت كثير من الأدلة والمضبوطات مع أتباع الحركة، وكذلك اعترافات من انتسبوا لها، استخدام الشعوذة والسحر على نطاق واسع من قبل مرجعيات الحركة! لذا عملت الحركة على إدخال المذهب الاثنى عشري لليمن ورعايته وتسويقه وتبنيه بصورة غير رسمية.

هذا التحول من "المذهب" إلى "الطائفية" في الحركة هو ما يفسر لغة التكفير للآخر المخالف، وقتاله بأي ذريعة، واستعداء الأمة تحت أي لبوس. فالأمة في نظر "الطائفية" ليست بشيء يذكر، بل هي جموع مرتدة يجب قتالها وإفناؤها، أو تدخل تحت حكم الطائفة وفي مذهبها الخاص. ويصبح العدو الأجنبي –أيا كان- حليفا يمكن التقارب معه للقضاء على المخالفين.

إن دراسة دور "الطائفية" في تاريخ الأمة الإسلامية أمر ضروري، بتتبع نشأتها وتكونها وتحولها من حالة التعايش للعداء الحاد، واستقراء معتقداتها وأفكارها وآراءها التي تحليها إلى فيروس جرثومي يعمل على تحويل الأفراد من أعضاء في جسد الأمة إلى عناصر مضرة ومعدية في هذا الجسد. وفي مقدمة ذلك دور التشيع بمختلف فرقه العقدية والسياسية. فإن خطرهم على الأمة لا يزال متجددا ومدمرا.

 

[1] هذا الموقف ينسحب من باب أولى على مجموع الصحابة الذين لا معنى للطعن فيهم.

[2] من بين دول الشيعة الإسماعيلية الدولة الصليحية التي أسسها علي بن محمد الصليحي في منتصف القرن الخامس الهجري؛ واستمرت لمائة عام تقريبا.

[3] المنتسبة نسبا إلى الإمام علي بن أبي طالب، والتي يطلق عليها أيضا الهاشمية.

[4] راجت مثل هذه الألقاب كثيرا بين الشيعة والصوفية دون أهل السنة والجماعة. وهي من محدثات الشيعة فيما يظهر، فلم يكن لها أصل في العهد الأول.