أديان و مذاهب /

هذا هو عدنان إبراهيم! [ مقال ]

[ الثلاثاء 23 رمضان 1437 هـ ] [ 11929 ]

كثر الكلام وكثرت الأسئلة حول الدكتور عدنان إبراهيم، فانقسم الناس في شأنه ما بين مادح وقادح، وبخاصة فئة الشباب، وعلى الأخص من كان منهم حريصاً على مستقبل هذه الأمة، شغوفاً بنهضتها وتقدمها. وفي الأسطر الآتية ما أرجو أن يكون جواباً شافياً عن هذه الشخصية، وبالله التوفيق.

قبل قرابة القرن من الزمان انتقد شيخ الإسلام في الدولة العثمانية مصطفى صبرى -رحمه الله- منهج الشيخ محمد عبده في مصر قائلاً: "فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين، زعيمي البروتستانت في المسيحية، فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد المقنع بالنهوض والتجديد"[1].

واليوم يُشِّبه المستشرق النمساوي "روديغر لوكر- Rüdiger Lohlker" ما يقوم به الدكتور عدنان إبراهيم بعمل لوثر في البروتستانتية، فيقول: "عدنان إبراهيم مش عالم، ومش مفكر، عدنان مصلح مثل مارتن لوثر لدينا هنا في المسيحية"[2].

والشبه بين محمد عبده الذي انتقده الشيخ مصطفى وعدنان إبراهيم الذي امتدحه المستشرق روديغر هو المنهج العقلاني الذي اعتُسفت به نصوص الكتاب والسنة تحت شعار النهوض والتجديد، ومواكبة التطور والحضارة الغربية المعاصرة!

والواقع المرير أن هذا المنهج منذ ما يزيد على قرن من الزمان لم يحفظ على المسلمين دينهم، ولم يرتق بهم في دنياهم! وعلى كل حال، انتهى هذا المنهج العقلاني بالشيخ محمد عبده صديقاً مقرباً من المستعمر البريطاني، إلى درجة أنه حينما مات رثاه بحزن وأسف شديد زعيم الاستعمار البريطاني في مصر اللورد "كرومر".

والله أعلم أين سينتهي هذا المنهج بعدنان إبراهيم، والذي نشهد يوماً بعد يوم تزايد محبة العلمانيين والليبراليين له ودفاعهم عنه؟!!

إن الخلاف القائم مع عدنان إبراهيم ليس في معلوماته الموسوعية، ولا في شخصه، فهو كغيره يصيب ويخطئ ويؤخذ من كلامه ويرد، ولكن الخلاف معه إنما هو بالدرجة الأولى في المنهج العقلاني الذي ينتهجه ويذود عنه.

ذلك المنهج الذي يرى بأن التمسك بالكتاب والسنة يعني إعادة صياغتهما وفهمهما وفق مقتضيات العصر، ولو أدى ذلك إلى اعتساف معنى آية قرآنية، أو رد حديث صحيح، أو رد الإجماع، أو رفض أمور الغيب أو تأويلها، أو جعل المقاصد غاياتٍ تُلوى لها أعناق النصوص الشرعية، أو تكسر وترد إن لم تخدم ذلك المقصد، إلى غير ذلك من أدوات المدرسة العقلية المعروفة والمبسوطة في كتب من تولى الرد عليها وعلى أتباعها.

ومن خلال متابعتي الطويلة لنتاج عدنان إبراهيم[3] تبين لي أنه يسعى وينافح عن قضية افترض بأنها أساس مشاكلنا نحن المسلمين، وأيضاً أساس مشكلتنا مع الغرب وحضارته، وهي قضية الحرية الدينية؛ فاختارها مادة لرسالته في الدكتوراه، وجعل من الدعوة السلفية برمتها معوقاً أساساً لها ومُفرِزاً لما يضادها، وعاب عليها التمسك بالنصوص فوصفها بالتيارات السلفية المعتصمة بالقراءة الحرفية السكونية للنص الديني، أو ذات الخطاب التقليدي السكوني[4]، والذي كما يزعم: "لم يأبه بكل التغيرات التي طالت بُنى المجتمع والدولة، وبعض آليات التفكير ومظاهر الثقافة، ومتطلبات العصر"[5]. والخلاصة عنده أن التيارات السلفية بخطابها التقليدي لم تعد ملائمة لهذا العصر، فهو يقول: "لئن كان الموقف التقليدي منسجماً مع سياقات مجتمعية وسياسة قروسطية فإنه لم يعد ملائماً في معظمه للسياق المعاصر"[6].

ويؤكد هذه النتيجة في لقاء له مع قناة تلفزيونية هولندية، زاعماً بأن الدعوة السلفية –وبالذات في نسختها الوهابية- هي دعوة بدأت إصلاحية، ثم انتهت إلى مآزق وانسدادات معروفة للجميع! وزعم بأن الإصلاح الذي توخته الدعوة السلفية تركَّز في الناحية العقدية بينما كان ينبغي أن يتركز على الإصلاح في الجانب المدني والسياسي. وزعم أن الاقتصار على التصحيح العقدي أدى بها إلى المغالاة التي أورثت بزعمه نوعاً من التكفير والحكم على الناس بالشرك!![7]

ولذلك فإن عدنان إبراهيم لا يرى اليوم أمام منهجه العقلاني وقضيته المزعومة "الحرية الدينية" خصماً سوى الدعوة السلفية!

وإليك أخي العاقل أختي العاقلة بعض مخرجات المصلح اللوثري عدنان إبراهيم:

  • يرى ضرورة إعادة النظر في تقسيم الله -عز وجل- للمواريث، لأن المرأة في السابق لم تكن تعمل وتكسب، على عكس اليوم.[8]
  • يرى أنه يكفى أن يُقرَّ اليهودي أو النصراني ويعترف بالله، ويؤمن بلقائه يوم القيامة، ويحرص على عمل الصالحات ليكون يوم القيامة من الناجين، مع بقائه على شريعته! لأنه يدخل حينها في الإسلام بمفهومه العام![9]
  • ويرى أنه ليس هناك ما يمنع من أن يُبشِّر كل أحدٍ بدينه. فمن حق كل أحد أن يبلِّغ ما عنده![10]
  • ويرى بأنه ليس شرطاً أن ننشئ دولنا على أسس اعتقادية أو إيديولوجية كما كان في القرون الوسطى![11]
  • ويرى أن كلمة الحكم في كل نصوص القرآن والسنة تعني السلطة القضائية، وليس السلطة التنفيذية، وأن الجانب التنفيذي في الدولة يُسند إلى البشر، وقد يصيبون ويخطئون، وقد يبتعدون عن الدين قدر ما يشاؤون![12]
  • ويرى أيضاً بأنه لا بد أن يتساوى المسلم وغير المسلم في الدولة المدنية في كل شيء، حتى في تولي الولايات العامة والرئاسة![13]
  • ويرى أن المرتد عن قناعة لا سبيل لأحد عليه، فيقول: "أن المرتد المجرد، وهو الذي ترك الإسلام عن قناعة فكرية، من غير أن تتظاهر ردته بخيانة أو بحرابة، لا سبيل لأحد عليه وراء النصح والمحاورة بالتي هي أحسن"[14].
  • ولذلك فهو يعارض حد الردة ويراه أمراً مرعباً. وقال -مجيباً عن سؤال حول تطبيق حد الردة والمطالبة بتفعيله: "هذا شيء مخيف ومرعب، أول من يقع ضحيته ناس مثل الدكتور... ويمكن مثلي.."[15].
  • وأما السنة النبوية فيزعم أنها في جملتها ليس لها -بحسب تعبيره- من الوثاقة الاعتمادية ما للقرآن العظيم! ويرى أنها السبب في فرقة الأمة، فللسنة كما يزعم سنتهم وللشيعة سنتهم، وللإباضية سنتهم![16]
  • ويرى أن الأصل أن يُنظر إلى السنة بأنها تطبيق مظروف ومشروط بفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- للقرآن![17]
  • ولذلك فهو يرى رد الحديث الصحيح إذا تعارض بزعمه مع العقل أو العلم المعاصر: "هناك أحاديث نبوية صحيحة تختلف وتعترض تماماً بل تتناقض مع مقررات علمية، حقائق علمية قطعية، ولا تقبل التأويل، إذا كانت لا تقبل التأويل بوجه من الوجوه فإننا نردها ولا نلوي على شيء"![18] ونحن نقول بأنه لا يمكن أن يتعارض دين الله مع العقل الذي خلقه أو العلم الذي آتاه خلقه.. حاشاه سبحانه.
  • وبطبيعة الحال فهو كباقي العقلانيين لا يقبل بأحاديث الآحاد في الأصول ويزعم بأن "الآحاد قصاراه أنه يورث الظن"![19] وهو موقف طبيعي منهم، لأن الأخذ به يهدم كثيراً من تخريجاتهم العقلية.
  • ويرى أن الاجماع ليس من مصادر التشريع![20]

وأما الدعوة السلفية التي نصبها المصلح اللوثري عدنان إبراهيم خصماً له، وينعتها بالإسلام الأصولي أو الإسلام المتطرف، فإليك بعضاً من تجنياته عليها وعلى رموزها:

  • يرى في القراءة عدم الاقتصار على كتب ابن تيمية وابن عبدالوهاب والشوكاني وابن باز لأن هذا يفقد القارئ التسامح وسعة الصدر![21]
  • وفي معرض دفاعه عن عقيدته الأشعرية في الأسماء والصفات يقول عن ابن تيمية وابن القيم والألباني رحمهم الله: كيف لعبت بهم الأهواء وتجاوزوا إلى هذه الغايات القبيحة ولماذا انحطوا بتفكيرهم إلى هذه المستويات الواطئة جداً.. المسألة مذهبية.. أصَّلوا أصولاً وقعدوا قواعد وصدقوها (وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون)![22]
  • ويزعم بأن الإسلام الأصولي يُعلِّم أبناءه أن المسلم هو أستاذ البشرية![23]
  • ويزعم بأن الإسلام تم اختطافه على يد بعض المشايخ والاتجاهات والمتنطعين![24]
  • ويرى بأن العقلية المسلمة اليوم، وفي قطاع كبير منها، يسيطر عليها فكر ابن تيمية[25].
  • ثم يزعم بأن خريجي مدرسة ابن تيمية يستسهلون التكفير، لأن ابن تيمية جرَّأهم على ذلك، لأنه حكم على علماء الأمة بالشرك![26]
  • وعلى النقيض من عقلانيته، نجده محباً معظماً للصوفية، ومدافعاً عن رموزهم -على الرغم من شطحاتهم. فهو يرى بأن التصوف: "جزء أساسي وأصيل من الإسلام"[27]. ويرى بأن موقف ابن تيمية من التصوف ليس بذاك العمق والاستقصاء، وإنما هو موقف انتخابي اختياري. ويرى أن ابن عربي كان موحداً، وأن الكفريات التي في الفتوحات إنما دُسَّت عليه![28] وامتدح أولياء الصوفية وزعم أن من السابقين من دخل في عرفان التصوف وكشفهم؛ ثم زعم بأنه قد قيل: علم العلماء إلى علم الأولياء كعلم الصبيان إلى علم العلماء![29]

هذا هو عدنان إبراهيم وهذه بعض ملامح فكره ودعوته وتطلعه إلى إسلام لا يحتاج معه الكافر إلى النطق بالشهادتين حتى يدخل فيه، وليس فيه ما يمنع المسلم أن يخرج منه متى ما أراد ذلك!!

وبعد، فلئن كان الواحد منا يمتنع عن استشارة من يتصدى للطب بمجرد أنه قرأ كتب الطب ولم يدرسه في محاضنه، على أيدي أهله من الأطباء الحذاق، فكيف نأخذ أمور ديننا ممن لم يطلب العلم على أيدي العلماء (ورثة الأنبياء)، بل على العكس يُصرح ويتبجح قائلاً: "أنا شيخ نفسي"![30]

وأخيراً، فإن الواجب على المسلم أن يحرص على أخذ أمور دينه من الراسخين في العلم، وأن يتجنب أهل البدع، وأن يحذر منهم، لئلاّ تتخطفه أهواؤهم. وفي مقدمة صحيح مسلم عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".

 

[1] مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين: ج1/144.

[2] ذكر هذا نصاً عدنان إبراهيم في برنامج "في الصميم"، على قناة روتانا خليجية، الدقيقة: 01:04. والمستشرق روديغر لوكر هو أستاذ بمعهد الدراسات الشرقية في جامعة فيينا، وقد أشرف على رسالتي الماجستير والدكتوراه لعدنان إبراهيم في ذات المعهد.

[3] انظر مقال "عدنان إبراهيم والعودة إلى المربع الأول"، المنشور في 1433ه.

[4] انظر: عدنان إبراهيم، حرية الاعتقاد في الإسلام ومعترضاتها، رسالة دكتوراه (غير مطبوعة): ص40.

[5] المرجع السابق: ص40.

[6] المرجع السابق: ص40.

[7] لقاء مع قناة npo الهولندية، الجزء الثاني، في 10/1/2015م، الدقيقة: 13.

[8] قناة روتانا خليجية، برنامج اتجاهات، الجزء الأول، في 7/4/2012م، الدقيقة: 43.

[9] لقاء مع قناة npo الهولندية، الجزء الأول، في 10/1/2015م، الدقيقة: 5.

[10] لقاء مع عدنان إبراهيم بمؤتمر "هويتنا" في الكويت، في 8/2/2011م، الدقيقة: 51- 85.

[11] لقاء مفتوح في الكويت مع عدنان إبراهيم، الدقيقة: 03:02.

[12] قناة الجزيرة، برنامج في العمق، في 4/6/2012م، الدقيقة: 32- 34.

[13] المرجع نفسه، الدقيقة: 40.

[14] عدنان إبراهيم، حرية الاعتقاد في الإسلام ومعترضاتها: ص1250.

[15] لقاء مفتوح في الكويت مع عدنان إبراهيم، الدقيقة: 03:03.

[16] لقاء في قناة الميادين، برنامج أ ل م، بعنوان "إنقاذ العالم الإسلامي"، مع عدنان إبراهيم، الدقيقة: 11.

[17] لقاء مع قناة npo الهولندية، الجزء الأول، في 10/1/2015م، الدقيقة: 11.

[18] قناة روتانا خليجية، برنامج اتجاهات، الجزء الأول في 7/4/2012م، الدقيقة: 13.

[19] المرجع نفسه، الدقيقة: 17.

[20] قناة روتانا خليجية، برنامج في الصميم، في 23/7/2013م، الدقيقة: 52.

[21] درس بعنوان "بين عقيدة الأشاعرة والسلفية الوهابية"، الدقيقة: 1:31.

[22] المرجع نفسه، الدقيقة: 48.

[23] لقاء مع قناة npo الهولندية، الجزء الثاني، في 10/1/2015م، الدقيقة: 17.

[24] المرجع نفسه، الدقيقة: 27.

[25] مقطع مرئي لعدنان إبراهيم بعنوان: لهذا مات ابن تيمية في السجن، الدقيقة: 1.

[26] خطبة بعنوان: ابن تيمية وتقسيم التوحيد، الدقيقة: 56.

[27] قناة روتانا خليجية، برنامج في الصميم، في 23/7/2013م، الدقيقة: 41.

[28] لقاء مفتوح في الكويت مع عدنان إبراهيم، الدقيقة: 37- 39.

[29] المرجع السابق، الدقيقة: 02:41.

[30] قناة روتانا خليجية، برنامج في الصميم، في 23/7/2013م، الدقيقة: 9.