أديان و مذاهب /

غولن وجماعة الخدمة.. الحراك الصوفي التركي! [ تقرير ]

[ الأحد 19 شوّال 1437 هـ ] [ 1033 ]

أبرزت الأحداث الأخيرة التي شهدتها تركيا عقب انقلاب 15 يوليو الفاشل "جماعة الخدمة" مجددا إلى السطح. حيث أشارت الاعتقالات التي شهدتها تركيا عقيب محاولة الانقلاب إلى مدى تغلغل هذه الجماعة في الدولة التركية ومؤسساتها الحساسة: القضاء، والجيش، والأمن، والمحكمة الدستورية، والإعلام.. وغيرها. على الرغم –طبعا- من كون الجماعة ليست حزبا سياسيا، ولا تنظيما حركيا معلنا. صحيح أن الجماعة سبق لها وأن تحالفت مع حزب العدالة والتنمية بزعامة طيب رجب أردوغان، وهذا بدوره مكنها من تحقيق مكاسب كبيرة وواسعة، لكنها منذ سنوات تقف ضده، وتسعى لإسقاطه مهما كلف الأمر! وقد دخل الفريقان في محطات من الصراع منذ وقت مبكر.

فمن هي هذه الجماعة؟ وكيف حققت هذا الانتشار والتمكن؟ وما هي حقيقتها؟ ولماذا على الرغم من الانتشار الواسع والحضور الكبير لها عبر المؤسسات التعليمية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والإغاثية والخدمات الاجتماعية، وعلى الرغم من وجودها في مؤسسات الدولة وفي مفاصل الأجهزة الحكومية، ترفض الانخراط في النشاط الحزبي والسياسي بصفة مباشرة، وتفضل البقاء كمستفيد من الحالة السياسية عبر التحالفات المختلفة؟

الجذور:

تأسست "جماعة الخدمة" على يد الداعية التركي "فتح الله غولن" عام 1970م. وقد تأثر غولن بـ"رسائل النور" التي ألفها بديع الزمان سعيد النورسي، وإن لم يلتق به. وهي رسائل روحانية تدعو إلى الارتباط الوثيق بالله تعالى، وتؤكد على البعد التربوي.

تمتع الشيخ سعيد النورسي (1873م- 1960م)، الكردي الأصل، بالنبوغ وتحصيل العلوم الدينية، وجانبا كبيرا من العلوم الفلسفية والمنطقية، وبالشجاعة والزهد. وكان من بين الذين جاهدوا أثناء دخول الحلفاء لإسطنبول محتلين. وأنشأ عقب عام 1908م "جمعية الاتحاد المحمدي"، وناضل في مواجهة العلمانية الأتاتوركية، فناله السجن والتعذيب والتهجير، حتى مات منفيا.

رغم توجهه الصوفي إلا أن الشيخ النورسي اهتم بالإضافة إلى الدعوة لحقائق الإيمان[1] بالجانب العملي من الإيمان، حيث اهتم ببث روح التدين في الشعب التركي، وإحياء الشعائر الدينية، والعمل على تهذيب النفوس، ومواجهة الإلحاد والعلمانية. كما أنه أعطى الجوانب التربوية أهمية قصوى، فنشأ جيل جديد من الشباب المسلم يتمتع بالعفة والطاهرة.

إزاء ما واجهه الشيخ النورسي من القوى العلمانية المعادية أعلن شعاره "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة".. منذ عام 1921م. ونحى بمنهجه للتغيير للطرق السلمية، ونشر الأفكار، ومجاهدة النفس، وإصلاح القلوب، ليكون بعد ذلك مسلكا للسائرين على خطاه.

بعد وفاة الشيخ سعيد النورسي انقسم أتباعه، وتشكلت عدة حركات تنتسب إليه. وتعرف "جماعة الخدمة" نفسها اليوم كامتداد لحركة النورسي، لكن بالإضافة إلى كتب النورسي تمثل كتب غولن المنهج العلمي والفكري والثقافي للجماعة؛ ولا تتجاوزها إلى غيرها.

الهوية.. بين الظهور والباطنية:

بالرغم من الانتشار الواسع الذي بلغته "جماعة الخدمة" داخل تركيا وخارجها، حيث يقدر البعض عدد أعضائها داخل تركيا فقط بـ4- 5 ملايين شخص، فإن الجماعة لا تمثل تنظيما معلنا أو حزبا سياسيا. وهي تقدم نفسها كحركة اجتماعية، تعنى في أنشطتها بالتعليم والتربية والثقافة. وهي تتماهى مع أفكار ومواقف مؤسسها "فتح الله غولن" المولود عام 1941م.

تلقى غولن تعليما دينيا منذ صباه؛ واطلع على العلوم الفلسفية والثقافة والفكر الغربي. وقد أعطى جلَّ اهتمامه للدعوة والوعظ والتأليف، حتى أنه عزف عن الزواج. وهو يتصف ببراعته في الخطابة، وغزارة إنتاجه الفكري؛ فقد ألف أكثر من سبعين كتاباً، ترجمت إلى 39 لغة في مقدمتها العربية والإنجليزية والفرنسية والصينية والألمانية والألبانية. وأغلب كتبه تدور حول التصوف في الإسلام، ومعنى التدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم.

يؤخذ على الجماعة -وهي المحسوبة على التيار الديني- ضعف الاهتمام بالقرآن الكريم وعلومه في حلقاتها ودروسها، وتقاعسها عن افتتاح ورعاية دور تحفيظ القرآن الكريم؛ ولعل ذلك ناتج عن تضييق الحكومات العلمانية سابقا، إلا أنها حتى هذا المرحلة من التحول في السياسة التركية تحافظ على هذا الموقف!

وهي تهتم بالدرجة الأولى بالتعليم الحداثي في جميع مؤسساتها التعليمية، مع نشر أفكار ونمط تدين الجماعة عن طريق الكفاءات التعليمية. وهكذا يتم بناء شخصية التلميذ وفقا لأجندة الجماعة، من خلال منظومة تربوية تزرع في التلاميذ بطريقة غير مباشرة قيم ومبادئ المشروع الصوفي لزعيم الجماعة.

وتعنى الجماعة بإنشاء المدارس بمختلف مستوياتها داخل وخارج تركيا، مستهدفة الفئة المتعلمة والمثقفة من الشعب. وهي تدير اليوم عبر العالم أكثر من 1500 مؤسسة بمختلف مراحل التعليم، و15 جامعة لها فروعها وانتشارها في أكثر من 140 دولة في مختلف أنحاء العالم. وجميع هذه المؤسسات لا تطبق برامج أو مناهج دينية.

في عام 1999م أذاع التلفزيون التركي خطابا مرئيا لغولن أمام حشد من جماعته, يتحدث فيه عن تطلعاته لتركيا التي تحكمها الشريعة الإسلامية، وكيفية تحويل هذه التطلعات إلى حقائق. وجاء في خطابه التالي: "من أجل الوصول إلى نقطة ودرجة معينة من الذي نريده لابُدَّ أن تتواصل خدامتنا وأعمالنا بهذا الشكل, بشكل ضروري وملزم. إذا ما حدث خطأ, بدون الوصول إلى القوام والدرجة التي نريد, بدون تجمع الخواص اللازمة, بدون أخذ المسافة المطلوبة, إذا ما تعجلنا في توجهاتنا، فإنَّ الدنيا ستقمعكم، وستتعرضون للأذى. سيعملون على إعادة سيناريو الحادثة التي عاشها المسلمون في الجزائر. وسيكررون الفاجعة التي حصلت للمسلمين في سوريا 1982م. وستعايشون ما يعايشه المسلمون في مصر كل عام من فظائع. في هكذا مرحلة لا بد أن تجدوا ذواتكم بشكل كامل, إلى أن تصلوا إلى الدرجة التي نريد, إلى تلك المرحلة التي تمتلكون فيه القوة التي تعينكم على حمل هذه الدنيا على ظهوركم, إلى حين وصولكم إلى جميع مؤسسات الدستور في الدولة, أي خطوة مستعجلة هي كما البيضة التي لم تستكمل يومها العشرين فتُكسر, كما هو صغير الدجاج الذي يترك حضانته إلى العواصف والبرد, وهذه الأعمال التي نقوم بها هي كذلك"[2].

من هنا يظهر هدف الجماعة ومؤسسها في الوصول إلى التمكين وحيازة الدولة، لتحقيق رؤيته الإسلامية، بعيدا عن الظهور والحضور السياسي بكل تبعاته. ما جعل حضور الجماعة اليوم يشكل كيانا موازيا للدولة، يتلقى قراراته وتوجيهاتها من خارج المؤسسة الرسمية، ويقصر ولاءه على الجماعة.

الكيان الموازي.. أم الولي الفقيه:

مما ساعد غولن وجماعته من عدم الاستهداف الاسئتصالي المباشر خلال العقود الماضية نظرته لضرورة العمل تحت سقف الحكومة، والتنسيق معها، باعتبار أن القيادة السياسية "ولي الأمر" الذي يعرف أكثر ويحرص على مصالح الشعب. وهو لا يرفض الجمهورية بل يرى لها أصلا قرآنيا، ويعرفها بأنها شكل الإدارة الذي يملك فيه الشعب حق الانتخاب والشورى.

وكما أن جماعة الخدمة لا تعتبر نفسها تنظيما أو حزبا سياسيا، فإنَّ غولن لا يقدم نفسه، أو يقدمه أتباعه، على أنه زعيم أو ناشط سياسي. بل يتبنى غولن مفهوماً غير مسيس للدين، فهو يرى أن "الإسلام ليس أيديولوجية سياسية، أو نظام حكم، أو شكلاً للدولة"، وهو يصف جماعته بأنها "فوق السياسة"، كونها بعيدة عن العمل السياسي الحزبي. من ثم فإن نشاط الجماعة لم يمثل تهديدا للسلطة أو معارضا لها.

وعوضا عن ممارسة العمل السياسي والحراك الحزبي اعتمدت الجماعة على التغلغل في مؤسسات الدولة، والتقدم في المناصب الهامة والعليا في مختلف المؤسسات؛ خصوصاً الجيش والاستخبارات والشرطة؛ واكتفت بالتحالف مع الأحزاب السياسية في مقابل الدعم الذي تقدمه هذه الأحزاب لها بعد نجاحها؛ وبغض النظر عن اتجاهات الأحزاب أو أيديولوجيتها. لكنها كانت في غالب الأحيان إلى جانب الأحزاب العلمانية، مثل حزبي الطريق القويم والوطن الأم اليمينيين، وحزب اليسار الديمقراطي بقيادة بولند أجاويد.

وفي سبيل هذا التغلغل يمارس أعضاء الجماعة "التقية السياسية" للوصول إلى وظائف الدولة. وتجيز الجماعة لأعضائها التخلي عن بعض العبادات والشعائر لإخفاء هويتهم، حتى لا يتم استبعادهم من أجهزة الدولة، خاصة الجيش والشرطة؛ وذلك نظرا للعلمانية المتغلبة على الدولة.

وفي الوقت الذي حوربت فيه معظم الحركات الإسلامية بتركيا، وحظرت أنشطتها، كان غولن يجد الاحتفاء والاستضافة في عدد من البرامج التلفزيونية، لنقل تجربته المتميزة في الانفتاح والتسامح وقبول الآخر! واستخدم في ضرب توجه نجم الدين أربكان الذي لم يكن غولن وجماعته في وفاق سياسي معه.

إن ما يميز جماعة الخدمة التنظيم السري، والطاعة المطلقة لزعيمها، واللذين يشكلان معا تهديدا خطيرا لأي سلطة حاكمة. فقدرة غولن على توجيه أتباعه وتحريكهم والإضرار بمخالفيه عبر كيان الدولة بات لا يستهان بها. وهذا ما يفسر رفع أحد قضاة محكمة أمن الدولة بأنقرة قضية ضد الجماعة، عقب الانقلاب العسكري الذي جرى في 28 فبراير 1997م، واستهدف حكومة نجم الدين أربكان -زعيم حزب الرفاه- الائتلافية، واتهامه غولن بالعمل على تشكيل تنظيم سري يعمل على هدم الدولة؛ هذا بالرغم من تأييد غولن لهذه الخطوة الانقلابية!

كما أظهرت أحداث 17 ديسمبر 2013م إلى أي مدى وصلت قدرة الجماعة في اختراق الدولة والانتشار في مفاصلها المختلفة؛ إلى الحد الذي مكنها من تدبير مؤامرة على حزب العدالة والتنمية الحاكم. ولأول مرة اتهمت النيابة العامة غولن –في حينه- بأنه يتزعم "منظمة إجرامية"!

غولن.. الانقلابات والتحالفات:

عاشت تركيا حالة من عدم الاستقرار السياسي في ظل انقلابات عسكرية متتالية شهدتها خلال فترة ما بعد إلغاء الخلافة الإسلامية. وكانت تستهدف قوى الجيش العلماني الأحزاب والجماعات الإسلامية بتحركها السياسي غالبا. لذلك كان يتم استهداف رموزها مع كل انقلاب يتم.

ففي مارس عام 1971م اعتقل غولن لمدة ستة أشهر، على إثر الانقلاب العسكري وتدخل الجيش في الحياة السياسية. وفي عام 1973م تطورت علاقة غولن بحزب السلامة الوطني –التابع لنجم الدين أربكان، على أثر تأييد الجماعة للحزب في الانتخابات, وكان من نتائج ذلك تقديم حزب السلامة الوطني الدعم لنشاطات غولن وجماعته. انهارت هذه العلاقة التي جمعت بين الطرفين عام 1980م، بعد أن صدر عن غولن تسجيل صوتي ينتقد فيه الحزب؛ ما دفع حزب السلامة الوطني لإظهار رد فعل حازم وموقف شديد من الجماعة.

في 12 سبتمبر 1980م شهدت الساحة السياسية التركية انقلابا جديدا، بتدخل الجيش وسيطرته على الحكم؛ ما دفع غولن للهرب خارج بلدته هربا من اعتقاله. وبالرغم من مطاردته أمنيا إلا أنه أعلن وقوفه إلى جانب الجيش، وكتب في مجلة "الرشحة"، الناطقة باسم الجماعة: "نعم ها نحن الآن في ظل ألف حب وأمل فيما نُعِدُّه إشراقة انتصار هذا العصر, حيث الانبعاث الأخير في وجود وبقاء آخر محطاتنا عند النقطة التي اُستهلك عندها جهدنا. مرة أخرى أقف لألقى بالسلام إلى أولئك المحمديين الذي هم في إمدادهم وسندهم لنا كمثل الخضر -عليه السلام"! كما أعلن تأييده السياسي لـ"حزب الوطن الأم"، القومي المصنف على اليمين التركي، بقيادة "تورقوت أوزال"، بعد تصدره المشهد السياسي.

وخلال فترة الثمانينيات، شهدت الجماعة تمدداً وانتشاراً واسعاً, فارتفعت نسبة تداول مجلة "الرشحة", وازداد افتتاح بيوت النور التابعة للجماعة. فقد وجدت فيها القوى الحاكمة بديلاً للإسلام السياسي، فأتاحت لها هامشا من الحرية. إلا أن هذا التقارب لم يدم، فتمت ملاحقته بتهمة تهديد النظام العلماني، ومحاولة إقامة نظام إسلامي.

عام 1997م قاد العسكر مرة أخرى انقلابا على حكومة أربكان[3]. ولم يعارض غولن الانقلاب بل أثنى على قادته، واعتبر موقف الجيش موقفا ديمقراطيا منصفا![4] لكن حبل الود لم يدم طويلا بين غولن والجيش الذي بالغ بالثناء عليه، ما دفعه إلى مغادرة تركيا عام 1999م، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، متذرعاً بالعلاج، مستقرا بها منذ ذلك الوقت.

رأى غولن في حزب العدالة والتنمية، بزعامة طيب رجب أردوغان، قوة صاعدة جديدة يمكنه التحالف معها؛ فدعم الحزب في انتخابات عام 2007م، ودخل الطرفان فيما يشبه التحالف غير المعلن. كان هدف غولن من وراء هذا التحالف تعزيز قوته وقوة جماعته داخل تركيا. لكن هذه العلاقة –أيضا- لم تدم. فقد دخل الطرفان في صراع على خلفية قضية الفساد والرشوة التي اعتقل على إثرها 52 شخصا، بينهم أبناء ثلاثة وزراء ورجال أعمال بارزون ومسؤولون بحكومات محلية، ينتمون لحزب العدالة والتنمية أو مقربون من رئيس الحكومة –أردوغان في حينه، في 17 ديسمبر 2013م. في تلك الأحداث اتهم أردوغان غولن بالتآمر مع أطراف داخلية وخارجية للإطاحة بحكومته، وافتعال هذه الفضيحة.

وفي 15 يوليو –الجاري- اتهم أردوغان غولن مجددا بالوقوف وراء الانقلاب العسكري الدامي الذي استهدف إسقاط النظام، وإزاحة حكومة حزب العدالة والتنمية. وعلى إثر ذلك اتخذت حكومته إجراءات تستهدف تطهير أجهزة الجيش والأمن والقضاء والإعلام والتعليم وغيرها من الدوائر الحكومية مما بات يعرف بـ"الكيان الموازي"!

هذه المسيرة من المواقف لجماعة الخدمة توضح إلى أي مدى مارس غولن "البراجماتية" وتقلب في التحالفات، في سبيل تمكين جماعته وحركته من السلطة، والحكم من وراء ستار عبر كيان مواز. وفي حين كان يعلن تأييده للتحرك العسكري للجيش كان يمد يده للأحزاب الأخرى لإيصالها إلى السلطة، لتقوم بدورها بفتح الآفاق لكوادر الجماعة للتغلغل في وظائف الدولة، وبتسهيل حركة أنشطة الجماعة المختلفة.

الخدمة.. والقوة الاقتصادية:

تعتمد جماعة الخدمة على مصادر دعم مالي ضخمة، مستمرة ومتنامية. البعض يعيدها إلى سياسة الجماعة الخاصة في جمع التبرعات والاشتراكات، من بين أعضائها أو عبر محيطها الاجتماعي. إلا أنَّ هذه الموارد لا تكفي في نظر المحللين لحجم نشاطات الجماعة المختلفة.

عدا عن التبرعات والاشتراكات، تعتمد الجماعة في بنيتها العضوية على طبقة قوية من رجال الأعمال، ممن يسندون الجماعة مالياً وماديا، وهي تمتلك وتدير عددا من الأوقاف التابعة لها، وللمشاريع التي تقوم عليها، كما أنها تقود قاطرة استثمارات اقتصادية مختلفة في عدة مجالات، داخليا وخارجيا، ما يدر عليها عشرات الملايين من الدولارات سنويا.

وهي بسياستها الموادعة وغير المتصادمة مع النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحظى بالقبول والدعم والرعاية، طالما وأنها لا تنكر واقعهم، ولا تعارض فسادهم. فتوجهها الصوفي وبعدها الروحاني يقفان بها عن مقارعة الظلم والطغيان والفساد، والتعاطي في المقابل مع آثاره بالأعمال الإغاثية والخدمات الاجتماعية التي تخفف وطأته على الناس.

ولا يستبعد البعض وجود دعم خارجي عابر للحدود للجماعة خلال مراحلها التاريخية، خاصة وأنها بأفكارها تمثل بديلا مناسبا للجماعات الأصولية وحركات الإسلام السياسي. والغرب حريص في علاقاته بالمنطقة على رعاية ودعم مثل هذه الطوائف، بشكل أو بآخر. فهو بطبيعته يتيح المجال للحركات غير المعادية لسياساته في المنطقة، والمداهنة له فكريا وثقافيا وسياسيا، طالما أنها تأخذ من الإسلام جانبا صوريا أو جزئيا يقف به في حدود الخصوصية وليس التأثير والتغيير والتصدر العالمي.

وفي تقرير مؤسسة راند الأمريكية، الذي يحمل اسم: "إسلام حضاري ديمقراطي"، صنفت المؤسسة المجتمع المسلم إلى أربع فئات: المتشددون، والتقليديون، والمجددون، والعلمانيون. وأوصت أن تتعامل السياسة الأمريكية مع المجددين، وأن تدعمهم للوصول إلى إسلام معتدل مساير للحضارة الغربية. وفي هذا السياق ضرب التقرير عدة أمثلة لأولئك المجددين، وكان فتح الله غولن من بين المجددين الأبرز، حيث قال عنه التقرير: "غولن صيغة لتحديث الإسلام شديدة التأثر بالصوفية، ويركز على التنوع والتسامح واللا عنف".

الأمر ذاته تكرر في تقرير "بناء شبكات مسلمة معتدلة"، لذات المؤسسة. فقد اعتبر الصوفية أحد الحلفاء المرتقبين لأمريكا؛ وضرب لذلك مثلا الشريك الصوفي المرتقب بفتح الله غولن. يقول معدوا التقرير: "يشجع القائد الديني التركي فتح الله غولن الإسلام الصوفي الحديث المعتدل. حيث إنه يعارض تنفيذ الدولة للقانون الإسلامي، مشيرا إلى أن معظم اللوائح الإسلامية تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد، ويهتم القليل منها بأمور الحكم، فالدولة -كما يعتقد هو- لا ينبغي أن تطبق أو تنفذ الشريعة الإسلامية لأن الدين مسألة شخصية".

هذه الرؤية الغربية التي تنطلق منها سياسة الولايات المتحدة تشير بوضوح إلى أي مدى يمكن لمثل جماعة الخدمة أن تجد قبولا خارجيا، بل وداعما على سبيل التوظيف والاستخدام. لذا فلا غرابة أن تستضيف الولايات المتحدة الأمريكية غولن في ولاية بنسلفانيا منذ قرابة العقدين؛ معززا بحراسات خاصة وأخرى أمنية. كما ن هذا التحليل يفسر مدى التمدد والانتشار الذي تجده مؤسسات الجماعة في الدول الغربية، التعليمية والإعلامية والاقتصادية؛ دون أي تضييق يذكر.

وهي الاعتبارات ذاتها التي جعلت حكام تركيا من العسكر العلماني -كسليمان ديميريل وبلند أجاويد- يطلقون حرية النشاط للجماعة في تأسيس المدارس والمحاضن التربوية. فالخلفية الصوفية والمناهج العصرية التي يتربى عليها الأتباع ترسخ القابلية لعلمانية الدولة التركية دون تحفظ؛ طالما وأنها ترضى عن الجماعة ومرجعيتها وفكرها كنموذج معبر عن الإسلام!

غولن والعلاقة مع الغرب:

في حقبة تاريخية معينة -شهدت صراعا محموما بين قطبي السياسة العالميين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية- مثل العالم الإسلامي حليفا مؤقتا لمواجهة المد الشيوعي الذي بات ينتشر في العالم انتشار النار في الهشيم. ومن ثم تبنى العالم الغربي حركات الجهاد والمقاومة المختلفة التي وقفت ضد تمدد المعسكر الشرقي وتوسعه عالميا.

لم تكن تركيا بحكم موقعها الإستراتيجي بعيدة عن هذا الصراع؛ ولم تخل من اختراق فكري من كافة الاتجاهات التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرين الميلاديين. وكانت جماعة الخدمة إبان انتشارها معادية للشيوعية والإلحاد، فاستخدمت كبقية الاتجاهات الإسلامية من قبل الغرب لقمع اليسار -يقول الباحث التركي محمد كارلي -في جامعة أكسفورد[5].

يضاف إلى ذلك أن رؤية الجماعة للغرب تنبع من اقتناعها بأن الغرب هو الذي يقود العالم اليوم، وهذا يحتم على كل من أراد أن يتواجد على الساحة العالمية التصالح والتنسيق معه لا مصادمته -برأيها. من هنا تقف الجماعة دوما داعمة لملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

ولا تنظر الجماعة للعالم العربي بوصفه المجال الحيوي لتركيا، بل تعتبر أن هذا المجال هو القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان. وهذه النظرة بطبيعتها تخدم سياسة عزل تركيا عن محيطها العربي. وفيما كان الزعيم التركي نجم الدين أربكان يدعم الاتحاد مع العالم الإسلامي كان غولن يركز على هوية الإسلام القومي التركي الأناضولي، ويرفض سياسة أربكان!

وسبق لغولن أن أطلق مشروع "حوار الأديان"، على خلفية لقاءاته مع قساوسة نصارى ثم بابا الفاتيكان، ليكون بوتقة تجمع أتباع الشرائع السماوية الثلاثة، ثم لاحقاً أتباع الشرائع الأخرى (الهندوس والسيخ والبوذيين)؛ ترسيخاً لمبدأ قبول وفهم الآخر والتعاون معه.

وتماهيا مع الغرب تتجنب الجماعة عبر تاريخها الطويل انتقاد إسرائيل، حتى في أخطر الأحداث وأبشع المجازر. وفي عام 1990م أبدى زعيم الجماعة تعاطفه مع أطفال إسرائيل نتيجة قصف نظام العراق لإسرائيل بعدة صواريخ سكود. كما انتقدت الجماعة عبر أذرعتها الإعلامية جهود حكومة أردوغان وهاجمت مساعيه الإنسانية لإغاثة غزة؛ واعتبرت -في موقف مغاير للموقف الشعبي والرسمي لتركيا- إرسال أسطول الحرية لكسر حصار غزة مخالفة قانونية!

كما أدان غولن قرار طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة، والذي صدر على خلفية اعتداء قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي على سفينة "مافي مرمرة" وقتله تسعة مواطنين أتراك عليها في المياه الإقليمية. ملقيا اللوم في تصريح له لصحيفة "وال ستريت جنرال" الأمريكية على الجانب التركي.

من ثمَّ كتبت الكثير من الدوريات الغربية عن غولن تصوره كزعيم حركة اجتماعية إسلامية قومية غير معاد للغرب، ووجه المستقبل للإسلام الاجتماعي في الشرق الأوسط، وتظهره كقائد روحاني وملهم للمسلمين في العالم، وليس في تركيا فحسب. وتجد جماعته وأنشطتها الباب مفتوحا لها في الدول الغربية ودون تضييق.

هدف الغرب من رعايته غير المباشرة لجماعة الخدمة -وهي المتغلغلة في كافة مفاصل الدولة التركية- تطبيع الحالة التركية مع مشروع إسلامي مرضي ومقبول له، تمهيداً لتصدير هذا النموذج إلى محيط تركيا الإسلامي. لذلك يسعى غولن إلى إنتاج حالة تدين بنزعة تركية، تجمع بين التصوف والحداثة والقومية. وهذا التوجه بدوره يجعل تركيا تابعة لا متبوعة، ويأمن مستقبلها في مواجهة حركات الاسلام السياسي الأصولية –في نظر الغرب.

ومن هنا تأتي "محاولة الجماعة فرض حصار على الاسلام، بحيث يحافظ على نسخته الكولينية التي تعتمد صيغة (مؤمنون بلا حدود)، حيث الإنسان -لاحظ أن أتباعه يتحدثون دائما عن الإسلام من خلال أفكاره فقط وكأنه مصدر فهم الدين- هو من يحدد حدود الإيمان وليس الأديان"[6].

 

[1] ينتمي الشيخ بديع الزمان النورسي في آرائه العقدية للماتريدية.

[2] السياسة التركية ودور جماعة غولن، محمد الأخرس، صيد الفوائد:

http://www.saaid.net/arabic/705.htm?print_it=1

وقد تراجع غولن عن هذه الآراء، في لقاء أجرته معه صحيفة "الزمان" –التابعة لجماعته، في ذات السنة.

[3] هو الانقلاب الذي على إثره تم إغلاق حزب الرفاه من قبل المحكمة الدستورية في عام 1998م؛ ومنع نجم الدين أربكان من ممارسة السياسة لمدة خمس سنوات، وحكم على رجب طيب أردوغان -عمدة إسطنبول حينها عن حزب الفضيلة- بالسجن، ومنع من ممارسة السياسة للأبد.

[4] استقبلت صحيفة "زمان" حكومة الانقلاب الذي تم في 28 فبراير، بعنوان "لعله مبارك"، واستبشرت خيراً منذ اليوم الأول!

[5] التركي فتح الله غولين من أكثر الدعاة تأثيراً، مها الريشة، بي بي سي: في 3/8/2008م.

[6] كول: رجل تركيا الغامض، حسين الرواشدة، صحيفة الدستور الأردنية، في: 7/6/2014م.