النهضة و التغيير /

اللبراليون وتهمة الإسلام السياسي! [ مقال ]

[ الأربعاء 29 شوّال 1437 هـ ] [ 934 ]

الإسلام عقيدة وشريعة دين تقوم في ضوئه أمة مسلمة؛ وعند ذلك فإنَّ هذه الأمة تكون مكلفة شرعا وفي إطار العرف الإنساني بصياغة حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ضوء ما تؤمن به. وهذا يقتضي أن يقوم نظام الحكم فيها على أساس مرجعية الإسلام له؛ فمن غير المنطقي أن تنزل شريعة من السماء لتحكم واقع الإنسان فتحيد من موقع الهيمنة عن الحياة العامة للمؤمنين بها، وتظل حبيسة المصاحف والمساجد! هذه الحقيقة لم تختف عن واقع المسلمين منذ عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم، وحتى إعلان إلغاء الخلافة الإسلامية. أي على مدار ثلاثة عشر قرنا. غير أن الليبراليين العرب غير راضين عن هذه الحقيقة، ويقفون عبر كل السبل لمواجهتها فكرا وسلوكا. وهم في سبيل حربهم على الإسلام لم يتوقفوا في دفق المصطلحات التي تستخدم لتبرير أي حرب ضد تمكين الأمة من خياراتها وتصالحها مع هويتها وعودتها إلى دينها.

بدأت القصة بعد إعلان كمال مصطفى أتاتورك -عام 1924م- عن عزل الخليفة عبدالمجيد الثاني، وإلغاء الخلافة، والتنازل عن أراضيها بموجب معاهدة "لوزان" للحلفاء؛ حيث انبثقت مطالب فردية وجماعية في مشارق الأرض ومغاربها تنادي بإعادة الخلافة الإسلامية. غير أنَّ الظروف لم تساعد على عودة الخلافة، وعوضا عن ذلك قامت أنظمة قومية ويسارية وعلمانية أقصت كثيرا من الشريعة الإسلامية عن الحياة.

عادت الجهود الفردية والجماعية لتقود عملية إحيائية لبعث الأمة، وإصلاح المجتمع. ومع الوقت شهدت الأمة المسلمة صحوة إسلامية، وانتشارا كبيرا للعلم والدعوة وقيم الالتزام في كافة شرائح المجتمع. وعادت الحركات والجماعات الإسلامية للمطالبة مجددا؛ غير أن تعنت الأنظمة العلمانية ساق بعض هذه الجماعات والحركات للصراع معها، والدخول في مواجهات مسلحة.

دارت دوامة العنف والعنف المضاد لعقود من الزمن؛ كانت فيها الأنظمة هي المتفوقة عسكريا وأمنيا. وفي حين كانت هذه الجماعات تتهم بالتطرف والإرهاب، وتواجه بالسلاح في سبيل ثنيها عن العنف، كانت تدعى في المقابل للانخراط في عمل سياسي. فقد أدى فشل الأنظمة العلمانية في تحقيق إنجازاتها، ودخولها في صراعات داخلية وخارجية، لانفراج في الساحة السياسية. وجرى تبني النظام الديمقراطي والتعددية الحزبية كبديل عن النظام الشمولي.

بالفعل توجه عدد من الحركات والجماعات الإسلامية التي لم تنخرط في العمل المسلح لتشكيل أحزاب سياسية، والمشاركة في العملية الانتخابية. ولم تكن الأنظمة العلمانية الحاكمة تتوقع أن تلقى هذه الأحزاب قبولا كبيرا، وكان مقصدها الحقيقي صرف هذه الجماعات والحركات عن أي مواجهة مسلحة قائمة أو محتملة نتيجة كلفتها على الأنظمة. غير أن الواقع كان خلاف هذا التوقع. ومثلت تجربة الجزائر المأساوية أول مؤشر لحضور الإسلام في وجدان الشعوب وتطلعاتها.

ففي الخامس من أكتوبر 1988م شهدت الجزائر انتفاضة شعبية ضد النظام؛ ونتج عنها تعديلات دستورية وقرارات إصلاحية دعمت الانفتاح في المجالين السياسي والإعلامي. فقد فتح المجال أمام التعددية الحزبية، وإصدار العديد من الصحف والمجلات الأهلية المستقلة.

في فبراير 1989م تأسست "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" كحزب إسلامي معارض؛ يطرح رؤيته الخاصة في الحكم والمستندة للمرجعية الإسلامية. وتصدر الجبهة عدد من رموز العلم والفكر والدعوة الإسلامية في الجزائر، والتي كان لها حضورها الاجتماعي. واستطاعت الجبهة أن تكسب ثقة المواطن الجزائري المتطلع للتغيير بما يتفق مع هويته.

نجحت الجبهة في أول انتخابات نظمت في المرحلة الجديدة، فحصلت على الغالبية في انتخابات المجالس البلدية الولائية، وحققت فوزا كبيرا. وتمكنت الجبهة أن تقدم للمواطن الجزائري رغم باكورة التجربة تغير إيجابيا ملموسا، ما أضفى لها شعبية أكبر. وهذا بدوره دفع النظام لاستهداف رموزها بالاعتقال وافتعال أزمات داخلية تهدف لعرقلة العملية السياسية. رغم ذلك ظلت شعبيه الجبهة تتزايد، واستطاعت أم تحقق نتائج ساحقة في الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 ديسمبر 1991م. فقد فازت بأغلبية ساحقة، وصلت إلى 82%، بواقع 188 مقعدا من أصل 231 مقعدا. وهو ما يؤهلها للوصول إلى موقع القرار.

هذا الأمر لم يرق للدولة العميقة التي كانت تحكم من خلف ستار، ولا للغرب الذي يرعى هذه الأنظمة، فأعلن رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد في الرابع من يناير 1992م بحل المجلس الشعبي الوطني، ثم أعلن في الحادي عشر من يناير عن اسقالته، ليتيح الطريق أمام العسكر لحكم البلاد، وحل الجبهة. وعقب ذلك دخلت الجزائر في فوضى أمنية مفتعلة استهدفت جبهة الإنقاذ وكافة القوى الإسلامية في الجزائر، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى.

هذا النموذج الانقلابي في مواجهة إرادة الأمة وعودة الإسلام كان هو الحل للوقوف أمام الجهود السلمية التي تعتمد على صيغة التمثيل الديمقراطي لإرادة الشعب في العودة للإسلام وتحكيمه في وقع الأمة. وهو ما تم استنساخه عقب ثورات الشعوب العربية (2011م) المنادية بالتغيير، والتي وصل على إثرها عدد من الأحزاب الإسلامية إلى مواقع السلطة ومراكز صنع القرار.

في نموذج آخر مثل حزب العدالة والتنمية بتركيا صورة أخرى للأحزاب الوطنية التي تصل للحكم عبر مشروع تنموي شامل ومن خلال الانتخابات الديمقراطية. ورغم أن الحزب لا يعلن عن أيديولوجية إسلامية ما، ويصنف نفسه كحزب ملتزم بالنظام العلماني صراحة، إلا أن تصالحه مع هوية المجتمع الإسلامية وتعبيره عن ثقافة إسلامية مدنية، ووقوفه مع قضايا الأمة الإسلامية، دفعت أنظمة عربية وغربية للسعي في إسقاطه وإحلال العسكر محله!

بهذا يتضح أن تهمة "الإسلام السياسي" التي يشغب بها الليبراليون ومناصروا الانقلابات العسكرية في العالم الإسلامي هي تنفيس عن عداء مع إرادة الأمة، ومع خياراتها التي عبرت عنها في أكثر من بلد عربي وإسلامي، ومع الدين الذي لا يراد له أن يكون مرجعية الحكم، ومع الهوية الحاضرة في ضمير الشعوب.

إننا لم نسمع عن "الاشتراكية السياسية"، ولا عن "الليبرالية السياسية"، ولا عن "القومية السياسية"،.. إلخ، فهذه جميعا أحزاب وأيديولوجيات مرضي عنها غربيا، ويتاح لها الوصول للسلطة، دون تضييق. حتى حكم العسكر والجيش لا ينظر له بأنه "العسكرية السياسية"، بل يعترف فيه في مقابلة "الإسلام السياسي" كحامي حمى الديمقراطية، في تناقض صارخ!

لقد سقطت ورقة التوت عن أدعياء العقلانية والواقعية من الليبراليين العرب. فمواقفهم المتخاذلة عن الحقوق والحريات الفعلية للأمة، والمعبر عنها بحرية تامة ووفقا لطرق سلمية نزيهة وشفافة، تنحاز إلى كل طرف يقف من الإسلام موقفا مضادا. والتهم في جعبة هذا الفريق جاهزة لحملة الإسلام: فإن حملوا السلاح كانوا "إرهابيين"، وإن دعوا بالكلمة كانوا "متطرفين"، وإن دخلوا المعترك السياسي كانوا "وصوليين"!