أصول و محكمات /

أصناف الناس بين الإسلام والكفر (2 / 2) [ مقال ]

[ الاثنين 2 شعبان 1437 هـ ] [ 1030 ]

في هذا الجزء من المقال نستكمل ما بدأناه في المقال السابق من تصنيف الناس وفق ثنائية: الإسلام والكفر. حيث سبق الإشارة إلى المسلم الحق، والكافر الحق. وهنا نذكر الصنفين الآخرين وهما:

الثالث: المسلم باطنا (عند الله)، والكافر ظاهرا (عند أهل الإسلام):

وهذا الصنف قسمان:

قسم الأصل في حاله الظاهر الكفر، ويدخل فيه:

  • من بقي على كفره، تقية. وهذا لا يوجد فيه شبهة إسلام. فلو قتل في حرب بين المسلمين والكفار لم يأثم أحد بقتله لأن إسلامه غير معلوم. قال تعالى: ((لَا يتَّخِذ الـمُؤمِنُونَ الكَافِرينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ الـمُؤمِنِينَ ومَن يَفعَل ذَلِكَ فلَيسَ مِن الله فِي شَيءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنهُم تُقَاة))، آل عمرَان: 28. يقول ابن تيمية: "وأما الـمُكره الَّذِي يُقَاتِل طَائِفَة بِحَق كَالَّذي يكون فِي صفِّ الكُفَّار والمرتدين والمارقين من الاسلام، فلَا إثم على من قَتله، بل هُو مثاب على الجِهَاد وإن أفضى إلى قَتلِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِي –صلى الله عليه وسلم- للعَبَّاس: (أما ظاهِرُك فكَانَ علينا، وأما سريرتك فإلَى الله)"[1]. ويقول: " وهذا في ظاهر الأمر وإن قتل وحكم عليه بما يحكم على الكفار فالله يبعثه على نيته"[2].
  • أو من أراد الدخول في الإسلام فعبر عن دخوله بما يوهم بقاءه على الكفر، كبني جذيمة الذين بعَثَ إليهم رسول الله –عليه الصلاة والسلام- خالدَ بنَ الوليدِ، فقالوا: صَبَأنا! صَبَأنا! فقتل خالد منهم وأسر. فلما بلغ ذلك النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- قال: (اللهمَّ إني أَبرَأُ إليك مما صنَعَ خالدُ..)، مرتَينِ.[3]

فهؤلاء وإن أجريت عليهم أحكام الكفار ظاهرا إلا أنهم عند الله مسلمون مقبولون. يقول تعالى: ((هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُم عَن المـَسجِدِ الحَرَامِ والهَديَ مَعكُوفًا أَن يَبلُغَ مَحِلَّهُ ولَولَا رِجَالٌ مُؤمِنُونَ ونِسَاءٌ مُؤمِنَاتٌ لَم تَعلَمُوهُم أَن تَطَئُوهُم فَتُصِيبَكُم مِنهُم مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلمٍ لِيُدخِلَ اللَّهُ فِي رَحمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَو تَزَيَّلُوا لَعَذَّبنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُم عَذَابًا أَلِيمًا))، الفتح: 25.

وقسم الأصل في حاله الظاهر الإسلام، ويدخل فيه:

  • من أعلن إسلامه وأظهره، لكنه وقع في الكفر جاهلا، لحداثته في الإسلام. يقول ابن تيمية: "قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة"[4].
  • المسلم الذي وقع في الكفر خطأ لا عن قصد. كمن قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. فأخطأ من شدة الفرح.[5]
  • المسلم الذي وقع في الكفر تأولا، كأصحاب الأقوال الكفرية من أهل البدع. ويصح هذا على الرجل الذي قصَّ خبره رسول الله –صلى الله عليه وسلم، أنه أسرف على نفسِه، فلمَّا حضره الموتُ أوصى بنيه، فقال: إذا أنا متُّ فأحرِقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريحِ في البحرِ؛ فواللهِ.. لئن قَدَر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذَّبه به أحدٌ! قال: ففعلوا ذلك به. فقال للأرضِ: أدي ما أخذتِ. فإذا هو قائمٌ. فقال له: ما حملك على ما صنعتَ؟ فقال: خشيتُك.. يا ربِّ! -أو قال: مخافتُك، فغفر له بذلك[6]. وقد استتاب الصحابة –رضوان الله عليهم- زمن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- طائفة منهم، استحلوا الخمر تأولا لقوله تعالى: ((لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالحَاتِ ثمَّ اتَّقَوا وآمَنُوا ثمَّ اتَّقَوا وأَحسَنُوا))، المائدة: 93. فالمتأول المخطئ لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته. يقول ابن تيمية: "ولا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل; فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع،.. وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيستغفر لهم ويترحم عليهم"[7].
  • المسلم الذي وقع في الكفر اضطرارا، حيث أنه لا مندوحة له عن ارتكاب ما ظاهره الكفر –قولا أو عملا؛ لعموم قوله تعالى: ((وقَد فَصَّلَ لَكُم مَا حَرَّمَ عَلَيكُم إِلَّا مَا اضطُرِرتُم إِلَيهِ))، الأنعام: 119.
  • المسلم الذي وقع في الكفر مُكرَها، وهو الذي عفا الله عنه في قوله: ((مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعدِ إيمَانِهِ إِلَّا مَن أُكرِهَ وقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَان ولَكِن مَن شَرَحَ بالكُفرِ صَدرًا فعَلَيهِم غَضَبٌ مِن اللهِ ولَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ))، النَّحل: 156.

وهؤلاء جميعا وإن أتوا بفعل كفر، فلا يكفرون باعتبار أن أصل حالهم الظاهر الإسلام، حتى تتوفر الشروط وتنتفي الموانع في حقهم. فالتثبت فيهم أن ينبه الخاطئ، وأن يحاجَّ المـُتأوِّل، وأن ينظر لعُذر المـُضطرِّ والمـُكره. وليس لأحد من هؤلاء أن يشرح صدرا بالكفر، أو أن يتمسك بما وقع منه بعد زوال العذر، فإن زوال العذر موجب لزوال الكفر.

ومرجع الحكم على هؤلاء منوط بأهل العلم الثقات العدول، كي لا يقع المرء في تكفير مسلم، فإن تكفير المسلم لطارئ يقع منه يحتاج إلى فقه في الواقع، وفقه في الحكم، وفقه في إنزاله عليه بضوابطه، دون غلو. وهو وإن كان كسائر أحكام الإسلام، لكنه يتميز بخطورته وما يترتب عليه من استحلال للدماء والأعراض والأموال، ويوجب الفتنة بين المسلمين.

والرابع: المنافق:

شخص كافر باطنا (عند الله)، مسلم ظاهرا (عند أهل الإسلام)؛ إلا أنه يأتي من الأفعال والأقوال ما يشير إلى عدم إيمانه، لكنه لا يُقطَعُ بكفره. فيكون من حيث إعلانه الشهادتين والقيام بالفروض والتزامه العام في الظاهر مسلما، ويكون من حيث بعض أفعاله وأقواله معاديا للإسلام. وقد تظهر من المنافق ردة صراح وقد لا تظهر منه الردة فيعامل بحكم أهل الإسلام.

والمنافقون صنف أثبته القرآن الكريم في المجتمع الإسلامي الأول، على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وحذر منه لخطورته. فالكافر الصراح يؤمن جانبه لظهور عداوته، ومفاصلته دينا؛ أما المنافق فإنه يضمر الكفر والعداوة، ولا يظهر منها إلا لحنا في قول أو كيدا في فعل.

والنفاق المراد هنا ليس النفاق الأصغر، الذي يتمثل في تناقضات المرء في أحاديثه ووعوده وعهوده بين: الصدق والكذب، والالتزام والخلف، والوفاء والغدر؛ بل هو التناقض على أساس كلي في الدين بين كفر وإسلام. وهو تناقض ينافي الطبع البشري المنسجم باطنا وظاهرا، اعتقادا وسلوكا؛ ويمثل انفصاما في الشخصية والهوية والانتماء.

وإنَّ أكثر مظاهر المنافقين تتضح عند الجهاد والدفاع عن البيضة، فعادتهم الغالبة التخلف عن الجهاد[8]، والتعويق عن لحاق الناس به[9]، والإرجاف[10]، والسعي بالفتنة وبث العداوة بين المجاهدين[11].

فإِذَا ما أُنزِلَت سُورَةٌ تحثُّ على الجهاد، ونادى مناديه، كرهوا أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم، واستأذنوا رسول الله -وهم أهل الطول والمكنة والغنى- أن يكونوا مع القاعدين والخوالف[12]؛ حالفين بالله أنهم لو استطاعوا لخرجوا معه[13]، متخذين كافة الأعذار، فتارة يعتذرون بعدم استعدادهم، وتارة مخافة الفتنة من النساء[14]، وتارة بأن بيوتهم عورة[15]، وتارة بعدم معرفتهم بقتال[16]، فإذا وقع القتال ورجع رسول –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه غالبين اعتذروا لهم[17]، وحلفوا بالله مجددا ليعرض الرسول –عليه الصلاة والسلام- وصحابته عنهم، وليرضوا عنهم[18]!

وهم لا يكتفون بقعودهم وتخلفهم بل يثبطون غيرهم عن الجهاد، تارة بدعوى أن القعود أسلم[19]، وتارة بأن المناخ ليس مناخ قتال لحرارته[20]، وتارة بالتشكيك في موعود الله ورسوله[21]، وبدعوى أن ليس لهم من الأمر شيء[22].

ولا يتوقف أمرهم عند هذا الحد، بل إنهم يعملون لزوال دولة الإسلام بحبك المؤامرات ووضع الدسائس. فيبثون الفرقة بين المسلمين[23]، ويحرضون غيرهم على الخروج وقتال المسلمين[24]، ويترقبون دخول الأعداء على المسلمين ليشاركوهم القتال[25]، ويتربصون بالمؤمنين[26]، ويسعون في تقليص موارد الدولة الإسلامية وخفض الإنفاق على مصالح مجتمع المؤمنين[27]، ويؤذون المؤمنين في أعراضهم وفي أخلاقهم[28].

ومع ذلك فهم يدعون الإيمان بالله واليوم الآخر[29]، ويدعون الإيمان بما أنزل على الرسول وما أنزل من قبله[30]، ويعاهدون الله ورسوله أن يقاتلوا ولا يولوا الأدبار[31]، ويحاجون المسلمين إذا غلبوا بأنهم كانوا معهم وفي صفوفهم[32].

ويدعون أن ما يفعلونه هو لأجل المصلحة والإصلاح[33]، ويحلفون أن مرادهم الإحسان والتوفيق[34]، ويسعون لإرضاء المؤمنين وإن اضطرهم ذلك للحلف الكاذب[35]، ويحلفون أن انتماءهم وولاءهم للمؤمنين[36]. فالحلف ديدنهم دائما وأبدا[37]. هذا مع كثرة اعتذارهم، وتقديم أعذارهم.

إذن ما يقوم به المنافقون يتقاطع مع عدة أمور:

  • المعاصي والذنوب التي قد يقع فيها عامة المؤمنين، وهذه وإن كانوا يشاركون فيها المؤمنين إلا أنها فيهم أظهر، ونتيجة مرض قلوبهم وعدم إيمانهم. ومن ثمَّ فالموقف منهم في هذا الشأن هو الموقف من عامة المؤمنين العصاة، تقام عليهم الحدود والتعازير والقصاص، وينكر عليهم فيها كما ينكر علي غيرهم، دون تكفيرهم عليها.
  • التشكيك في الدين والطعن فيه والاستهزاء بآياته وحملته، لكن بلغة غير مباشرة، وفي مجالسهم الخاصة، دون مجاهرة أو إعلان[38]، بل الغالب فيهم أنهم ينكرون ما ينسب إليهم[39] ويتشبثون بظاهر إسلامهم، أو يأولونه إلى معنى لا يلزمهم فيه الكفر الأكبر المخرج من الملة. وربما اعتذروا بأنهم غير قاصدين للأمر في ذاته، وإنما كانوا يتسلون ويلعبون[40]. وهذه الأفعال منها ما يكون كفرا صراحا ومنه ما دون ذلك. فإن ثبت عليهم بالأدلة القاطعة إتيانهم بقول كفري ينافي الإيمان، وانتفت في حقهم الموانع وتوفرت الشروط، وبلغتهم الحجة، عوملوا معاملة المرتد، ودخلوا في حكم الردة.
  • التآمر على دولة الإسلام وجماعة المسلمين، إما بكيد داخلي أو بمكر خارجي؛ ولكن في السر وبعيدا عن أنظار الناس، ودون أن يتركوا أدلة على أفعالهم. لذلك قال الله عنهم بأنهم ((يُخَادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آَمَنُوا))، البقرة: 9. وأعمال التآمر على الدولة المسلمة ورموزها، أو المجتمع، خيانة في شرع الله وشرع البشر؛ تستوجب على السلطة الوقوف ضد فاعله ومعاقبته بما يستحق، قطعا لدابر الفتنة، وردعا لأي متطلع لها[41]. وتدخل هذه الأعمال في الكفر إذا اقترنت بها قرائن تشير إلى أنَّ المقصود بذلك موالاة أعداء الله، وإعلاء غير دين الله، وهدم دولة الإسلام وطمس حاكميته، والنيل من أهل الإسلام لإسلامهم. فإذا اجتمع فيها المعنيان كان قتل القائم بها للمعنيين: الردة والتعزير.

بهذا يتضح أن موقف الرسول –صلى الله عليه وسلم- مع المنافقين كان على مراتب:

أولا: مرتبة أجرى فيها أحوالهم على ظاهرها، وهذا في بدء أمر ظهور ظاهرة النفاق، ومع كل من لم تظهر ردته ودسائسه ظهورا واضحا. فأجرى عليهم كل أحكام الإسلام، أسوة بالمسلمين عموما.

ثانيا: مرتبة الإنكار عليهم، ونقد أقوالهم وأفعالهم الخاطئة[42]، ونفي تمام الإيمان عنها، استنادا لآيات الوحي التي كانت تتنزل في الأحداث والمواقف، مشيرة لصنف معلوم من الناس دون تسميتهم، وإنما على سبيل العموم. وهذه المرتبة لم تلغ عنهم صفة الإسلام، وإنما نبهت إلى مرض قلوبهم وتذبذب أحوالهم، مع ترك الباب مفتوحا لهم للتوبة والإصلاح.

قال تعالى: ((.. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَعرِض عَنهُم وعِظهُم وقُل لَهُم فِي أَنفُسِهِم قَولًا بَلِيغًا * ... ولَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاستَغفَرُوا اللَّهَ واستَغفَرَ لَهُم الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا))، النساء: 63- 64. وقال سبحانه عن حالهم: ((مُذَبذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ ولَا إِلَى هَؤُلاءِ...))، النساء: 143. وقال جل وعلا: ((لِيَجزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدقِهِم ويُعَذِّبَ الـمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا))، الأحزاب: 24. لذلك كان يستغفر لهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم، ويعفو عن أخطائهم، ويقبل أعذارهم، ويأذن لهم.

ثالثا: مرتبة كشف خفاياهم، وإظهار دسائسهم، وتحذيرهم عواقب أفعالهم، واتخاذ مواقف نقيض مرادهم، حيث منعوا من الخروج معه في القتال[43]، وهُدِمَ مسجدهم الذي بنوه، وحذرهم الله أن يغري رسوله –عليه الصلاة والسلام- بهم، ليقاتلهم. يقول تعالى: ((قُل هَل تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحدَى الحُسنَيَينِ ونَحنُ نَتَرَبَّصُ بِكُم أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِن عِندِهِ أَو بِأَيدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُتَرَبِّصُونَ))، التوبة: 52. ويقول سبحانه: ((ومِمَّن حَولَكُم مِن الأَعرَابِ مُنَافِقُونَ ومِن أَهلِ الـمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعلَمُهُم سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَينِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ))، التوبة: 101. ويحذرهم بالقول: ((لَئِن لَم يَنتَهِ الـمُنَافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ والمـُرجِفُونَ فِي الـمَدِينَةِ لَنُغرِيَنَّكَ بِهِم ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلعُونِينَ أَينَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبدِيلًا))، الأحزاب: 60- 62.

رابعا: فلما استمروا في غيهم، وبقوا على عدائهم وخبث طويتهم، نهى رسوله الكريم بالاستغفار لهم. قال تعالى: ((استَغفِر لَهُم أَو لَا تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم ذَلِكَ بِأَنَّهُم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لَا يَهدِي القَومَ الفَاسِقِينَ))، التوبة: 80. وقال سبحانه: ((سَوَاءٌ عَلَيهِم أَستَغفَرتَ لَهُم أَم لَم تَستَغفِر لَهُم لَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم إِنَّ اللَّهَ لَا يَهدِي القَومَ الفَاسِقِينَ))، المنافقون: 6. ونهاه سبحانه عن الصلاة عليهم، ((ولَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا ولَا تَقُم عَلَى قَبرِهِ إِنَّهُم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ومَاتُوا وهُم فَاسِقُونَ))، التوبة: 84.

وأذن في جهادهم وقتالهم بما علمه من شأنهم، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ والـمُنَافِقِينَ واغلُظ عَلَيهِم ومَأوَاهُم جَهَنَّمُ وبِئسَ الْمَصِيرُ))، في آيتين من القرآن[44]، وقال سبحانه: ((مَلعُونِينَ أَينَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقتِيلًا))، الأحزاب: 61.

وأخبر سبحانه عن من كانت هذه حالة في الإصرار على النفاق بأنه خالد مخلد في النار، وأنَّ حكمه في الآخرة حكم أهل الكفر والشرك، بل أبأس حالا منهم. فقال تعالى: ((إِنَّ الـمُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِن النَّارِ ولَن تَجِدَ لَهُم نَصِيرًا))، النساء: 145. وقال سبحانه: ((الـمُنَافِقُونَ والـمُنَافِقَاتُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالـمُنكَرِ ويَنهَونَ عَن الـمَعرُوفِ ويَقبِضُونَ أَيدِيَهُم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم إِنَّ الـمُنَافِقِينَ هُم الفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الـمُنَافِقِينَ والـمُنَافِقَاتِ والكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسبُهُم ولَعَنَهُم اللَّهُ ولَهُم عَذَابٌ مُقِيمٌ))، التوبة: 67- 68. وقال عز وجل: ((لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الـمُنَافِقِينَ والـمُنَافِقَاتِ والـمُشرِكِينَ والـمُشرِكَاتِ))، الأحزاب: 73. وقال تعالى: ((ويُعَذِّبَ الـمُنَافِقِينَ والـمُنَافِقَاتِ والـمُشرِكِينَ والـمُشرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوءِ عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِم ولَعَنَهُم وأَعَدَّ لَهُم جَهَنَّمَ وسَاءَت مَصِيرًا))، الفتح: 6.

 

[1]  الاستقامة: ج2/342- 343.

[2]  مجموع الفتاوى: ج19/225.

[3]  رواه البخاري: رقم 7189.

[4]  مجموع الفتاوى: ج3/231. ويقول في ذات الموضع: "... فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك".

[5]  فقد جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم: (للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه حين يتوبُ إليه مِن أَحَدِكم كان على راحلتِه بأَرضِ فلاةٍ، فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابُه، فأَيِسَ منها، فأتى شجرةً فاضطَجَعَ في ظلِّها، قد أَيِسَ مِن راحلتِه. فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةٌ عنده. فأخذ بخطامِها، ثم قال من شدةِ الفرحِ: اللهم.. أنت عبدي وأنا ربُّك! أخطأ مِن شِدةِ الفرحِ). رواه مسلم.

[6]  رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

[7]  منهاج السنة النبوية: ج5/240.

[8]  قال تعالى في سورة الأحزاب: ((.. وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا))، 18.

[9]  انظر: الأحزاب: 18.

[10]  انظر: الأحزاب: 60.

[11]  انظر: التوبة: 47- 48.

[12]  انظر: التوبة: 86- 87.

[13]  انظر: التوبة: 42.

[14]  انظر: التوبة: 49.

[15]  انظر: الأحزاب: 13.

[16]  انظر: آل عمران: 167.

[17]  انظر: التوبة: 93- 94.

[18]  انظر: التوبة: 95- 96.

[19]  انظر: آل عمران: 168.

[20]  انظر: التوبة: 81.

[21]  انظر: الأحزاب: 12- 13.

[22]  انظر: آل عمران: 154.

[23]  انظر: التوبة: 107.

[24]  الحشر: 11.

[25]  انظر: الأحزاب: 14.

[26]  انظر: التوبة: 98، والنساء: 141.

[27]  المنافقون: 7.

[28]  انظر: النور: 19، والآيات المتعلقة بحادثة الإفك.

[29]  انظر: البقرة: 8.

[30]  انظر: النساء: 60.

[31]  انظر: الأحزاب: 15.

[32]  انظر: النساء: 141؛ والعنكبوت: 10.

[33]  انظر: البقرة: 11.

[34]  انظر: النساء: 62، و التوبة: 107.

[35]  انظر: التوبة: 62.

[36]  انظر: التوبة: 56.

[37]  انظر: المنافقون: 2.

[38]  انظر: البقرة: 14؛ والنساء: 142.

[39]  انظر: التوبة: 74.

[40]  انظر: التوبة: 65- 66.

[41]  الخروج على الدولة المسلمة له أحواله وظروفه، وينظر له بحسب وصف هذه الدولة من حيث عدلها وصلاحها وشرعيتها، وبحسب وصف الخارج إذا كان باغيا أو محاربا أو صاحب معتقد (خارجي) يستحل بموجبه دماء الأمة وأعراضها وأموالها، كما هو حال الخوارج والشيعة وفرق الضلال التي تسل سيفها على الأمة برها وفاجرها وتتقي من العدو الظاهر.

[42]  انظر: العنكبوت: 10.

[43]  التوبة: 83.

[44]  التوبة: 73، التحريم: 9.