رؤية في المستجدات /

فشل الانقلاب العسكري بتركيا.. يقظة شعب وتعاطف أمة [ مقال ]

[ الاثنين 13 شوّال 1437 هـ ] [ 887 ]

في ليل حالك حاولت حثالة من العسكر القيام بانقلاب مسلح على حكومة شرعية منتخبة في تركيا مساء الجمعة العاشر من شوال (15 يوليو)؛ غير أن يقظة الشعب التركي المسلم وقفت وحالت دون نجاح هذا الانقلاب العسكري. ومحاولة الانقلاب هذه تأتي ضمن عدة محاولات هدفت لإفشال أو إسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي.

سبق هذا الانقلاب مساع عدة لدعم خصوم الحزب السياسيين في العمليات الانتخابية المتعاقبة التي شهدتها تركيا منذ عام 2002م ليفوزوا بالانتخابات ويتغلبوا على الحزب، لكن دون جدوى. كما رفعت دعاوى عدة للمطالبة بإغلاق الحزب، وفي يوليو 2008م رفضت المحكمة الدستورية في تركيا بأغلبية ضئيلة دعوى بإغلاق الحزب بتهمة "أنه يقود البلاد بعيدا عن نظامها العلماني نحو أسلمة المجتمع"، لكنها رغم قرارها وجهت رسالة تحذير إلى الحزب، وذلك بفرض عقوبات مالية كبيرة عليه عبر حرمانه من نصف ما يحصل عليه من تمويل من الخزانة العامة التركية.

أبعاد المؤامرة:

المؤامرة التي تدور في تركيا لا تبعد كثيرا عن أبعاد المؤامرة التي تدور في المنطقة، والتي تستهدف المشروع النهضوي الإسلامي بكل قواه الخيرة من الإمساك بزمام السلطة وتحقيق استقلال وسيادة الدولة. فالاستعمار الذي خرج مضطرا من البلدان الإسلامية تحت وقع بنادق ومدافع التحرير لم يَألُ جهدا في إيصال النخب العميلة في كثير من البلدان الإسلامية لسدة الحكم. وقد ظلت هذه النخب تحكم شعوبها بلافتات عدة وشعارات فارغة وواجهات مختلفة، لكنها على أرض الواقع لم تحقق منجزا يذكر، بل تسببت في إهدار ثروات الأمة، وضياع مصالحها، وتعطيل طاقاتها وكوادرها، وفساد أخلاقها، وتخلفها.

وفي حين استطاعت جهود العلماء والدعاة المصلحين في استنهاض الشعوب، والحفاظ على هويتها، وإبقاء روح المقاومة فيها، تمكنت جهود بعض المصلحين من المشاركة في الواقع السياسي بما يخدم المصالح العامة ويرشد سياسات الدولة. غير أن هذه المشاركة اقتصرت على الهامش المأذون لها في ظل الهجوم الذي يشن على روادها، والتضييق المستمر الذي كان ينالهم.

في عام 2011م شهدت دول عربية مختلفة ثورات شعبية طالبت بإسقاط الأنظمة الفاسدة، وتمكنت في تونس ومصر من فرض واقع جديد، كان من أبرز ملامحه صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم. وهو ما دفع دوائر الاستخبارات الغربية وأذنابها في المنطقة للحؤول دون نجاح هذه التجارب وإفشالها عبر كل الطرق، بما عُرف بالثورات المضادة. ولم تكن إسرائيل وإيران بعيدة عن هذا التآمر الذي قضى على آمال الشعوب في تغيير سلمي يخرجها مما هي فيه.

وفي حين لا تزال الأمة تعاني من حالة الاحتراب والقتال التي خلفتها الثورات المضادة في مصر وليبيا واليمن، جاء الانقلاب العسكري في تركيا ليمثل حلقة جديدة في إضعاف الأمة، وإدخالها في صراعات دموية وحروب أهلية مدمرة. وكان من الواضح تماما في النموذج التركي أن الانقلاب العسكري فاقد لأي مبرر يمكن أن يستند إليه. فتركيا تتمتع برخاء معيشي وازدهار اقتصادي وتقدم على مستوى الخدمات العامة والتعليم والبنى التحتية. كما أنها في ظل حكم الحزب العدالة والتنمية حققت علاقات حسنة مع دول العالم، خاصة بمحيطها العربي والإسلامي؛ وأصبحت مقصدا للسياحة والاستثمار.

لماذا تركيا:

تمثل تركيا اليوم دولة عصرية محورية، تسابق وتنافس الدول الصناعية الكبرى، وذات ثقل مؤثر في السياسة الدولية باعتبار موقعها الجغرافي. كما أن حكومة حزب العدالة والتنمية الممسكة بمقاليد السلطة -عبر انتخابات حرة ونزيهة شهد لها العالم- حاضرة بقوة في دعم قضايا الأمة الإسلامية ابتداء من القضية الفلسطينية وليس آخرها القضية السورية التي يشهد العالم المتحضر(!) فصولها الدامية دون أن يحرك ساكنا.

لقد قدمت تركيا نموذجا حيا للسياسة العادلة المناصرة للمظلومين، فقد سعت إلى كسر حصار غزة، ووقفت مع الشعب الليبي في ثورته ضد نظام القذافي الغشوم، ورفضت الانقلاب العسكري بمصر باعتباره انقلابا على الشرعية، ووقفت إلى جانب الشعب السوري فاستضافت ما يقارب ثلاثة مليون سوري على أراضيها، مقدمة لهم الدعم والرعاية.

كما أن مواقف تركيا السياسية مؤخرا تصب في اتجاه التقارب مع المملكة العربية السعودية ودولة قطر لمواجهة المخاطر التي تتهدد المنطقة. وهذا ما انعكس في الزيارات المتبادلة بين قادة هذه الدول، والاتفاقيات الموقعة بينها. خاصة وأن المملكة العربية السعودية تقود تحالفا عربيا لاستعادة الحكومة الشرعية في اليمن موقعها إزاء انقلاب عسكري ميليشاوي طائفي.

إن منطلقات حزب العدالة والتنمية النابعة من هوية الشعب التركي ومرجعيته الدينية والثقافية، والنجاحات التي حققها على الصعيدين الداخلي والخارجي، لم يكن ليرضي أعداء الأمة المتربصين بها، ولم يكن ليتفق مع تطلعاتهم حول مستقبل المنطقة ومخططاتهم لها. من ثمَّ انطلقت دوائر الاستخبارات العالمية لحبك المؤامرات لتركيا، والسعي لتوريطها في صراعات خارجية غير محسوبة أو أزمات داخلية كبرى.

بل مثل عدم قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي شكلا من أشكال محاصرة تركيا الناهضة؛ هذا بالإضافة إلى إحاطتها بأنظمة معادية لها: العراق- سوريا. في حين جرى التخطيط لضرب العلاقات التركية الروسية على خلفية المواقف المتباينة من الوضع السوري، لولا تنبه القيادة التركية وضبطها للنفس!

دروس مستفادة:

أيا يكن حجم المؤامرة التي لا تزال تتكشف أبعادها، ومن يقف وراءها، وما حدث ليلة الانقلاب تحديدا، وكيف تم القضاء عليه، فالمهم هو الدروس المستفادة التي برزت في الحدث بجلاء، ومنها:

  • أن منطلق العداء الغربي للأمة منطلق هوية دينية وحضارية. وأن التآمر عليها لا يزال مستمرا بكل الطرق، مستغلا المنافقين والجهلة والحاقدين على المشروع الإسلامي لخلافهم معه.
  • أن الشعوب الإسلامية شعوب حية ترتبط ببعضها ارتباطا عضويا بفعل هذا الدين الإسلامي العظيم، الذي جعل المسلمين أمة واحدة متآخية متحابة. وهذا تجلى بالتعاطف الذي أظهرته جموع الأمة في مشارق الأرض ومغاربها مع ما جرى في تركيا.
  • أن أعظم محفز للشعوب يدفعها للتضحية والعمل الإيمان بالله والتوكل عليه. فقد خرج الشعب التركي مدافعا عن حقوقه ومصالحه المشروعة مكبرا مهللا، تعلو من المساجد أصوات الأذان والقرآن. وهو الأمر ذاته الذي ظهر على القيادة التركية في مثل هذه اللحظات الحرجة. فالمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة تعني مواجهة الباطل والوقوف أمامه ومقاومته.
  • أن الوعي واليقظة التي يتمتع بها الشعب التركي، والذي تحقق في ظل نشر التعليم وفتح آفاق المعرفة والإعلام المفتوح والتنشئة المجتمعية المعتدلة، برز في هذا التحرك الجماهيري العريض والواسع والسريع، والذي تخلى عن كافة الخلافات لصالح الحق والعدل والاستقرار والأمن، وذلك دون أن ينجر لمواجهات وفوضى غير مرشدة.
  • مع عدم إنكار حنكة القيادة التركية وترتيباتها التي أظهرت قدرا من الحذر والتخطيط والأخذ بالأسباب المادية إلا أن عون الله وحفظه كان من الجلاء بحيث قضي على هذا المخطط في ثلاث ساعات تقريبا، بأقل الخسائر. وهذا العون دون شك يأتي كجزاء لما قدمته الحكومة والشعب التركي للشعوب المسلمة الأخرى في فلسطين وسوريا ومينمار وغيرها، ولمناصرتهم للقضايا العادلة للشعب الليبي والمصري واليمني والعراقي وغيرهم. فالجزاء من جنس العمل.
  • أظهرت الأحداث مدى أثر المنافقين في واقع الأمة، عبر خياناتهم الغادرة، وتقليبهم للحقائق، وتشوييهم لكل جميل وصلاح. فقد بدا من طابور النفاق المهيمن على منابر الإعلام العربية الفرح بالانقلاب، والشماتة بالقيادة التركية، وتحريض الشعب التركي بعضه ضد بعض. وهم في ذلك يصدرون من مصدر واحد.. تشابهت قلوبهم!
  • إن المنحرفين في مناهجهم الدينية يمثلون جسر العبور للباطل والفساد والظلم، بمواقفهم السلبية أو المشرعنة للباطل والفساد والظلم باسم الدين. وهذا لا يغير من حقائق الأمور شيئا. فكما أن جماعة فتح الله غولن كانت حاضرة في انقلاب تركيا مثلت جماعة الحوثي أداة للانقلاب في اليمن. لذلك فإن مكافحة مناهج الضلال والانحراف قبل استفحالها من أولى مهام المصلحين والمجددين. وما اهتمام الغرب بالأقليات الطائفية إلا على سبيل توظيفها لا حبا فيها.
  • أن الأمة جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، مهما اختلفت الأعراق والقوميات والبلدان، فقد حزنت الأمة كما حزن الشعب التركي، وتعاطفت معه، وفرحت بفرحه.