أديان و مذاهب /

الرمزية الإشارية.. البدعة الصوفية الأخطر [ مقال ]

[ الثلاثاء 5 رجب 1437 هـ ] [ 1001 ]

جاء الإسلام هاديا للناس ومخرجا لهم من الظلمات إلى النور, هدى الله به عقولا في الإجابة عن أسئلتها الحائرة, وهدى الله به قلوبا إلى الفطرة السوية, فلم يكن في الإسلام تعقيد ولا ألغاز, بل كان فيه الحق واضحا وضوح الشمس في كبد النهار, ولم يكن في الوحيين طلاسم ولا رموزا ولا إشارات, بل كان الأمر واضحا والنهي محددا. ولكن الصوفية جاءوا وأدخلوا في الإسلام بدعة غريبة جعلوها أصلا واعتمدوها منهجا وسلوكا؛ ألا وهي أنهم جعلوا من الإسلام رموزا وطلاسم وأحاجي تحير العقل وتدخله في متاهات، ليس لهم بها من الله سلطان, بل جعلوا الحيرة -وهي مضادة للاطمئنان القلبي الذي منحه الله للمؤمنين بذكره- مقاما عظيما من مقاماتهم، وهدفا ساميا من أهداف تعبدهم.

فيقول سراجهم الطوسي: "التحير: منازلة تتولى قلوب العارفين بين اليأس والطمع، في الوصول إلى مطلوبه ومقصوده، لا تطمعهم في الوصول فيرتجوا، ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحوا، فعند ذلك يتحيرون"[1].

وللوصول إلى مرتبة الحيرة أدخل الصوفية على القرآن والسنة مفهوم الرمزية. فكل لفظ يعمدون إلى إدخال الرمزية فيه، فلا يفسر بحسب معاني مصطلحات اللغة العربية المتعارف عليها بداهة, بل يجعلون لكل لفظ أكثر من معنى بحسب تقسيمهم للدين بأنَّ فيه ظاهرا وباطنا, ظاهر يعرفه أهل الرسوم -أهل الفقه والحديث واللغة، وهم العوام بالنسبة للصوفية, وباطن يعرفه خواصهم فقط، يحتكرون به مدلولات الألفاظ, ويدعون توارثه عن كبار مشايخهم، ويدعون أيضا تعلمه عن طريق العلم اللدني المزعوم؛ حيث يدعون أنهم يتعلمون عن الله مباشرة أو عن طريق "الخضر"، وكل هذا وهم وكذب وتضليل.

وللرمز أهمية قصوى عند الصوفية من أجل الوصول إلى مرتبة ومقام التيه والحيرة, فيزعم الصوفية أنهم يزاوجون بين قراءة الوحي وقراءة الكون من أجل الظفر بالمطلوب. والغريب أن المطلوب عندهم هو عدم الوصول لشيء, فيقولون والمطلوب هو الوصول إلى لا منتهى ولا وصول! فيقول ابن عربي -في الإشارة إلى هذا المعنى في كتابه (الإسفار عن نتائج الأسفار)[2] حيث يقول: "الأسفار ثلاثة لا رابع له، أثبتها الحق عز وجل، وهي سفر من عنده، وسفر إليه، وسفر فيه، وهذا السفر فيه هو سفر التيه والحيرة"[3].

ويعرف الشيخ أحمد بن عجيبة: " علمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي -أي خفي سره، أي فإذا صار عبارة بإفصاح اللسان لم يظهر سره على الجنان فإشارة الصوفية هي تغزلاتهم وتلويحاتهم بالمحبوب، كذكر سلمى وليلى، وذكر الخمرة والكيسان والنديم، وغير ذلك مما هو مذكور في أشعارهم وتغزلاتهم، وكذكر الأقمار والنجوم والشموس والبدور واللوائح والطوالع، وكذكر البحار والإغراق وغير ذلك مما هو مذكور في اصطلاحاتهم، وأما الرموز فهي إيماء وأسرار بين المحبوب وحبيبه لا يفهمها غيرهم"[4].

ويعيب الكثيرون حتى من داخل الصوفية على المبالغة في استخدام المصطلحات الرمزية على من ادخلوا هذه البدعة على المسلمين, فيقول الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني -أستاذ الفلسفة الإسلامية- عن الفرق بين ما سماه بـ"التصوف الفلسفي والتصوف السني" فيقول: "إن التصوف الأول في الإسلام تصوف آخر، يختلف في الطابع عن التصوف السني، والمقصود بالتصوف الفلسفي، التصوف الذي يعمد أصحابه إلى مزج أذواقهم الصوفية بأنظارهم العقلية، مستخدمين في التعبير عنها مصطلحًا فلسفيًّا استمدوه من مصادر متعددة، وقد امتزج بالفلسفات الأجنبية مثل اليونانية والفارسية والهندية والمسيحية، وهو تصوف غامض ذو لغة اصطلاحية خاصة، وقد زاد أولئك المتفلسفة على المتصوفة السنيين بأمور:

أولها: أنهم أصحاب نظريات أو مواقف من الوجود بسطوها في كتبهم وأشعارهم.

وثانيها: أنهم أسرفوا في الرمزية إسرافًا إلى حد بدأ معه كلامهم غير مفهوم للغير"[5].

ويدعي الصوفية أن هذه الرموز لا يعرفها إلا خواصهم، وأنه من المستحيل على غيرهم ما لم يلقنها على يد شيخ يستحيل عليه أن يفهمها، ويستدلون بحديث ضعيف جاء في المستدرك على الصحيحين، في كتاب الأدب، أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: إن عيسى بن مريم -صلوات الله عليه وسلامه- قام في بني إسرائيل فقال: "يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجاهل فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم"[6], ويؤكد هذا المعنى باختصاص الصوفية بفهم كلماتهم الدكتور عبدالحليم محمود -في كتابه عن المدرسة الشاذلية, فقال: "الإنسان لا يصير بمجرد قراءته متصوفًا، على أن ما كتبه كبار الصوفية لا يفهمه إلا من كان أهلاً"[7], ليؤكد بذلك قول الطوسي -في اللمع- عن معنى الرمز عند صوفية القرنين الثالث والرابع: "الرمز معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر، لا يظفر به إلا أهله"[8].

وبالتالي فكل العبارات عند الصوفية في هذا العهد لها في الغالب معنيان، أحدهما: يستفاد من ظاهر الألفاظ، والآخر: يستفاد بالتحليل والتعمق، وهو المعنى الخفي؛ ولذلك قال القناد[9]: "إذا نطقوا أعجزك مرمى رموزهم؛ وإن سكنوا هيهات منك اتصاله"[10].

ويدعي الصوفية أن الصوفي يلجأ إلى الترميز لأن اللغة في نظره تبقى عاجزة عن احتواء كل ما يقذفه الذوق في قلبه من معان وأسرار ودلالات، يقول إمامهم أبو العزايم "إن العبارة لا تفي ببيان المضنون من كلام العارفين، إنما هي أنوار وإشارات تذوق النفس منها على قدر ما وهبها الله، إذ العبارة لا تكشف الحقيقة"[11].

فكيف للغة التي استوعبت كلام الله سبحانه، وخصها الله وشرفها بإنزال كتابه الكريم بها, كيف يعتبرونها عاجزة عن بيان ما يقولون ليسوقوا به الترميز؟!

ويذكر ابن الصلاح نماذج من الرموز والإشارات الصوفية، وخاصة في كتاب الله, فيقول: "مسألة: سأل سائل في كلام الصوفية في القرآن كالجنيد وغيره، وكان السائل عن هذا ينكر ما سمع من ذلك، وكان يجالس شيخا من المفتين، فجرى ذلك في مجلسه، فابتدأ الشيخ وقال -كالمستحسن لكلام الصوفية: هم لا يريدون به تفسير القرآن، وإنما هي معاني يجدونها عند التلاوة.

وقال أيضا يقولون: ((يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار))، قالوا: هي النفس، وكان الشيخ المفتي يشرح ذلك ويقول: أمرنا بقتال من يلينا لأنهم أقرب شرا إلينا وأقرب شرا إلى الإنسان نفسه.

وقال الشيخ أيضا: يقولون: ((إنا أرسلنا نوحا إلى قومه)) يقول نوح العقل، والغرض أنهم يلقي الله عندهم في كلامه ما ينتفعون به، وهذا قد صدر عن أكابرهم والجم الغفير؛ وأنتم بذلك أعلم، والسائل لهذا ليس بجاهل، وليس غرضه إلا الاعتضاد بما يسمع من الشيخ تقي الدين -رضي الله عنه، واحد لا يجهل أن قوله تعالى: ((قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)) ليس المراد به النفس، وأن المراد ظاهر، ومن قال غير ذاك فهو مخطئ" [12]

ويوجد لدى الصوفية أكثر من تفسير، يدَّعون أنه للقرآن الكريم، منه تفسير أبي عبدالرحمن السلمي يدعى بـ"حقائق التفسير"[13]، وملأه بكل ضلالات الرموز والإشارات. والسلمي في الأصل وضاع للأحاديث, فاعتمد المناوي رميه بالوضع عند تخريج أحاديثه[14]. كما نقل ابن الصلاح عن الإمام المفسر أبي الحسن الواحدي قوله: "صنف أبو عبدالرحمن السلمي (حقائق التفسير) وهو تفسير على الطريقة الصوفية، بما يعرف بالتفسير الإشاري، فإن كان يعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر"[15].

وعلى الرغم من صوفية السيوطي إلا أنه تبرأ مما جاء في تفسير أبي عبدالرحمن السلمي, فأورد تفسيره ضمن تصنيف المبتدعة في التفسير، ثم قال: "وإنما أوردته في هذا القسم لأن تفسيره غير محمود"[16]. وقال السيوطي في (الإتقان) عن بعض نماذجهم أيضا: "سئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن رجل قال في قوله تعالى: ((من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)) إن معناه: من ذلّ؛ أي: من الذل. ذي: إشارة إلى النفس، يشفَ: من الشفا جواب مَنْ. عُ: أمر من الوعي، فأفتى بأنه ملحد"[17]. وأتبع هذا بقول الله -عز وجل: ((إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا))، قال ابن عباس: "هو أن يوضع الكلام على غير موضعه"[18].

لم يكن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم، ولا في القرون الأولى، أدنى ذكر لما يدعيه هؤلاء, وما الرموز والإشارات إلا بدعة صوفية ابتدعها أهل الضلال ليصدوا الناس بها عن دين الله, وليضعوا كل باطل يبتدعوه ويلبسوا به على العامة أنه من دين الله, ودين الله منه براء.

 

[1]  انظر: اللمع، للسراج الطوسي: ص421.

[2]  ضمن: رسائل ابن عربي.

[3]  الإسفار عن نتائج الأسفار، لابن عربي: ص4، 9.

[4]  إيقاظ الهمم شرح متن الحكم: ج1/115.

[5]  مدخل إلى التصوف الإسلامي: ص19، وص187.

[6]  المستدرك على الصحيحين، للحاكم، دار المعرفة، ط/1998م. والحديث فيه هشام بن زياد، قال ابن طاهر: ممن أُجمِعَ على ضعفه وترك حديثه.

[7]  المدرسة الشاذلية، د. عبدالحليم محمود، دار المعارف: ص359- 360.

[8]  اللمع، لنصر الدين الطوسي: ص414. وهو أبو نصر عبدالله السراج الطوسي "توفي 378هـ/ 988م".

[9]  القناد، أبو الحسن، وهو من صوفية القرن  القرنين الثالث والرابع، توفى 224ه.

[10]  المعرفة الصوفية دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة، ناجي حسين جودت، دار الجيل، بيروت، ط/1982م: ج1/129.

[11]  أورد هذه المقولة لأبي العزايم الدكتور مصطفى محمود، السر الأعظم: ص12، دار المعارف دون تاريخ.

[12]  في فتاوى ابن الصلاح: ج1/196.

[13]  وحقق هذا التفسير سيد عمران، ونشرته دار الكتب العلمية، ببيروت- بلبنان، عام 1421هـ- 2001م.

[14]  رماه المناوي بالوضع في كتابه (فيض القدير.. شرح الجامع الصغير)، انظر منه ج1/560 وج6/22.

[15]  فتاوى ابن الصلاح: ص29.

[16]  طبقات المفسرين: ص31.

[17]  الإتقان، للسيوطي: ج4/377.

[18]  أخرجه ابن أبي حاتم.