النص و التأويل /

مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية [ قراءة ]

[ الجمعة 8 رجب 1437 هـ ] [ 1581 ]

كان موضوع المقاصد -ولا يزال- من الموضوعات الخطيرة والمهمة التي لا بد من التركيز عليها في كل وقت وحين, نظرا للحاجة المتجددة إلى هذا العلم الذي أسس العلماء بنيانه, ووطدوا أركانه, لا سيما علماء الأصول الذين اتسمت دراستهم بالضبط والتأصيل. ورغبة في بحث يجمع بين الأصالة والمعاصرة, ويقدم ما ينفع لعصرنا دون التخلي عن منهج السلف, بالإضافة لوضع ضوابط وقواعد ورسم معالم وحدود تمنع من الغلو في استعمال المقاصد وتمنع من فوضى التلاعب بالنصوص, ناهيك عن إظهار التآلف والانسجام بين الأدلة الشرعية والمقاصد، ألف د . محمد سعد اليوبي، كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية".

وقسم المؤلف هذا الكتاب[1]، الذي بين أيدينا, إلى خمسة أبواب وخاتمة.

مثل الباب الأول مدخلا إلى دراسة المقاصد؛ فقد جاء الفصل الأول للتعريف بمقاصد الشريعة، وفيه تناول الباحث تعريف مقاصد الشريعة باعتبارها مركبا إضافيا, بالإضافة لتعريفها باعتبارها علما على فن معين. واستعرض الباحث الفصل الثاني تاريخ علم المقاصد، قبل تميزها في المؤلفات الأصولية إلى حين تميزها في المؤلفات الأصولية، وذكر أهم من كان له أثر في إبراز هذا العلم وتميزه واستقلاله من العلماء. كإمام الحرمين الجويني، وأبو حامد الغزالي، والرازي، والآمدي، والعز بن عبدالسلام، والقرافي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، والطاهر بن عاشور.

وتطرق الباب الثاني إلى إثبات مقاصد الشريعة وطرق معرفتها. الفصل الأول كان حول إثبات أن للشارع مقاصد في الأحكام، وتناول الباحث فيه الأقوال في مسألة تعليل أحكام الله إجمالا،  والأدلة على إثبات المقاصد من النقل والعقل, كما ذكر الباحث الكثير من الأدلة العقلية على تعليل الأحكام, وإن كانت قناعته بأن الأدلة النقلية كافية لإثبات ذلك.

أما الفصل الثاني تضمن طرق معرفة المقاصد، وذكر الباحث من أهم هذه الطرق الاستقراء الذي هو تصفح الجزئيات لإثبات حكم كلي؛ ومعرفة علل الأمر والنهي أو ما يعرف عند الأصوليين بمسالك العلة؛ ومجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي؛ والتعبيرات التي يستفاد منها معرفة المقاصد، كالتعبير بالإرادة الشرعية ونحوها؛ وسكوت الشارع عن التسبب أو عن شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضي له وانتفاء المانع.

ثم أورد الكاتب في الباب الثالث أقسام المقاصد، فأورد في الفصل الأول أقسام المقاصد باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها، وهي:

الضروريات التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي التي عرفها الشاطبي بأنها: ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا, بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة, بل على فساد وتهارج وفوت حياة, وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.

ثمَّ شرع الباحث ببيان معنى ودليل كل مقصد من هذه الضروريات الخمس بالتفصيل, والوسائل التي شرعها الإسلام لحفظ كل  مقصد من هذه المقاصد.

والحاجيات.. وهي ما كان محتاجا إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب, فإذا لم تراع دخل على المكلفين الحرج والمشقة.

والتحسينيات.. وهي ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة, ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا، وقد عبر عنها الشاطبي بقوله: "الأخذ بما يليق من محاسن العادات, وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات, ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق".

والمكملات.. وهي ما يتم به المقصود أو الحكمة من الضروري أو الحاجي أو التحسيني على أحسن الوجوه وأكملها, سواء كان ذلك بسد ذريعة تؤدي إلى الإخلال بالحكمة بوجه ما, أم بتكميله بحكم يظهر به المقصد ويتقوى. وختم الباحث هذا الفصل بذكر وظيفة المكملات وشرطها, وأثر كل من الأصل والتكملة على الآخر.

وفي الفصل الثاني تطرق الباحث إلى أقسام المقاصد باعتبار مرتبتها في القصد، وفيه قسم الباحث المقاصد بهذا الاعتبار إلى:

مقاصد أصلية: وهي التي تكون مصلحتها أعظم من مصلحة غيرها من المقاصد التابعة لها, وهي هنا الضروريات كما أكد الشاطبي, حيث جعلها ضروريات عينية واجبة على كل مكلف, وضروريات كفائية كالمصالح العامة.

المقاصد التابعة: وهي التي تكون باعثة على تحقيق المقاصد الأصلية أو مقترنة بها أو لاحقة لها، سواء من جهة الأمر الشرعي أو من جهة المكلف وقصده في مجاري العادات.

أما الفصل الثالث فتطرق لأقسام المقاصد باعتبار الشمول، وقسمها الباحث بهذا الاعتبار إلى:

المقاصد العامة: وهي الأهداف والغايات التي جاءت الشريعة بحفظها ومراعاتها في جميع أبواب التشريع ومجالاته، أو في أغلبها, ومن أهمها: جلب المصالح ودرء المفاسد, والتيسير ورفع الحرج.

المقاصد الخاصة: وهي الأهداف والغايات والمعاني الخاصة بباب معين من أبواب الشريعة, أو أبواب متجانسة منها, أو مجال معين من مجالاتها, وذلك كمقاصد العبادات جميعا أو المعاملات أو الجنايات.. وهكذا.

المقاصد الجزئية: وهي المقاصد المتعلقة بمسألة جزئية معينة دون غيرها, كمقصد مسألة خاصة في الوضوء أو الصلاة مثلا, أو في البيوع أو في غيرها, وهذا النوع لقي عناية فائقة من العلماء.

ودار موضوع الباب الرابع حول خصائص المقاصد وقواعدها، فتناول الفصل الأول منه خصائص مقاصد الشريعة؛ وجعلها في دائرتين:

خصائص أصلية، وهي الربانية بكونها منزلة من عند الله تعالى؛ ومراعاة الفطرة وحاجة الإنسان.

وخصائص فرعية: وهي العموم والاطراد, والثبات, والعصمة من التناقض, والبراءة من التحيز والهوى, والضبط أو الانضباط.

وتناول الفصل الثاني قواعد المقاصد، وقسمها الباحث إلى:

قواعد عامة: كالقاعدة المقررة أن الشرائع جاءت لمصالح العباد, وأن تكاليف الشريعة تعود إلى حفظ مقاصدها: الضرورية والحاجية والتحسينية؛ وغيرها. فقد ذكر الباحث أكثر من 20 قاعدة في هذا القسم.

قواعد خاصة: وقد جعلها الباحث في عدة عناوين، أبرزها القواعد المتعلقة: بمعرفة مقاصد الشريعة، وبالمكملات، وبوسائل المقاصد، وبالمقاصد التابعة، وبمقاصد المكلفين وما يصح منها على ضوء مقاصد الشريعة، وبالترجيحات.

وعرج الباحث في الباب الخامس على علاقة المقاصد بالأدلة، مؤكدا على أن الشريعة الإسلامية وحدة متكاملة, وأنه من الغريب أن ينعق أقوام في هذا العصر بالتمسك ببعض الكتاب والإعراض عن بعض, فيقولون ننظر إلى مقاصد الشريعة وروحها دون أدلتها النصية واللفظية, مشيرا إلى أن هناك علاقة عامة بين المقاصد والأدلة, فكل دليل ثبت اعتباره في الشريعة فهو محقق لمقصد شرعي ويتضمن تحقيق مصلحة ودرء مفسدة.

وفي الفصل الأول تحدث عن علاقة المقاصد بالأدلة المتفق عليها: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والإجماع، والقياس. فالقرآن هو أساس الشريعة الإسلامية وأصلها, ولا بد للباحث عن المقاصد أن يبحث عنها فيما اشتمل عليها أصلها, وتضمنها ينبوعها "كتاب الله". كما أن أعلم الناس بمقاصد القرآن ومراميه من أنزل عليه -صلى الله عليه وسلم، ومن هنا فالحاجة ماسة لسنته لمعرفة مقاصد نصوص القرآن الكريم, ناهيك عن الحاجة للسنة التي استقلت ببيان بعض الأحكام لمعرفة مقاصد الشريعة فيها.

أما الفصل الثاني فتناول علاقة المقاصد بالأدلة المختلف فيها، كالمصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، وقول الصحابي، والعرف.

وبذكر فوائد عامة مأخوذة من إيحاءات مباحث هذه الرسالة القيمة, وفوائد خاصة هي في الحقيقة عبارة عن خلاصة لنتائج هذا البحث الفريد ختم الباحث كتابه المفيد.

 

[1]  طبعة دار الهجرة، الرياض.