النهضة و التغيير /

الرأسمالية الثقافية! [ مقال ]

[ السبت 13 رمضان 1437 هـ ] [ 1058 ]

هناك مشكلة تكبر يوماً وراء يوم.. نوعٌ من الانفصال بين المـُلقي والمـُتلقي، هوة واسعة بين المصلح والمجتمع، بين الداعية والناس، بين العالم والجاهل. في الدول الرأسمالية تلوح مشكلة الطبقية، لأن المال يقع تحت تصرف قلة قليلة من الناس، بينما الطبقة الأكبر –الشعب- يعيش نوعاً من الفقر، وهكذا يعم ظلام الطبقية أنحاء المكان، وينقسم المجتمع إلى طبقتين تفصل بينما هوة سحيقة، تزداد كل يوم فيزداد الفقير فقراً والغني غنى.

هذا هو ما يحدث اليوم في مجتمعنا. في حقلٍ آخر ليس هو حقل الاقتصاد والمعيشة، لكنه حقل المعرفة والتغذية الروحية والأسئلة الثقافية الحائرة، هناك طبقية ثقافية بين المجتمع والمـُصلح. ففي كل مجتمع، هناك ثلاثة طبقات من الناس:

  • العلماء أو المتخصصون أو النخب، وما يندرج تحت هذه الطبقة.
  • الناس أو العامة، وما يندرج تحت هذه الطبقة.
  • الدعاة أو مرتادوا المنطقة الوسط.

يبقى المجتمعُ مُتماسكاً ومحافظاً على هويته ومبادئه وأخلاقه ودينه وثقافته إذا وُجٍدت هذه الطبقات الثلاث، وأدت عملها بشكل جيد، ولم تراوح أي طبقة منها مكانها المناسب لها. وعند غياب واحدة من تلك الطبقات فإنَّ الأمور تختل، ويموج المجتمع ويتصادم فكرياً، وتتلقفه الأمواج من كل جانب، وتتصيده الأفكار الأجنبية والدخيلة وتؤثر فيه.

طبقة عامة الناس أو الجماهير هي الطبقة الأكبر عدداً. وهي الطبقة التي لا تغيب. وهذه سنة من سُنن الحياة. فإنه يستحيل أن يكون الناس كلهم علماء أو نُخبا. فإنَّ العلماء والنخب غالباً قلة.

وأما طبقة المنطقة الوسط فربما يختفون ويغيبون عن المشهد، مع أن وجودهم هو الأهم، كونهم هم الوسيط وحبل الوصل بين الـمُلقي والمتلقي والعالم والـمُقلد. هم المترجم للطرح النخبوي، والـمُيسر للطرح العلمي المتخصص. ويعود سبب غياب هؤلاء الوسطاء ومرتادي المنطقة الوسط إلى أمرين:

الأول: تركهم الميدان لانشغالهم بغيره من شواغل الدنيا.

والثاني: تقمصهم لشخصية النُخب والعلماء.

وكلا الأمرين كارثة. والخسارة بحصول أيٍ منهما لا محالة حاصلة، إلا أن السبب الثاني أكثر سوءاً.

أما طبقة العلماء والنخب، فهي طبقة قليلة، وأفرادها معروفون عند الطبقة الوسط أكثر من طبقة عامة الناس. وربما في أحيان قليلة يُعرفُ بعضهم عند الطبقتين، ويُصبحُ رمزاً مجتمعياً تشرأب إليه الأعناق عند كل نازلة.

والواقع المعاصر يُشير بوضوح إلى حالة من الإنفصال بين النُخب والناس، بين القيم والمبادئ الإسلامية المبثوثة في كتب التراث وبين المجتمع. والسبب في ذلك يعود إلى غياب الوسيط "الناقل"، الداعية الذي يقدم الفكرة الإسلامية العميقة في قالبٍ سهل، الكاتب والـمُتحدث الذي يُقدم الرؤية الدينية الدقيقة بلغة مرنة تفهمها الأسماع وتعيها.

كم مرة تساءل الشباب المتعطش عن مكانة العقل في الإسلام؟ ألم تُشبع هذه المسألة بحثاً عند علماء الإسلام؟ وقدمها شيخ الإسلام في ثوب قشيب وبحر من العلم عميق؟ بلى، ولكن كم من طلبة العلم سيستوعب كلام شيخ الإسلام؟ حسناً.. وماذا عن الشباب؟ هل نقول لهم عليكم بدرء التعارض فاقرؤه؟ هل يصح أن ندلهم على مئات الصفحات التي سُودت في القرن الثامن؟ أم أن الأجدى أن نوفر لهؤلاء العطشى أطروحات تُقدم الفكرة باختصار وبلغة عصرية ورؤية سُنية؟

سؤال الشر! الذي أصبح يتردد هنا وهناك، ويستخدمه الملاحدة لتسويق إلحادهم، هل يكفي أن نقول للسائلين: عليكم بشفاء العليل لابن القيم -رحمه الله؟ وماذا يصنع السائل بثلاثة مجلدات كبيرة؟ وبمفردات ربما لا يفهمها عقل المتخصص فضلاً عن غيره؟ أليس من الأولى أن نُقدم الإجابة في كلمات مختصرة وكتيبٍ صغيرٍ يهدي الحيارى، وبلغة يفهمونها؟

كان هذا هو الواجب. وهذا الواجب يقع على ذلك الوسيط الذي غاب عن الساحة، وانشغل عن عمله الشريف بأعمالٍ أُخر لا تفيد، أو هي تفيد ولكنها بمنزلة المفضول!

ويوم أن قصر هذا الوسيط عن واجبه، وتأخر عن منبره، وهجر ساحته التي لن يستطيع أحدٌ أن ينافسه عليها. يوم أن حصل هذا، تحول العطشى إلى نواحي أُخرى تسقيهم بعض الحق وبعض الباطل، وتزيدهم تيهاناً في بحار الشبهات والشهوات، بكلامٍ معسول خفيف لطيف، وكتابات يسيرة عصرية سهلة التناول، ولذيذة الكلمة. فأورث ذلك ما تراه من أفكارٍ وآراء وأهواء هي ساقطة نقلاً وعقلاً؛ ولكنها تزينت بزينة فاتنة، فتلقفها الناس وسعوا إليها، عندما أعياهم السؤال وانقطعت بهم الطريق، وتاهت بهم الدروب وغاب الوسيط!

نعم هناك مؤلفات وبحوث معاصرة تتناول مثل هذه التساؤلات، إلا أنها بحوث معاصرة لا عصرية! وتخصصية لا يفهمها إلا المتخصص، تطفح بالمصطلحات الغريبة التي تجعل الناظر فيها من غير المتخصصين يصرف نظره عنها قبل أن يتجاوز الصفحات الأولى منها. ولإجل هذا فإنك تجد تلك البحوث -رغم ما فيها من العمق والتأصيل- تقع في أيدي عدد محدود من القراء، وهم النخب وأصحاب ذات التخصص من أكاديميين وغيرهم. فهي رغم ما يبذل فيها من الوقت والجهد حبيسة الأرفف ومراكز البحوث. ولو سألت أغلب الناس عنها، وعن كاتبها، لما عرفوها أو عرفوه.

من هنا تحول المجتمع إلى مجتمع ثقافي يتكون من طبقتين فقط، واحدة قليلة تتناقش فيما بينها ويرد أفرادها بعضهم على بعض بالمطولات، وطبقة هي الأغلبية من المجتمع تعيش حياة مستقلة عن الطبقة الأولى، مختلفة في التفكير والثقافة؛ والسبب مرة أخرى هو غياب الوسيط سواء قناة أو كتاب أو خطيب أو داعية أو مربي أو مُصلح.

قبل عقد ويزيد من الآن، ومع تحول الإلحاد إلى عملٍ تنظيمي عالمي يتلبس –زوراً- بالعلم، كانت أول خطوات كهنة الإلحاد تقريبه في قوالب سهلة ميسورة، تُراعي الجاهل والصغير، وجميع المراحل العلمية. نظرية دارون، وهي نظرية علمية حيوية، تحولت بجهود كهنة الإلحاد الجديد إلى وجبة سهلة بسيطة، تُقدم على موائد الأطفال والشباب وجميع طبقات المجتمع، بغض النظر عن مستوى ثقافتها! إنه جُهد الوسيط، الذي استطاع بحنكته ودهائه أن يترجم هذه النظرية الحيوية ويقدمها في لفظٍ سهل وعرضٍ أنيق رقيق رشيق تُفتحُ له العقول والأفئدة أبوابها. على الرغم من أن النظرية تفتقر للدليل العلمي، الذي يدعيه الملاحدة من وجه. وهي نظرية حيويه تخصصيه من وجه آخر. إلا أنهم استطاعوا إيصالها وإيصال غيرها مما يخدم مشروعهم الساقط عقلاً وحساً.

أفينجحُ أولئك ونفشلُ نحن؟

أرجو أني أحسنت في عرض المشكلة الثقافية التي يعيشها المجتمع. ولعلنا في مقال آخر نطرح حلاً لها بعد وضع اليد بشكل أوسع على أسبابها.