أديان و مذاهب /

الديمقراطية.. مفهومها والموقف منها [ دراسة ]

[ الاثنين 2 شعبان 1437 هـ ] [ 1448 ]

"الديمقراطية" من المصطلحات التي شاعت هذا العصر، التي يدعيها اليسار واليمين والوسط، والتيار العلماني وبعض رموز التيار الإسلامي. وتعني حكم الشعب عن طريق ممثلين له في مجلس ينتخبه؛ ولها مدلولان مشهوران المدلول الإجرائي, والمدلول الأيديولوجي. بدأت فكرة الديمقراطية من عصر الدولة الإغريقية القديمة, ثم تطورت عبر الزمن حتى أصبحت عنواناً لنظام الحكم في الولايات المتحدة والأنظمة القائمة في أوروبا الغربية -والشرقية أخيراً، وبعض الدول الأخرى في العالم. وتقوم الديمقراطية المعاصرة على نظام علماني يعتبر الدين علاقة شخصية بين الإنسان وربه, ولا علاقة له بالحياة, وأساس قاعدتها حيادية الدولة تجاه الدين, وسيادة الأمة. وبديل الديمقراطية في الإسلام الشورى التي تقوم على قاعدتين سيادة الشرع وسلطة الأمة, على خلاف بين علماء الأمة حول الإلزام بمبدأ الأخذ بالأكثرية. ولكن تبقى الشورى في الإسلام أمراً من أوامر الله تعالى, وقاعدة من قواعد الحكم في النظام الإسلامي. وقد تباينت مواقف بعض الإسلاميين من الديمقراطية بين قابل لها بإطلاق، وبين رافض لها بإطلاق، وبين متردد بين القبول والرفض.

وللإسلام موقف واضح من النظام الديمقراطي سواء في مسألة سيادة الشعب, أو حكم الأغلبية, أو التعددية, أو تداول السلطة. وهذا الموقف أن الإسلام دين له نظامه السياسي الذي ينطلق من تشريع وحي إلهي, يراعى فيه المصالح الحقيقية للإنسان, وهو تشريع رباني من خالق البشر الذي يعلم ما يصلح الإنسان وما يفسده, وفيه الحل الأمثل لمشاكل البشر؛ في حين أن الديمقراطية تنطلق من استحسان العقل في تحقيق مصالح الإنسان وحقوقه, مع ما يعتري هذا الاستحسان من هوى وزيف وتضليل ونقص.

ومن هذه المنطلقات كتبت هذا البحث بعنوان : (الديمقراطية , مفهومها والموقف منها), وقسمته إلى تسعة مباحث.

نسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد , وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المبحث الأول: مفهوم الديمقراطية:

معنى المفهوم: هو مجموعة الصفات أو الخصائص الموضحة لمعنى كلي، وعلى أساسه يقوم التعريف والتصنيف.

ومفاهيم الديمقراطية تتباين، خاصة مع تباين التصورات، أو النظرة الكلية للقضية؛ وأحياناً كثيرة مع تباين الأهواء والمصالح الخاصة.

ويمكن تحديد المفهوم الموضوعي المجرد للديمقراطية بأنه: "تشارك الناس أفراداً وشعوباً وتنظيمات ودولاً في تداول إدارة أمرهم العام، أو المشترك، وخاصة السياسي في حرية، وعلى قدم المساواة"[1].

المبحث الثاني: تعريف الديمقراطية:

الديمقراطية في الأصل كلمة أجنبية المصدر، ولفظ معرَّب ركِّب تركيباً مزجياً على صيغ اللغة العربية، فهي في الأصل مكونة من كلمتين يونانيتين هما: (ديمو وكراتيك)، وتعنيان في اللغة اليونانية حكم الشعب.

وتطبيقها العملي يعني: حكم الشعب بالشعب عن طريق ممثلين له في مجلس ينتخبه الشعب، يطلق عليه اسم (مجلس الشعب)، أو (مجلس الأمة)، أو (المجلس التشريعي)، أو (المجلس النيابي)، أو غير ذلك من الأسماء المعبرة عنه.[2]

المبحث الثالث: تاريخ الديمقراطية:

الموجز التاريخي الديمقراطية:

  • الديمقراطية الإغريقية القديمة:

لقد ظهر الفكر الديمقراطي لأول مرة في المجال التطبيقي في مدينة أثينا اليونانية، عقب الحرب الضروس التي وقعت بين الفرس واليونان، في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد (497- 392 ق .م)؛ والتي كان من نتائجها سقوط نظام حكومة الفرد، وخروج أثينا منتصرة بعد أن أكدت زعامتها على جميع المدن اليونانية.

وكانت الممارسة الديمقراطية الأثينية -نسبة إلى أثينا- قد بدأت بتجربة بالغة البساطة؛ حيث كان الشعب كله يجتمع بذاته في جمعية شعبية تضم من تتوافر فيه الشروط المطلوبة، أي أن يكون أثينياً حراً ذكراً يبلغ الثامنة عشر من العمر، وتتولى هذه الجمعية سلطات المجالس النيابية الحديثة، من تشريع للقوانين ومراقبة لأعمال الحكومة. أما رجال الحكومة أنفسهم، وغيرهم ممن يشغلون الوظائف العامة: كالموظفين العموميين والقضاة وقادة الجيش وضباطه وغيرهم، فيختارون بالانتخاب، حيث كان يتم انتخاب ضعف العدد المطلوب، ثم تجري القرعة بينهم لاختيار العدد اللازم لملء الأماكن الشاغرة.

وتعتبر أثينا هي المكان الأول الذي تم فيه تطبيق الحكم الديمقراطي؛ والتي منها جاء استعمال مصطلح (الديمقراطية). وهي في حقيقتها تجربة محدودة بالمعنى المتعارف عليه الآن، فلم يكن لكل أفراد المجتمع الحق في المشاركة في صناعة القرار السياسي آنذاك، فالعبيد والأجانب المقيمون في أثينا لم تشملهم التجربة الديمقراطية، وهاتان الطبقتان كانتا تشكلان أغلبية سكان المدينة؛ فضلاً عن عدم مشاركة النساء، فالحياة السياسية كانت محصورة بالعرق والجنس والحالة الاقتصادية للفرد.. "أي الملاك دون الفقراء والمساكين والعبيد"[3].

  • الديمقراطية القيصرية:

وهي التي تحققت في ظل النظام الاستبدادي الذي أقامه "نابليون بونا برت"، في فرنسا، وفقاً للدستور الذي أصدره في 13 كانون الأول 1799م؛ وكذلك النظام المماثل الذي أسسه لويس نابليون وعرف بدستور 1852م. وتقوم هذه الديمقراطية على تقديس الحاكم الذي كان يسمى حينذاك بـ(القيصر)، بوضع السلطة المطلقة في يده ثقة بقدارته ونواياه، بعد إجراء استفتاء شعبي ظاهري لتعزيز نفوذه في عيون عامة الناس.

  • الديمقراطية التقليدية (الغربية):

وهي تلك المبادئ التي اتخذتها الثورة الفرنسية أساساً لدستورها، كما كانت أساساً للأنظمة الفرنسية المتعاقبة بعد الثورة؛ ثم انتشرت في مختلف دول غربي أوروبا، وأمريكا. وهو المثل الذي تحتذي به هذه الدول في العصر الحديث، بعد تعديل هنا، وترقيع هناك.

  • الديمقراطية الشعبية:

وهي التي استوحت –أساساً- المذهب الماركسي وتطبيقاته في الاتحاد السوفيتي وغيره من الدول الاشتراكية؛ وذلك قبل انهيار المعسكر الاشتراكي مؤخراً.

  • الديمقراطية الاشتراكية:

وهي التي تأخذ بها الأحزاب الاشتراكية الأوروبية الغربية، والتي تعمل على تحقيق نوع من الاشتراكية عن طريق البرلمان؛ وترجع في فلسفتها إلى مصادر غير ماركسية، مثل المسيحية والأناجيل، وبعض الفلاسفة. وتختلف عن الأحزاب الشيوعية التي تلجأ إلى فكرة الصراع الطبقي وجدليته لتحقيق الاشتراكية.[4]

المبحث الرابع: أنواع الديمقراطية:

للديمقراطية لدى المفكرين الغربيين مدلولات مختلفة تبعاً لاختلافهم في طبيعة الديمقراطية، ومنها: (الديمقراطية الإجرائية، والديمقراطية الإيديولوجية).

الديمقراطية الإجرائية: يرى أصحاب هذا المدلول أن الديمقراطية لا تعدو أن تكون طريقة معينة لاتخاذ القرارات، ومن ثمَّ فهي ليست فلسفة معينة للحياة، لأنها لا تحوي فلسفة سياسية محددة يبني عليها نظام. ومن هذا المنطق يرى بعضهم أن الديمقراطية يمكن أن تطلق على أي نسق سياسي، أو اجتماعي، أو اقتصادي، كالديمقراطية الرأسمالية، والديمقراطية الاشتراكية، رغم التباين بين النظامين.

وعلى هذا القول فالديمقراطية ليست طريقة في الحكم بقدر ما هي طريقة لتحديد من سيحكم. وممن قال بذلك من المفكرين الغربيين: (مفكايفر)، و(صاموئيل هنتغتون)، و(روبرت دول) و( جيوفاني سارتوري)، و(جوبلامينتز)، وغيرهم. ويرى هؤلاء إن الديمقراطية نظام يتمكن من خلاله المواطنون من ممارسة درجة عالية من السيطرة على الحكام، والذي يظهر فيه التنافس السياسي عن طريق إقرار حق المعارضة وحق المشاركة السياسية.

وقد اعترض على هذا التعريف بأنه اختزال الديمقراطية في حق التصويت والاختيار للمرشحين الذين يعتلون سدة الحكم، وأنه يفرغ الديمقراطية من محتواها، فهناك الكثير من الأنظمة التي يقوم فيها الأفراد بانتخاب الحكام دون أن تقوم فيها ديمقراطية، بل إن بعضها أنظمة استبدادية قمعية.

الديمقراطية الإيديولوجية: يرى أصحاب هذا المدلول أن الديمقراطية تقوم على قيم اجتماعية محددة، فهي نظام قائم على نظرة معينة للكون والحياة والإنسان، وهي تحمل بعداً عقدياً، ونسقاً فلسفياً، تستمد أفكارها من المدرسة الليبرالية التي يعد من أبرز مفكريها: (جون لوك)، و(جون سيتوارت ميل)، و(آدم سميث)، و(ديفيد هيوم). وهي تقوم على النظرة الفردية للإنسان، والتي تجعل الفرد وحدة مستقلة قائمة بذاتها، تتصل بغيرها لتحقيق مصالحها الذاتية؛ ومن ثم فالفرد يمثل غاية البناء الاجتماعي.[5]

ومن هذا المنطلق فإن جوهر النظرية الديمقراطية يكمن في تقبل الرأي الآخر مهما كان مصدره أو نوعه. وهذا يعني أن يعيش كل فرد حياته وفقاً لمشاعره الخاصة، دون أن تفرض عليه طريقة معينة للحياة؛ فلا يحق للشخص المتدين أن يفرض على الآخرين ما يمليه عليه دينه، أو ينكر على الآخرين حقهم في تبني ما يعتقدون صحته، فإذا لم يتمكن من قبول الآراء الأخرى أو الوصول إلى (حل وسط) بشأن المعتقدات المتنازع فيها، فإن عليه أن يحتفظ بها لنفسه، ولا يطرحها للعامة، لأن ذلك يناقض الروح الرياضية للديمقراطية التي تكفل حرية التدين للجميع.[6]

وأصحاب هذا القول يرون أن الديمقراطية نظام لا ديني منبثق عن تصور للحياة قائم على فصل الدين عن الدنيا، ويسعى إلى بناء النظام السياسي على قاعدتين:

الأولى: قاعدة حيادية الدولة تجاه العقيدة، والتي تعني حرية المعتقد وحرية الرأي.

الثانية: قاعدة سيادة الأمة، والتي تعني حق الأمة المطلق في تبني نظام الحياة الذي تراه مناسباً.

المبحث الخامس: صور الديمقراطية:

اتخذت الديمقراطية صوراً شتى في واقع الحياة العملية من حيث كيفية حكم الشعب لنفسه، وهذه الصور هي:

1- الديمقراطية المباشرة: من أقدم صور الديمقراطية حكم الشعب لنفسه مباشرة، دون وساطة برلمان أو غيره، بحيث يمارس الشعب كله الحكم في كافة مجالات الحياة (من الناحية التشريعية والتنفيذية والقضائية)، فهو الذي يقترح، وهو الذي يشرع. وهذا أمر عسير، إذ يستحيل جمع الشعب كله في صعيد واحد، ولربما يكون ذلك إذا كان عدد أفراد الشعب محدوداً للغاية. وفي عالمنا المعاصر لا وجود لها إلا على نطاق محدود جداً، كما في بعض المقاطعات السويسرية الصغيرة.[7]

2- الديمقراطية غير المباشرة (النيابية): في هذه الصورة يختار الشعب نواباً عنه يمثلونه في برلمان، أو مجلس نيابي، والنواب يمارسون السلطة كوسيط عن الشعب؛ وأما الشعب نفسه فلا يمارس الحكم من حيث إصدار التشريعات وسن القوانين، إنما يمارس العمل السياسي مرة واحدة، وهي المرة التي يختار فيها نوابه لممارسة السلطة بالنيابة عنه. ووظيفة النواب -أعضاء البرلمان- إصدار التشريعات باسم الشعب الذي اختارهم، والموافقة على الميزانية العامة.[8]

3- الديمقراطية شبه المباشرة: هذه الصورة متطورة، توفيقية من الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية؛ ففي هذه الصورة توجد هيئة نيابية كما في الديمقراطية النيابية، ولكن الشعب هنا يحتفظ لنفسه ببعض مظاهر السيادة والسلطة، التي يمارسها دون وسيط كما في الديمقراطية المباشرة. فهو مثلاً: يمكن أن يقترح مشروع قانون، أو فكرة يقدمها إلى البرلمان، أو أن يقدم اعتراضاً على قانون ما يصدره البرلمان، فيوقف القانون ويلغيه، وتارة يستفتي الشعب في موضوع سياسي، أو دستوري، أو تشريعي، ثم تنفذ رغبة الشعب التي ظهرت من خلال الاستفتاء. وأحياناً يملك الشعب سلطة حل البرلمان، أو عزل رئيس الدولة.[9]

المبحث السادس: الديمقراطية المعاصرة:

إن الديمقراطية المعاصرة -من الوجهة العملية الواقعية- نظام من أنظمة الحكم تقوم على اتفاق ملحوظ بين عدة جماعات أو أحزاب، تريد أن تصل إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، على أن لا تلجأ إلى الاقتتال فيما بينها، فيما إذا استطاعت إحدى الجماعات أو أحد الأحزاب أن يتولى السلطة في وقت من الأوقات، وهو ما يسمى بالتداول السلمي للسلطة.

ويستخدم حالياً لوصف نظام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، والأنظمة القائمة في أوروبا الغربية -والشرقية أخيراً، مع أنهم يختلفون في تحديد مضمونها في بعض الأحوال، إلا أنهم لا يختلفون على أن الديمقراطية نظام حكم يقوم على وجود مجموعة من المؤسسات يفترض فيها نظرياً أنها تمثل غالبية الشعب في تلك البلدان، وهذا الأمر يتحقق عن طريق إعطاء الناس حق انتخاب ممثليهم بعيداً -ولو نظرياً- عن الضغط والإكراه؛ كما يعطيهم هذا النظام حق التعددية في تكوين الأحزاب السياسية.

وهكذا فإن الديمقراطية بالمفهوم الرأسمالي التقليدي المعلن في بلاد الغرب تقوم على الأسس التالية: الانتخابات، والمجالس النيابية، والحكومة التنفيذية، وتداول السلطة، وهذه هي الديمقراطية في مظهرها الخارجي لمن يتابع مشاهدها على مسرح الحياة السياسية المعاصرة.[10]

المبحث السابع: الإسلاميون والديمقراطية[11]:

اعتبر بعض الإسلاميين الديمقراطية مطلباً شرعياً يمكن من خلاله استئناف الحياة الإسلامية، وذلك عن طريق الربط المباشر وغير المباشر بين الديمقراطية وبين النظام السياسي الإسلامي. وقد مارس هؤلاء الانتقائية أو التبعيض في فهم الديمقراطية, وبالتالي في تطبيقها.

فهناك من يفهم الديمقراطية على أنها التعددية الحزبية؛ وهناك من يفهما على أنها وسيلة لاختبار الحاكم (الديمقراطية الإجرائية)، مع رفضهم للفلسفة التي تقوم عليها في بعدها العقدي في نظرتها للكون والحياة والإنسان؛ وهناك من يرى في الديمقراطية ملاذاً من النظم الديكتاتورية أو الشمولية إلى غير ذلك.

وفي الحقيقة فإنه لم يختلف الإسلاميون المعاصرون في أمر من الأمور كاختلافهم في مسألة الديمقراطية.

فمن قائل بقبولها بإطلاق على اعتبار أنها والشورى في الإسلام شيء واحد, ومن رافض لها بإطلاق باعتبارها حكماً بغير ما أنزل الله وتحاكما إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به؛ وهناك من يتردد في حكمه عليها.

وبالنظر إلى جوانب الديمقراطية المختلفة, فهي مقبولة باعتبار, ومرفوضة باعتبار آخر.

المبحث الثامن: موقف الإسلام من الديمقراطية[12]:

معرفة موقف الديمقراطية من الدين يتوقف على فهم طبيعة الديمقراطية ذاتها، فالديمقراطية نظام قائم على نظرة محددة للكون والحياة والإنسان، وهي تحمل بعداً (عقدياً)، وترتبط بمفهومات محددة، ومعتقدات مشتركة بين أفراد الجماعة. والديمقراطية بهذا المعنى تمثل نسقاً فلسفياً، أو قاعدة تبنى عليها النظرة إلى المجتمع، وتستمد هذه النظرة جذورها من مصدرين رئيسين:

الأول: الثورة الفرنسية (سنة 1789م): التي كانت تتويجاً لانتصار الشعوب الأوروبية المظلومة -ومعهم العلماء- على تسلط الكنيسة ورجال الدين –حيث تمَّ تبني العلمانية، التي كان من أبرز إجراءاتها إقصاء الكنيسة نهائياً عن المجتمع والدولة، أو ما يسمى فصل الدين عن الحياة.

الثاني: أفكار المدرسة الليبرالية: التي يعد من أبرز مفكريها (جون لوك)، و(جون ستيوارات مل)، و(آدم سميث)، و(ديفيد هيوم)، ونظرتهم (الفردية) للإنسان، والتي تجعل الإنسان وحدة مستقلة قائمة بذاتها، تتصل بغيرها لتحقيق مصالحها الذاتية، ومن ثمّ فالفرد يمثل غاية البناء الاجتماعي[13]. ومن هذا المنطلق يؤكد (سميث) –وغيره- أن جوهر النظرية الديمقراطية يكمن في تقبل الرأي الآخر مهما كان مصدره أو نوعه، وصوَّر (توماس جيفرسون) تقبل الرأي الآخر بقوله: أنا لا يضيرني إن قال جاري: إن هناك عشرين إلهاً أو لا إله، إن هذا لا يخرق جيبي ولا يكسر رجلي[14].

وبناءً عليه فإن أول مهام للديمقراطية يكمن في تشجيع الناس على تطوير أفكارهم الدينية، دون أن تفرض عليهم طريقة معينة للحياة.

وعن موقع الدين في النظام الديمقراطي يؤكد (كرنشيلدز) أن الديمقراطية نظام سياسي علماني، فالدين لا علاقة له بالديمقراطية، فهو -أي الدين- يعد مسألة فردية خاصة، لا علاقة لها بالتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالديمقراطي يمكن أن يكون بروتستانتياً أو يهودياً أو ملحداً أو مؤمناً، لأن الديمقراطية مذهب محايد لا يرتبط بالبواعث الدينية أو المضادة للدين[15].

ومن هنا يمكن القول: أن الديمقراطية ليست عملية إجرائية أو آلية انتخابية، ولا تعد كونها طريقة لاتخاذ القرارات -كما يظن بعضهم، فإن هذا القول رغم إغفاله للمؤثرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الانتخابات فإنه يغفل أيضاً حقيقة أخرى أهم وأخطر، وهي أن قيام الديمقراطية يرتبط بتوفر شروط أساسية أهمها (العلمانية). فالديمقراطية نظام للحياة قائم على حياة قائم على حيادية الدولة تجاه القيم الدينية والأخلاقية، انطلاقاً من قاعدة أساسية للبناء الديمقراطي تتمثل في (حرية العقيدة)، أي حق الأفراد المطلق في تبني ما يشاؤون من عقائد دون تدخل من أحد، ودونما تأثير على مسار المجتمع والدولة، وذلك لاندراج العقيدة ضمن الخيارات الفردية التي لا يجوز للدولة التدخل فيها بحال من الأحوال.

وموقف الإسلام من الديمقراطية يتمثل فيما يلي:

الموقف الأول: من السيادة وحكم الشعب: الديمقراطية نظام علماني يعبر عن وجهة نظر معينة للحياة السياسية، مبنية على فصل الدين عن الحياة, واعتبار الأمة صاحبة السيادة في الدولة, أي أن للأمة الحق في تبني القوانين المنظمة للحياة استناداً إلى أن الأمة هي مصدر السلطات. أما السيادة في الإسلام على الحاكم والمحكوم فهي لشرع الله، وليست للشعب. مع ضرورة التفريق بين السيادة والسلطة، فالسلطة للأمة, فهي التي تختار من يحكمهــا. وقــد أوضح  ابــن تيميــة -رحمه الله- (ت 728هـ)، في كتابه (السياسة الشرعية): "أن الشريعة الإسلامية هي أعلى مصدر للسلطة, وهو مع إقراره بالحاجة إلى السلطة السياسية, وضرورة طاعتها، إلا أنه يرى مع ذلك أن تلك الطاعة ينبغي ألا تتم إلا إذا كانت السلطة منسجمة مع أوامر الشريعة, إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"[16]. وأشار أبو الحسن الماوردي –رحمه الله- (ت 450هـ) إلى هذه الحقيقة من قبل, حين رأى أن قانون الدولة الأعلى هو قانون الشريعة, يجب أن يخضع له الحاكم والمحكوم معاً[17].

والسيادة في الإسلام عهد بين الخالق والمخلوق, وهي أيضاً عهد بين الراعي والرعية من جهة وبين الله تعالى من جهة أخرى, فالطاعة لله والأمر له؛ قال تعالى: ((أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمرِ مِنكُم))، النساء: 59؛ فجعل طاعة الحاكم مرهونة بطاعته لله ولرسوله, أي أن الحكم لله, وعمل الحاكم هو تنفيذ حكم الشريعة الإسلامية, على جميع أفراد الأمة، فقيرها وغنيها, شريفها ووضيعها.

وأدلة سيادة الشرع كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ((فَلَا ورَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ ويُسَلِّمُوا تَسلِيمًا))، النساء: 65، وقال أيضاً: ((ومَا اختَلَفتُم فِيهِ مِن شَيءٍ فَحُكمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُم اللهُ رَبِّي عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وإِلَيهِ أُنِيبُ))، الشورى: 10.

وجعل السيادة للأمة يعني تنصيب الأمة مشرعاً لأنظمة الحياة, نيابة عن الله -عز وجل.

الموقف الثاني: من رأي الأغلبية: أن الديمقراطية ترى في رأي الأغلبية ممثلاً للإرادة العام للجماهير, وهو المعيار الصادق المعبر عن الحقيقة, وهو في الأصل نظام يأخذ بالعقيدة الرأسمالية العلمانية، التي تقوم على الفصل التام بين الدين والدولة.

وأما في النظام الإسلامي فإن السيادة للشرع أي أن الله تعالى هو المشرع الحقيقي, وكل تشريع يخالف شرع الله فهو مرفوض, وبالتالي فإن الأغلبية الصادرة عن مجلس الشعب, أو مجلس الأمة, لا تمثل الحق والعدل في نظر الإسلام دائماً. فلو قرر مجلس الأمة أو مجلس الشعب مثلاً -بناء على قاعدة الأغلبية- إباحة الربا, أو إسقاط حد السرقة, أو إباحة الفطر في رمضان, فالمسلم غير ملزم به لأنه مخالف للشرع, وكل ما خالف الشرع فهو باطل، وإن كان يمثل رأي الأغلبية؛ لأنه لا يطاع لمخلوق في معصية الخالق.

فالعبرة في نظر المسلم ليست في عدد المصوتين للقانون, بل العبرة بانبثاق التشريع من الشرع الإسلامي واتفاقه معه. قال الله تعالى: ((ومَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُم الكَافِرُونَ))، المائدة: 44. يقول ابن تيمية: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه, أو حرَّم الحلال المجمع عليه, أو بدَّل الشرع المجمع عليه، كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء"[18].

ونتساءل بعد هذا عن المسوغ العقلي لاعتبار الأغلبية دائماً على حق مطلقاً،  والله تعالى يقول: ))وإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ))، الأنعام: 116. ويقول تعالى: ((ومَا أَكثَرُ النَّاسِ ولَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ))، يوسف: 103. وهذا من الفوارق الكبرى بين الديمقراطية والإسلام.

الموقف الثالث: من التعددية: جاء في الموسوعة البريطانية تعريف التعددية في النظام الديمقراطي بأنها: "الاستقلالية التي تحظى بها جماعات معينة في إطار المجتمع، مثل: الكنيسة، والنقابات المهنية، والاتحادات العمالية، وأقليات العرقية"[19].

وتهدف التعددية في النظام الديمقراطية للحيلولة دون تمركز الحكم في يد فئة أو جماعة معينة، مما يساعد على تحقيق المشاركة للجميع وعدالة التوزيع. ويميز بعض الدارسين بين ثلاثة أشكال من التعددية، هي: التعددية الثقافية، والتعددية السياسية (تعدد القوى المختلفة، وحقها في التعبير عن نفسها، والمشاركة في عملية صنع القرار)، ثمَّ التعددية الدينية.

أما في الإسلام فإنَّ الناظر في كتاب الله –تعالى- يجد التعددية الدينية في هذه الحياة أمراً واقعاً لا خلاف حوله, والنصوص الصريحة تؤكد هذه الحقيقة, ومنها قوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُم الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ ومَا اختَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءَتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغيًا بَينَهُم فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِن الحَقِّ بِإِذنِهِ واللهُ يَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))، البقرة: 213. ويقول المفسرون: كان الناس عل ملة آدم –عليه السلام- حتى عبدوا الأصنام, فبعث الله إليهم نوحاً -عليه السلام، ثم كان فيما بعد اختلاف بين اليهود والنصارى, ثم كان من حسد الفريقين للمؤمنين بعد مجيء محمد -صلى الله عليه وسلم. وفي موضع آخر من القرآن الكريم نجد أن الله قد منع الإكراه في إلزام أهل الكتاب في اعتناق هذا الدين, وهو ما يتفق مع الحرية الدينية، قال تعالى: ((لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِن الغَيِّ فَمَن يَكفُر بِالطَّاغُوتِ ويُؤمِن بِاللهِ فَقَد استَمسَكَ بالعُروَةِ الوُثقَى لَا انفِصَامَ لَهَا واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))، البقرة: 256.

وهكذا يظهر جلياً أن القرآن الكريم أقرَّ تعدد الأديان على وجه هذه الأرض، كما أقرَّ بتعددها إن وجدت في ربوع الدولة الإسلامية. وهذا لا يمنع من دعوة أهل الكتاب للدخول في دين الله باللين والموعظة الحسنة, كما قال الله تعالى: ((ولَا تُجَادِلُوا أَهلَ الكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُم وقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَينَا وأُنزِلَ إِلَيكُم وإِلَهُنَا وإِلَهُكُم وَاحِدٌ ونَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ))، العنكبوت: 46. ومن الثابت في الشرع أنَّ لأهل الذمة الحق في إقامة شعائرهم الدينية داخل معابدهم الخاصة بهم -بحرية تامة, بل لهم أن ينالوا ما هو محرم في الإسلام -كالخمر والخنزير- في دورهم وفيما بينهم.

وعندما هاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، كتب الصحيفة التي تضمنت تحديد العلاقة بين الطوائف والقبائل واليهود؛ فترك لهم حريتهم الدينية، فضلاً عن تأمينهم على أموالهم وأنفسهم ومواليهم وبطانتهم، شريطة ألا يأثموا, ويظلموا, ويخونوا العهد, وبذلك أصبح اليهود في المدينة من رعايا الدولة الإسلامية.

ولعل خير شاهد على أن الإسلام أعطى أتباع الديانات الأخرى هذا الحق ما نجده في مختلف البلاد الإسلامية من أمكنة عبادة لأهل الكتاب, حافظ عليها المسلمون طوال حكمهم خلال بضعة عشر قرناً من الزمن؛ لكن من حق المسلمين عليهم ألا يصدر عنهم ما يخالف العهد.

إن تعدد الآراء والفئات داخل المجتمع المسلم ليس مستنكراً, ومن ذلك اختلاف الآراء في المسائل الفقهية التي تعددت بسببه المذاهب وآراء المجتهدين. وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الاختلاف, بل رآه رحمة وتوسعة على الأمة، وله رسالة في ذلك دافع عن آراء الأئمة المختلفة، سماها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام). ولم يرفض -رحمه الله تعالى- الأحزاب لمجرد أنها أحزاب, بل جعل معيار القبول بها أو رفضها هو المقاصد والغايات التي تقام الأحزاب لأجلها؛ فإن كان اجتماعاً على ما أمر الله ورسوله فهو حزب محمود, وأما إذا كان اجتمعوا على زيادة أو نقص أو تعصب فهو اجتماع مذموم[20].

أما التعددية التي تحمل في طياتها فكراً مناهضاً للعقيدة الإسلامية، كالعلمانية والإلحاد والإباحية, وجماعات الدعوة إلى المثلية أو الشذوذ, وأمثالها, فإنَّ الإسلام حريص كل الحرص على حماية أبنائه من هذه الدعوات الباطلة، التي يطرحها أصحاب المبادئ المنحرفة لتكون بديلاً عن الإسلام ونظامه. وبالتالي فالدولة الإسلامية لا تسمح لمثل هذه الأحزاب ودعاتها لأن يكون لهم منابر يضللون بها عقول الناس, ولكن في الوقت ذاته فلا مانع من الدخول في حوار مع أصحاب هذه الدعوات لإزالة الغشاوة عن عقولهم وقلوبهم وإعادتهم إلى جادة الحق والصواب.[21]

الموقف الرابع: من تداول السلطة: يقصد بها تبادل الأدوار بين الموالين والمعارضين, سواء كانوا على هيئة أحزاب تنظيمية, أم سياسيين محترفين. وهو ما يطلق عليه (اللعبة البرلمانية) في الأنظمة الديمقراطية. وهي لعبة غير شريفة الأهداف؛ إذ يتداول السلطة أصحاب المصالح السياسية, ومالكو المؤسسات الصناعية والتجارية, ومحتكرو المنابر الإعلامية -المسموعة والمرئية والمكتوبة، ورجال الأعمال والمال, بقصد تنفيذ أهدافهم, وتحقيق أغراضهم الخاصة. فهو أشبه ما يكون بنظام استبدادي بين هؤلاء اللاعبين، وإن ادعوا زوراً أنهم يعملون لمصلحة الشعب بفئاته المختلفة.

ولا أحد ينكر غريزة حب السلطة والسيادة عند البشر؛ لكننا ندعو إلى تهذيبها وتحويلها من صراع على السلطة إلى تنافس لخدمة البلاد والعباد. والمسؤولية في الإسلام أمانة لا تسند إلا لمن كان كفؤا لتحملها. وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن تولية الضعفاء؛ فقد سأله أبو ذر الغفاري -رضي الله تعالى عنه- الإمارة من رسول الله، فنصحه بالابتعاد عنها؛ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف, وإنها أمانة, وإنه يوم القيامة خزي وندامة, إلا من أخذها بحقها, وأدى الذي عليه فيها)[22].

إن تداول السلطة مصطلح سياسي رأسمالي ديمقراطي، لا يمت إلى الإسلام بصلة, والموضوع المطروح –إسلامياً- ليس تداول السلطة لينال أصحاب الوجاهة حظوظهم, إنما هو القدرة على قيادة الأمة, وتطبيق الشريعة الإسلامية, تحقيقاً للعدل بين الناس في المعاملات, والعقوبات, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وتبليغ دعوة الإسلام إلى العالم.

المبحث التاسع: الشورى في الإسلام بديل عن الديمقراطية:

الشورى ضرورة إنسانية في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الفردية، والإسلام دين ودولة، وهو نظام شامل متكامل، يحكم جوانب الحياة كافة، وإن تطبيق نظامه السياسي لا يتحقق إلا بوجود حاكم مسلم يحكم بالإسلام وفق قواعده وأحكامه، والشورى جزء من هذا النظام.

يقول الراغب الأصفهاني -رحمه الله: "الشورى تعني أخذ الرأي من الآخر، والتشاور هو أخذ الرأي وإعطاؤه، والشورى –أيضاً- الأمر الذي يُتشاور فيه، وذلك بهدف الوصول إلى الرأي الأصوب، أو لمعرفة رأي الناس"[23].

والشورى حق من حقوق الأمة على حاكمها، وذلك امتثالاً لأمر الله تعالى: ((وأَمرُهُم شُورَى بَينَهُم))، الشورى: 38؛ وقوله تعالى: ((وشَاوِرهُم فِي الأَمر))، آل عمران: 159.

وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يعود إلى أصحابه، ويستشيرهم في أمور المسلمين العامة والخاصة، واتخذ هيئة استشارية تكونت من كبار أصحابه -رضي الله تعالى عنهم؛ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم.

وقد يتحول أهل الشورى إلى مجلس يتم اختيارهم –انتخابهم- من قبل الناس أنفسهم؛ كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيعة العقبة الثانية، إذ ترك انتخاب النقباء للمسلمين أنفسهم حين قال للأنصار: (اختاروا لي منكم اثني عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم بما فيهم)؛ فأخرجوا اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس[24]. وقد سار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على هدية، بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

وتقوم الشورى في الإسلام على قاعدتين هامتين لا تتغير بالزمان والمكان, هما:

القاعدة الأولى: أن السيادة في النظام الإسلامي لشرع الله. أي أن الأحكام والقوانين تؤخذ من كتاب الله ومن سنة رسوله، وما فيهما من دلالة على قياس أو إجماع، وغيرهما من المصادر الفرعية الشرعية الأخرى عند بعض الفقهاء.

القاعدة الثانية: أن السلطة للأمة. فهي صاحبة الحق في تولية أمرها لمن تنطبق عليه شروط الخلافة –الإمامة، التي اتفق عليها جمهور العلماء، أو لمن تولى أمرها عن طريق البيعة الشرعية، وذلك كما حصل في سقيفة بني ساعدة -في العهد الراشدي.

ومهمة مجلس الشورى في الإسلام مراقبة الحاكم وأعوانه وولاته، ومراقبة ممارستهم في ضوء الدستور الإسلامي.

وأما الأخذ بالشورى في الإسلام من حيث تحقق الأكثرية، فهناك خلاف بين العلماء والباحثين في هذا الشأن؛ مع التنبيه أنه لا يجوز التعويل بالأكثرية في الحالات التالية:

  1. إذا كان الأمر متعلقاً بمعلوم من الدين ضرورة.
  2. إذا كان الأمر فيه نص قطعي الثبوت.
  3. إذا كان الأمر فيه نص قطعي الدلالة.
  4. إذا كان الأمر فيه حكم ثابت بالإجماع.

وعندئذ فالترجيح بالكثرة يدخل في المسائل الظنية، في سائر العلوم، مثل: التفسير والجرح والتعديل ورواية الحديث ومذاهب الفقهاء الاجتهادية، وغيرها من الأمور المتعلقة بالأمور الدنيوية، ونحوها.

وأما إلزام الحاكم بمضمون الشورى فالأقرب إلزامه لإقامة المصالح العامة، وهو من أغراض الشريعة، ولا سيما إذا كان الأمر متعلقاً بمصالح الأمة العليا كإعلان حرب، أو إبرام صلح، ونحو ذلك.

والله أعلم.

 

[1]  دراسات في المذاهب الفكرية المعاصرة، أحمد عبدالعال: ص192.

[2]  إشكاليات الديمقراطية، محمد الدلال:  ص5.

[3]  الديمقراطية وفكرة الدولة، عبدالفتاح حسين العدوي: ص14.

[4]  إشكاليات الديمقراطية، محمد الدلال: ص29.

[5]  نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية، محمد أحمد مفتي: ص15.

[6]  نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية،  محمد أحمد مفتي: ص16.

[7]  النظـم السـياسية، محمـد كامـل: ص502.

[8]  المبادئ الدستورية العامة، محمـود حلمـي: ص307.

[9]  النظم السياسية، محمد كامل، ص511.

[10]  دراسات في المذاهب الفكرية المعاصرة، أحمد عبدالعال: ص204.

[11]  المرجع السابق: ص212.

[12]  دراسات في المذاهب الفكرية المعاصرة، أحمد عبدالعال: ص205.

[13]  نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية، محمد أحمد مفتي: ص22.

[14]  المرجع السابق: ص23.

[15]  نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية، محمد أحمد مفتي: ص24.

[16]  السياسة الشرعية، ابن تيمية: ص185.

[17]  الأحكام السلطانية، أبو الحسن الماوردي: ص57.

[18]  مجموع الفتاوى، ابن تيمية: ج3/267.

[19]  الموسوعة السياسية عن الديمقراطية: ص254.

[20]  التعددية السياسية في الدولة الإسلامية, صلاح الصاوي: ص132.

[21]  الديمقراطية في ميزان العقل والشرع, نايف معروف: ص271.

[22]  صحيح مسلم, كتاب (الإمارة), باب (كراهة الإمارة بغير ضرورة).

[23]  المفردات، الراغب الأصفهاني: ص443.

[24]  السيرة، ابن هشام: ج2/443.