أديان و مذاهب /

آثار الإلحاد ونتائجه الكارثية [ دراسة ]

[ الجمعة 1 رجب 1437 هـ ] [ 1701 ]

في ظل النزاعات الطائفية والخلافات الدينية والأخطاء التي تقع فيها حركات أو دعوات مذهبية أو إصلاحية يخيب ظن البعض في أهل الدين، ويبدأ الأمر بسيطا، ومع الأيام تتحول خيبة الظن إلى تشكك في بعض أحكام الدين أو مظاهره، وإذا فتح هذا الباب بدأ الشك إلى أصول الدين ومحكماته. وربما ساعد في هذا التحول دعاة الغي والضلال الذين ربما زينوا الباطل من خلال بعض ما قد يتلبس أهله من خير أو نفع أو مظاهر عمران وأمن. فيزينون له الخروج من الدين، مصورين له أن الدين هو سبب كل شقاء ومشقة. ومع ضعف النفس والميل للشهوات وحالة اليأس يقع البعض في أحابيل الإلحاد. وكأن الإلحاد قرين العمران والسعادة والخير...

أولا: آثار الإلحاد على الفرد:

  • غياب تفسير واعٍ للحياة والوجود:

فالحياة في نظر الملحد تحصيل حاصل، لا غاية لها ولا حكمة من وجودها، لأنَّ الوجود محض صدفة، والحياة مجرد تطور غير واع وإنما أجرته الظروف الطبيعية. وهذا بطبعه مؤثر على رؤية الإنسان لذاته، ورؤيته لما حوله، ورؤيته للحياة عموما. وما يقدمه الإلحاد بإنكار الخالق والرسالات واليوم الآخر والغيب عموما هو تصور عدمي، ثم هو يترك العقل الإنساني المفرد فريسة للأفكار والآراء والنظريات المتناقضة والمتضادة والمتضاربة! وأهم ما في الأمر أنه لا قداسة لشيء، ولا يقين للبدهيات، ولا معنى للوجود. ورغم كل محاولات التفسير الإلحادي التي بذلت إلا أنها لم ترتق لتكون فرضيات علمية مسنودة بالبراهين العلمية، فضلا أن تكون تفسيرا كليا متحدا ومتجانسا وغائيا للحياة والوجود.

هذه الحالة اللا واعية تنعكس في أدب الملاحدة؛ ومن الذي لم يقرأ قصيدة إيليا أبو ماضي[1] "الطلاسم"، والتي يعكس فيها حالة التيه واللا وعي بالذات في الوجود والحياة وما وراءهما. والتي يقول في مطلعها:

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت

ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنّى أنّني أدري ولكن... لست أدري!

ويقول في ختامها:

أنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضية

أنا لا أعرف شيئا من حياتي الآتية

لي ذات غير أني لست لأدري ما هيه

فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي؟

لست أدري!

إنّني جئت وأمضي وأنا لا أعلم

أنا لغز ... وذهابي كمجيئي طلسم

والّذي أوجد هذا اللّغز لغز أعظم

لا تجادل ذا الحجا من قال إنّي ...

لست أدري!

هذا التوهان لم يتوقف عند التعبير الصريح، بل عبر عنه أدباء آخرون بلغة أكثر غموضا وتيها لتعيد رسم ملامح الفراغ الروحي والعقلي في لغة رمزية لا مدلول لها. فظهر أدب "الرمزية"[2] والذي مثل جسرا للأدب الحداثي المعاصر. وكان وراء ذلك الغموض مضامين فكرية واجتماعية، تدعو إلى التحلل من القيم الدينية والخلقية، بل تتمرد عليها. فنادى الكاتب والأديب الأمريكي "إدغار آلان بو"، الذي تأثر به رموز الحداثة وروادها، بأن يكون الأدب كاشفا عن الجمال لا علاقة له بالحق والأخلاق. وهذا ما انعكس على حياته بشكل عام، حيث كان موزعا بين القمار والخمر والفشل الدراسي والعلاقات الفاسدة، ومحاولة الانتحار. وعلى خطا إدغار سار تلميذه "بودلير" ممعنا في الضلال ومجانبا للحق والفضيلة.[3]

وابتعد مذهب "الرمزية" الأدبي عن عالم الواقع، وما فيه من مشكلات اجتماعية وسياسية، وجنح إلى عالم الخيال، بحيث يكون الرمز هو المعبر عن المعاني العقلية والمشاعر العاطفية، في عالم مثالي افتراضي مجهول يسد الفراغ الروحي لديهم ويعوضهم عن غياب العقيدة الدينية، وقد وجد الرمزيون ضالتهم في عالم اللاشعور![4]

لقد بدأ الفكر الإلحادي الحديث من "لودفيغ فويرباخ" (1804-1872)، إذ أثر فكره بشكل كبير في فكر الذين جاؤوا من بعده مثل ماركس وفرويد ونيتشه. وقد مرَّ فويرباخ بثلاث مراحل من عمره قضاها في البحث الفلسفي. تمحور تفكيره في المرحلة الأولى حول الله -كما يقول، والثانية تمحور تفكيره حول العقل، أما الثالثة فتمحور تفكيره حول الإنسان. وانتهى به التفكير لثلاثة مقاربات للذات الإلهية، الأولى: أن الذات الإلهية متقاربة للإنسان (أي أن الإنسان هو ذاته ذلك الإله المتصور)، والثانية لجوهر الطبيعة.. إذ إن الطبيعة هي الإله واقعا، والمقاربة الثالثة تكونت على زعم أن الإله ما هو إلا نتاج رغبة الإنسان، إذ تزعم الفلسفة تلك أن الدين ما هو إلا تصور إنساني تنتجه رغبة الإنسان في الاحتماء من الضعف والوهن والفقر لمسند تستند إليه لكي تخفف من آلامها.

ويقول مشير باسيل عون، وهو متخصص أكاديمي في بحوث الفلسفة واللاهوت، في كتابه: (نظرات في الفكر الإلحادي الحديث)، إنَّ فويرباخ لم يرضَ برؤيته الفلسفية التي وصل إليها، إذ ما لبث أن أعاد النظر في مبتنيات أفكاره تلك، ففي عام 1845م أخذ يتحدث عن الإنسان الفرد، ويعيد البحث في مسألة الله اعتمادا على أسس وضوابط جديدة، لكن أفكاره لم تزل تراوح مكانها إلى أن توفي![5]

وهكذا فـ"إنَّ أوَّل الآثار التي يخلفها الإلحاد في نفوس الأفراد هو القلق والحيرة والاضطراب والصراع  النفسي. وذلك أن داخل كل إنسان منا فطرة تلح عليه، وأسئلة تتلجلج في صدره: لماذا خلقنا؟ ومن خلقنا؟ وإلى أين نسير؟ وإذا كانت زحمة الحياة، وشغلها الشاغل يصرف الإنسان أحياناً عن الإمعان في جواب هذه الأسئلة، والبحث عن سر الحياة والكون فإن الإنسان يصطدم كثيراً بمواقف وهزات تحمله حملاً على التفكير في هذا السؤال، فالأمراض والكوارث، وفقد بعض الأهل والأحبة، والمصائب التي تصيب الإنسان لابد أن تفرض على الإنسان أن يفكر في مصيره ومستقبله. ولما كان الإلحاد عقيدة جهلانية -لأنه يقوم على افتراض عدم وجود إله- فإنه لا يقدم شيئاً يخرج هذا الإنسان من الحيرة والقلق والالتباس ويبقى لغز الحياة محيراً للإنسان، ويبقى رؤية الظلم والمصاعب التي يلاقيها البشر في حياتهم كابوساً يخيم على النفس ويظل الإلحاد عاجزاً عن فهم غاية الحياة والكون، ولا يقدم للإنسان إلا مجموعة من الظنون والافتراضات لا تقنع عقلاً ولا تشفي غليلاً. ومع إلحاح نداء الفطرة الداخلي وتردد تلك الأسئلة الخالدة في النفس يظل الإنسان قلقاً معذباً"[6].

وحتى اليوم لا يزال علماء الغرب والشرق الملاحدة يبحثون عن تفسير للوجود نشأة وتطورا وتصرفا. وتتوالد الفرضيات المختلفة المتناقضة لتهوي في ظلمة سحيقة لا آخر لها. ومعظمها يدور حول الطبيعة والمادة وحدث ما أوجد الصورة الأولى البدائية –بزعمهم- للحياة!

وفي حين يتحدث الملحدون عن النشأة لا يقدمون رؤية عن الخاتمة والمآل الإنساني، وهنا يأت الأثر السلبي الثاني للإلحاد.

  • انفلات الغرائز الشهوانية:

فالإلحاد يقطع صلة الإنسان بالآخرة، كدار أخرى للنعيم إذا ما آمن وأحسن العمل في الدنيا؛ فلا يبقى للإنسان منظور لهذه الدنيا غير المتعة واللذة الشهوانية الخالصة. ومع قصر عمر الإنسان يصبح التلذذ بالشهوات والتمتع بها في ظل التنافس عليها والتباهي بها والصراع من أجلها غايته الأسمى وهدفه الأول. فالملحد يعيش ليتمتع بالشهوات فقط، وكل جهده في الحياة مبذول لهذه الغاية؛ حتى العلم يخوضه استمتاعا ويوظفه للمتعة، أو مقابل الحصول على مردود مالي يوصله للمتعة.

فأيُّ معنى للقيم والأخلاق والإنسان محصور بين عدمين؟! من هنا توجه الإلحاد لإطلاق يد الإنسان في التصرف في كل ما حوله، وحفزه للعمل من منطلق الكسب والتمتع، فالتقت إرادة القوى الرأسمالية الصاعدة عقب انهيار النظم الملكية والهيمنة الكنسية مع فلاسفة الإلحاد فتبنت أفكارهم وروجت لها.

ويرى "ول ديورانت" أن الذي حرر عقل النهضة وحواسها إنما هي النزعة العلمانية التي أتت من نهوض الطبقات المتوسطة، والتي اتجهت نحو الجامعات والمعرفة والفلسفة والشحذ الواقعي للعقول بدراسة التاريخ والقانون وتوسيع الأذهان بالتعرف على العالم على نطاق أوسع؛ وأن الإيطالي المثقف بشكه في قطعيات العقائد المنقولة ورؤيته رجال الدين، بوصفهم "أبيقوريين" مثلهم مثل جمهور المؤمنين، قد أطلق نفسه من القيود الفكرية والأخلاقية، وابتهجت حواسه المحررة بلا رادع بكل تجليات الجمال في الطبيعة والمرأة والرجل والفن![7]

ومع انتزاع قيم الدين والأخلاق والفطرة ظهر الانحلال في المجتمعات الغربية حتى طغى عليها. وساعد على ذلك النمو الاقتصادي وتحقق صور الرفاهية ودمج المرأة بشكل قوي في القوى العاملة تحت ضغط الحياة الجديدة. وباتت الرفاهية هي المعيار المجتمعي للسعادة والمتعة هي المعيار الأخلاقي للمنفعة.

ولم يشهد الجنس البشري ثورة للغرائز البشرية كما شهدها عصر الإلحاد المعاصر. فسعار الجنس اليوم محور حياة الفرد الغربي الذي ما عادت تشبعه العلاقات الزوجية تحت مظلة الأسرة. وتجاوز الأمر من ممارسة الشذوذ الجنسي والإعلان به إلى مرحلة تقنينه وشرعنته وعولمته كظاهرة إنسانية طبيعية غير شاذة!

إنَّ هذا التحول لم يكن وليد يوم وليلة، بل جاء نتيجة مراحل من الانحطاط التي جرت المجتمعات الغربية التي كانت ترى "الشذوذ الجنسي" علميا وثقافيا على أنه انحراف ومرض، وأنَّ الشاذ: "هو الذي يمارس انحرافات أو صور نشاط تناسلي ليس في اتفاق مع الثقافة أو الأعراف العامة لمجتمعه"، إلى مرحلة باتت تختفي معه هذه الحساسية نتيجة اتساع دائرة الغارقين فيها من جماهير الناس نخبا وعامة، وبدأ استبدال وصف "الشذوذ الجنسي" من البحوث العلمية والخطاب الطبي والإعلامي بوصف "المثلية الجنسية"!

وقد عبَّر الدكتور "باير" -في مقال له بعنوان: سياسات التشخيص، سنة 1981م- عن هذا التحول بقوله: "لم تكن هذه التغيرات -حذف الجنسية المثلية من قائمة الأمراض واعتبارها اختيارًا شخصيًّا- نابعة من استيعاب الحقائق العلمية التي يمليها المنطق، وإنما على العكس كان هذا العمل مدفوعًا بما كان يمليه المزاج الأيديولوجي العام في تلك الحقبة من التاريخ"![8]

هذا التحول يمكن أن يطلق عليه "ثورة جنسية". وهي ثورة تغيير جذري في العلاقات الجنسية قامت في الغرب بين نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي؛ وإن كان منطلقها كتابات "فرويد"[9] حول التحرر الجنسي والقضايا الجنسـ-نفسية في العشرينيات من نفس القرن.

كان من نتائج هذه الثورة انبعاث ثقافة جديدة هي "الحب الحر"، حيث اعتنق ملايين الشباب مذهب "الهيبيز: hippie"[10]، وأخذوا ينشرون أفكارهم عن قوة الحب وجمال الجنس كجزء فطري من الحياة الطبيعية؛ وأنه لا يجب إنكارها أو كبتها. وأدى هذا التوجه الجديد إلى حرية الجنس، سواءً كان المرء متزوجًا أم لا، وحرية منع الحمل والإجهاض، وحرية العري العلني، وحرية الشذوذ الجنسي!

ومع اتساع هذا الأمر والإباحية الإعلامية الفاضحة، وتشكلت الجمعيات المدافعة عنه، والمنظمات الراعية له، والقوانين المشرعة والمنظمة له، وظهرت تجارة الجنس –أو ما يعرف بالرقيق الأبيض- كثالث تجارة تتصدر النشاط الإجرامي الربحي بعد تجارة السلاح والمخدرات، بل والأكثر نموا![11]

  • النزعة الفردية الأنانية النفعية:

تيهان فطري، وفراغ روحي، ونزعة مادية في المعرفة، وانفلات شهواني للغريزة، محصلة الفرد الغربي من الإلحاد وانخلاسه من الدين والأخلاق بالمطلق. وبهذا فإنَّ أي حديث عن علة للوجود الجمعي للإنسان تضمحل، ما يدفع الفرد إلى الأنانية المطلقة والنظرة المنفعية التي تدور حول لذاته هو ومتعه، غير مبالٍ بمن حوله، طالما وأنه لا غاية خلف الوجود والحياة غير الفناء.

هكذا نشأت الرأسمالية كسوق حرة يتاجر فيها بكل شيء، ويصبح فيها البقاء للأقوى باعتبار أن القوة معيار الصلاح للبقاء. وعوضا عن عبودية الأباطرة والكنيسة أصبح العمال والمستهلكون عبيد أصحاب رأس المال الذين يبحثون خلف المكاسب والأرباح غير مبالين بغيرهم ضعيفا كان أو محتاجا أو معدما. وبات الحصول على المال غاية في ذاته تكسر لأجله كل القيود وتستباح معه جميع المحرمات، خاصة وأن طبقة رجال الأعمال باتت هي المؤثر في صناعة التشريعات والقوانين بوصولهم للبرلمانات.

فمع انتصار الليبرالية الكلاسيكية في الفترة (1776م- 1914م) على الصعيدين السياسي والاقتصادي حقق المجتمع الغربي نموا اقتصاديا غير مسبوق، ودارت عجلة الصناعة وحركة الإنتاج. وعملت الطبقة الرأسمالية على مقاومة تشريعات العمل والأجور ونظام الطوائف الحرفية ونقابات العمال، وعلى الحد من مساعدة الفقراء، وإطلاق حرية التجارة عبر البحار، وتخفيض الضرائب.. وهي جميعا تشريعات تصب في صالح ما عرف بالطبقة "البرجوازية"!

وكما شهدت هذه الفترة صعود أصحاب رؤوس الأموال شهدت كذلك صعود النماذج الديكتاتورية المستبدة في الحكم، والتي تستمع بتحقيق رغباتها السلطوية في العنف والدموية؛ والتي لا تقف أمام مطامعها "الشيفونية" أي حدود. وهكذا ظهرت حقبة دموية استعمارية ارتكب في ظلها الحروب المدمرة، والإبادات الجماعية، وصور الاسترقاق والتعذيب المذلة للإنسانية؛ وتعززت الروح العنصرية والقومية، وانطلق السباق في سبيل امتلاك الأسلحة الفتاكة والقوى العسكرية المدمرة لاقتسام النفوذ العالمي من أجل الحصول على الثروات!

لقد ظهر في عصور الإلحاد قادة ديكتاتوريين أمثال:

- نابليون بونابرت الأول (1769م- 1821م)، القائد العسكري الفرنسي ذي النزعة التسلطية، والذي قاد حربا توسعية في أوربا خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر، عُرفت باسم الحروب النابليونية، وأحرز فيها انتصارات باهرة على جميع الدول التي حاربها، وجعل من فرنسا مركزًا رئيسا يتحكم في شؤون جميع الدول الأوروبية تقريبًا. وهذا دفعه للتوسع في حروبه خارج القارة الأوروبية. وإليه يُنسب القانون المدني الفرنسي، المعروف باسم قانون نابليون. ويقول منتقدو نابليون: إنه لم تكن لديه أية مشكلة في التضحية بآلاف -بل بملايين- الأشخاص في سبيل الوصول إلى هدفه، وأنه في سعيه إلى السلطة المطلقة أشعل نار الحرب في أوربا وأجج النزاعات فيها، متجاهلاً المعاهدات والاتفاقيات المبرمة بين تلك الدول وفرنسا وبينها فيما بعضها في سبيل الحفاظ على السلام. كما أنه سمح لجنوده بنهب المدن والبلاد التي دخلوها؛ ما جعل متاحف فرنسا غنية بالتحف والآثار التي سرقت أثناء الغزو. وهو السلوك الذي قلده فيه القادة العسكريون اللاحقون له في غزواتهم، مما حرم الكثير من الدول من كنوزها القومية.

- بينيتو أندريا موسوليني (1883م- 1945م) الحاكم الإيطالي ومؤسس الحركة الفاشية الإيطالية. لقد هيأت الأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية التي عانت منها إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى لموسوليني -المتحول من الاشتراكية إلى الفاشية- القيام بحملة حرك من خلالها الغرائز المتطرفة، لعدد كبير من العاطلين عن العمل من الجنود المسرحين ومن ذوي السوابق الإجرامية وفلول عصابات الإجرام المنظم، وصياغتها في أيديولوجية متعصبة عنيفة، وملأ الفراغ السياسي والأيديولوجي والروحي المتأزم ليكون حزبه الفاعل المؤثر مع عجز الحكومة ويصبح هو القائد الموجه. وفي عام 1932م عين رئيسا لوزراء إيطاليا.

موسوليني الذي ورث عن أبيه الإلحاد –كما يقول- كان معاديا للكنيسة، وكان في مقالاته يدعو إلى تصعيد العداء مع رجال الدين وإغلاق دور الكنائس لخطورتها على تفعيل العقل الذي استسلم لأصحاب النفوذ والجاه. ورغم فشل حزبه الذي أسسه " الحزب الفاشستي"، إلا أنه عندما تمكن من السلطة ألغى كافة الأحزاب وقتل معارضيه من الاشتراكيين والشيوعيين، وقمع حرية الرأي والتعبير وأغلق الصحف. وكانت نزعته السلطوية تكفر بالسلم وفائدته، وكان يرى الحياة نضال وقهر، لذلك دفع باتجاه توسع إيطاليا باتجاه الاستعمار الخارجي، لإعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية القديمة، وكان يحلم علناً بأن يسيطر على كل حوض البحر الأبيض المتوسط، وأن يحوله إلى بحيرة إيطالية، وأن ينشئ إمبراطورية تمتد من الحبشة إلى ساحل غينيا الغربي.

- أدولف ألويس هتلر (1889م- 1945م) سياسي ألماني، وزعيم حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني والمعروف بـ"الحزب النازي". في عام 1933، تم تعيينه مستشارًا للبلاد –وهو منصب أعلى في الدولة. وقد عمل في عهده على إرساء دعائم نظام تحكمه نزعة شمولية وديكتاتورية فاشية، انتهج فيها سياسة خارجية تهدف للاستيلاء على ما أسماه بـ"المجال الحيوي"، أي المناطق التي تؤمن الوجود والرخاء الاقتصادي لألمانيا النازية. وبالفعل وجه موارد الدولة وقوى المجتمع نحو تحقيق هذا الهدف، وخاض حروبا عسكرية عنيفة ودموية تسببت في حرب عالمية ثانية.

استطاع هتلر أن يكسب تأييد الجماهير لسياساته عن طريق إقناع معظم الشعب الألماني بأنه سينقذهم من موجة الكساد الاقتصادي التي اجتاحت العالم عقب الحرب العالمية الأولى، ومن براثن الشيوعية، ومن تأثير الأقليات الأخرى، رافعا شعارا قوميا عنصريا متطرفا!

عمل هتلر على بناء قوة ألمانيا العسكرية والدخول في أحلاف جديدة وتوسيع نفوذه في أوربا مطلقا، من ثمَّ بدأ حروبه التوسعية التي قادت فيما بعد إلى الحرب العالمية الثانية التي شاركت فيها دول آسوية وأوروبية كبرى، وراح ضحيتها ملايين البشر!

لم ينشأ عن الإلحاد مجتمعٌ وردي ولا دولٌ وردية، بل عاشت أوروبا فترة صراعات مريرة سياسية واجتماعية عقب خروجها من العصور الوسطى واقتحامها ما يوصف بـ"عصر التنوير" في القرن الثامن عشر ميلادي. ولم تكن هي الوحيد الذي عانى من هذه الموجة الإلحادية وآثارها.

- ففي الصين ظهر ماو تسي تونغ (1893م- 1976م)، زعيم الحزب الشيوعي الصيني منذ عام 1935م. تولى الحزب الشيوعي السلطة في الصين عام 1947م، واستخدم ماو أساليب عنيفة ليحكم قبضة الحزب على السلطة، فقتل العديد من أعداء ثورته ومخالفيه السياسيين. تحالف مع الاتحاد السوفييتي وتبنى سياسة اشتراكية تقوم على الفلاحين، خلافا لرؤية كارل ماركس التي تعتمد على العمال. ووجه كل تركيزه إلى التنمية الزراعية. وعمل على تطوير مفهوم جديد للشيوعية سُمّي "بالماوية"، وكان مزيجا من شيوعية لينين وماركس.

أدار ماو المجتمع من خلال سيطرته على كل أجهزة الدولة، وجعلها في قبضته. وأدت سياساته إلى إخفاقات عدة ومجاعات متعددة ووفاة مئات الآلاف من البشر. فقد شهدت الصين أكبر مجاعة إنسانية نتيجة سياسته الاقتصادية التي وصفت بأنها "القفزة الكبرى إلى الأمام- Great Leap Forward"، والتي أطلقها عام 1958م بغية تحويل الصين لأكبر دولة صناعية. وهلك نتيجة هذه المجاعة -حسب بعض التقديرات- ما بين 15- 30 مليون صيني، بين عامي 1958م و1962م.[12]

لقد صنف ماو تسي تونج على أنه أكبر مجرم في تاريخ الجنس البشري على الإطلاق، فقد مات من 40- 70 مليون نسمة بسبب سياسات التجويع والعمل القسري والإعدامات والإبادة الشمولية وقتل الأثنيات والعرقيات المختلفة. بل أصبح الانتحار في فترة حكمه ظاهرة متكررة على مدار الساعة طوال اليوم في شوارع الصين.[13]

- وفي روسيا ظهر جوزيف ستالين (1878م- 1953م)، القائد الثاني للاتحاد السوفييتي ورئيس الوزراء خلال الفترة: 1941م- 1953م. كان زعيما شيوعيا عرف بقسوته وقوته. عُرف بعنفه ودمويته وقضائه على خصومه ومخالفيه. ومن أبرز جرائمه "مجاعة أوكرانيا الكبرى- Ukrainian Great Famine"، والتي ارتكبها عام 1933م لتأديب الشعب الأوكراني، وراح ضحيتها قرابة 4 مليون أوكراني. وسياسة التجويع القمعية التي اتبعها ستالين طبقت في كثير من مقاطعات الاتحاد السوفييتي أبان حكمه، وذهب ضحيتها وضحية الإبادات الوحشية قرابة 30 مليون شخص.

- وفي كمبوديا وصل الملحد "بول بوت" -أو "سالوث سار"- للحكم في الفترة (1976م- 1979م)؛ فأباد 25% من شعبه باسم الإلحاد والفلسفة المادية خلال 3 سنوات قضاها في الحكم؛ وهي نسبة مسجلة رسميًا في دفاتر الدولة. وفي دراسات ميدانية لاحقة تبين وجود 20 ألف مقبرة جماعية عملاقة استخدمها الملاحدة لدفن قرابة 3 مليون نسمة من الشعب الكمبودي طبقًا لـ"اليونيسيف".

لم يكن بول يؤمن إلا بالإنسان المادي الذي يسير في حتميات مادية –ترس في آلة- إنسان بلا أدنى معيارية ولا قيمة ولا معنى ولا يحمل داخله مفردات شخصية مستقلة تميزه كونه مخلوقًا لله، ولا يكترث بالغاية وتصبح الأرض من وجهة نظره مادة استعمالية وغايته تحقيق أقصى إشباع ممكن منها لا أكثر![14]

هذه بعض نماذج الطغيان الفردي الذي قدمه الملاحدة في تاريخ قصير، وهي نماذج ما كان لها لتظهر بهذه البشاعة –التي لا تسعف طبيعة الورقة استقصائها- لولا إلحادها، ونزوعها للأنانية والفردية المطلقة. وإذا ما رأينا بشكل أدق إلى طبيعة الحياة الشخصية لأفراد المجتمع الملحد لوجدنها تنضح بالجرائم المختلفة والعنف الدموي بحثا عن المتعة وإشباعا للشهوة. فلا رادع للجريمة في المجتمعات الملحدة إلا السلطان ورقابة الدولة، فلا ضمير يؤنب ولا رب يخشى ولا يوم آخر يتقى.

ثانيا: آثار الإلحاد على المجتمع:

هذه الملامح الثلاثة التي غلبت على الفرد الملحد، ألا وهي: غياب التفسير الواعي للحياة والوجود، والانفلات في الغرائز الشهوانية، والنزعة الفردية الأنانية النفعية، كانت ذات أثر بالغ في تشكيل المجتمع الملحد عموما. فهو مجتمع بلا هوية وبلا أخلاق وبلا روابط، منقاد لأي دعوى، ومتقبل لأي ممارسة، ومنقسم على نفسه إلى حد التناقض والصراع.

إن طغيان الكنيسة الذي كان يجر البؤس على الناس استبدل بطغيان الأحزاب الشيوعية والأحزاب القومية الشيوفنية التي مارست أعظم صور الإرهاب والتعذيب والتنكيل. وكان لكل حزب من هذه الأحزاب كهنته الذين يضعون أفكاره ويصوغون شعاراته ويبشرون به مخلصا ومنقذا!

وعوضا عن استبداد الملوك ظهر حكام ديكتاتوريون يبيدون الناس لأجل أفكار بشرية ومشاريع اقتصادية وتجارب علمية وأطماع توسعية. وأبيد في حروبهم من البشر أعظم مما أبيد في قرون كاملة!

وخلافا للطبقية الاجتماعية ظهرت طبقيات جديدة في المجتمع الملحد لا تقل سوءا عن مثيلاتها في المجتمعات الأوروبية خلال العصور الوسطى! ولا يزال المجتمع الغربي يعاني من ذات الفرز الطبقي على أسس قومية أو عرقية أو إثنية أو اقتصادية. وفي حين يعيش قلة قليلة ثراء فاحشا يعيش معظم الناس في مستوى معيشي سيء؛ وإن كانت السياسات الحكومية وطبيعة التوازنات الاقتصادية تؤثر في ترميم الفوارق بين هاتين الطبقتين -بين فترة وأخرى- في الدول العلمانية الرأسمالية.

وفي حين كان يناقش بعض رجال الكنيسة حقيقة طبيعة المرأة وازدرائها ناقش الملاحدة حقيقة الإنسان من حيث هو، ووضعوه في سلم التطور لكئنات حيوانية! ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أصبحت علاقة المرأة بالرجل وطبيعة الأدوار بينهما محل نقاش، لينتهي الأمر بهم إلى الحركة "الأنثوية" المنادية بفك العلاقة بين الجنسين واستغناء كل منهما عن الآخر![15]

لقد رفض الإلحاد خرافة الكنيسة وضلالها لكنه عمل على تدمير كافة المسلمات والبدهيات وشكك في قطعيات مستقرة في الفطرة والوعي الإنساني، وبذلك لم يعد للمجتمع الإنساني ثوابت ولا قطعيات يحتكم إليها! وكل شيء في ضوء هذا الانعتاق مباح، فلا تحريم ولا قيد!

لقد بدت آثار الإلحاد على المجتمعات في ثلاثة ظواهر:

  • الانتحار:

يخرج الإنسان إلى الوجود مزودا بغريزة البقاء والعيش، ومندفعا للحياة والتعاطي مع تحدياتها وعقباتها، مهما واجهه من عناء. وتبقى ظاهرة "الانتحار" وأن يقضي الإنسان على حياته باختياره شاذة وخلافا للفطرة. ومع انتشار الإلحاد كثقافة عالمية برز الانتحار كظاهرة عالمية حاضرة بقوة في المجتمعات.

ورغم أنَّ هناك أسباب عدة خلف الانتحار، وتختلف الدوافع من شخص إلى آخر، إلا أنَّ كثيرا من الدراسات النفسية تؤكد أن الاضطرابات النفسية –مثل القلق والاكتئاب والانهيار النفسي- تحت تأثير ضغوطات الحياة المادية والاجتماعية تقف وراء هذه الظاهرة بالدرجة الأولى.

فإذا كان الإلحاد سبابا من أسباب هذه الاضطرابات النفسية النابعة من فقدان الهوية وتيهان الوعي وغياب أي معنى رسالي للوجود وغائي للحياة، فإن من الطبيعي أن يكون الانتحار أثرا من آثاره.

وإذا كان ينتحر سنويا قرابة مليون شخص في مُختلف أنحاء العالم، أي بمعدل تقريبي انتحار إنسان كل 26 ثانية، فإن أكبر معدلات الانتحار -بحسب الإحصائيات التي توفرها (منظمة الصحة العالمية) وغيرها- تشهدها دول ملحدة وعلمانية، سواء على مستوى أوروبا أو آسيا أو أمريكا.

ومقابل كل شخص يمُوت مُنتحرًا هنالك عدد كبير ممن يُحاولون الانتحار. ويبلغ المعدل العالمي لنسبة الانتحار 14.5 عن كل 100 ألف نسمة. وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة انتحار الرجال بشكل كبير في الخمسين سنة الماضية، كما ارتفعت نسبة المـُسِنّين المـُنتحرين بشكل عام، لتصبح أوَّل فئة معنية بالانتحار، خاصة في الدول المتقدمة.

إنَّ من بين أهم الدول التي ترتفع فيها نسب الانتحار: روسيا وبعض دول الاتحاد السوفييتي السابق، ودول شرق أوروبا كبيلاروسيا، وأوكرانيا، وبروسيا، والمجر، والصين، واليابان، والدنمارك، وفنلندا، والنمسا، وسويسرا، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، وآيسلندا. وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة 22 في معدل ظاهرة الانتحار، بنسبة 10.4.[16]

وتشير التقديرات إلى حدوث ما يقرب من 804,000 حالة وفاة بسبب الانتحار حول العالم في عام 2012م، وهو ما يمثل مُعدل الانتحار العالمي السنوي الـمَـقَّيس حسب العمر، وهو 11,4 لكل 100.000 نسمة (15 للذكور و8 للإناث).


- الجريمة:

اقترنت التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الغرب بنمو مطرد لعالم الجريمة، فقد مثلت أجواء الصراعات السياسية والحالة الاقتصادية المنهارة التي شهدتها أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب التطور الصناعي والتحولات الفكرية والاجتماعية بيئة ملائمة لظهور الجريمة كأحد أبرز ملامح المجتمعات المعاصرة حضورا.

لم تكن الجريمة في الغرب في معظمها بدافع الحاجة والفقر بل بدافع الغريزة الإجرامية التي أطلقتها دعاوى الحرية والرؤى المادية والسباق المحموم على متع الحياة وشهواتها. وأصبحت ظاهرة "المافيات" والجريمة المنظمة محل اهتمام المفكرين والباحثين وعلماء النفس والاجتماع لعقود.

ففي روسيا مثلا هناك ثلاثة آلاف عصابة منظمة. وتقوم هذه المافيات والعصابات بجرائم عابرة للحدود، كما في حالة صناعة وترويج المخدرات التي تبلغ 500 مليار دولار سنويا، أو تجارة غسيل الأموال التي تبلغ في أوربا وأمريكا 100 مليار دولار سنويا خلال عقد ماضٍ[17].

وفي شأن واقع الجريمة يذكر مؤلفا كتاب (يوم أن اعترفت أمريكا)[18]، "جيمس بتروسون" و"بيتر كيم" أن الإحصائيات تشير إلى تضاعف عدد نزلاء السجون في الولايات المتحدة الأمريكية فيما بين الثمانينيات والتسعينيات إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه من قبل؛ حيث بلغ عدد المساجين 950.000 نزيل فيما بين عامي 1980م- 1993م. وهذا يعني أن نحو مليون من المواطنين الأمريكيين اتهموا بجرائم تخطت الحجز في مراكز الشرطة إلى دخول السجون! وأشاروا إلى أن معدلات الانتحار بين الشباب الأمريكي أكثر من معدلات الانتحار في أوروبا بعشرين ضعفاً، وأكثر من معدلات الانتحار في اليابان بأربعين ضعفاً.

وذهب المؤلفان إلى أن الإحصاءات الرسمية للجريمة في أمريكا تثير نوعاً من الشك لديهم، لأن الأرقام التي توصلت إليها دراستهم -في هذا الصدد- تزيد بنسبة 600% عن إحصاءات الجريمة المسجلة رسمياً لدى الجهات المختصة!

وفي حين بلغ عدد السجناء في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001م أكثر من مليوني سجين موزعين على أكثر من 1500 سجن[19]. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد نزلاء السجون الأمريكية في عام 2003م بلغ 7 ملايين سجين! وتكلف الجريمة الولايات المتحدة الأمريكية مئات المليارات من الدولارات التي تصرف في علاج الضحايا، والتعويضات والتأمين، وجهاز الشرطة، وإدارة السجون.

لقد باتت بعض الدراسات المتعلقة بالإجرام في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا تقدم الأرقام بمعدل الثانية في ارتكاب الجريمة. وفي إحدى الإحصائيات هناك 4 جرائم ترتكب كل ثانية في أمريكا ما بين خطف وسرقة[20].

ومع الحديث غربيا عن حقوق الإنسان وكرامته إلا أن جرائم "الرقيق الأبيض" والمتاجرة بالأطفال والنساء رائجة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، فالإحصائيات تشير إلى وجود ما بين 200 ألف إلى 500 ألف امرأة وفتاة يعملن في سوق الدعارة بأوروبا[21]. وتقول إحصائية صادرة عن وزارة الداخلية الأوكرانية إن حوالي 400 ألف امرأة وفتاة دون سن الثلاثين غادرن أوكرانيا خلال السنوات العشر الماضية عن طريق عصابات المافيا.

وقدرت وزارة الخارجية الأمريكية عدد الأطفال والنساء اللواتي تتم المتاجرة بهن في أغراض الدعارة بـ700 ألف حالة[22]. كما أكدت دراسة قامت بها جمعية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة بيع 20 مليون طفل خلال السنوات العشر الأخيرة ليعيشوا طفولتهم في ظروف معيشية قاسية[23].

ويقدر عدد الأطفال الذين يتم استغلالهم في العالم بنحو 246 مليون طفل، منهم -وفق إحصائيات الأمم المتحدة- أكثر من مليوني طفل يتعرضون للاستغلال الجنسي ويعاملون معاملة الرقيق.

وتعتبر الإباحية الرقمية صناعة حقيقية، تدر سنويا ما بين 10 إلى 15 مليار دولار في أمريكا فقط، وتقف وراءها شركات كبرى حول العالم، ولها معارض ترويجية ومراكز أبحاث.

وفيما يعبر عن القلق والرغبة في العيش خارج الواقع وتحت تأثير النشوة فإنَّ الشعب الأمريكي من أكثر شعوب العالم إدماناً للمخدرات. وتشير الإحصاءات إلى أن 35% من الأمريكيين يتعاطون مخدر الماريجوانا، و15% يتعاطون الكوكايين، و24% يتعاطون أنواعاً أخرى من المخدرات.

وبعض الإحصائيات تشير إلى أن عدد مدمني المخدرات في الولايات المتحدة يبلغ  25 مليون مدمن، ويبلغ ما ينفقونه على المخدرات في العام الواحد 185 مليار دولار[24]. هذا على الرغم من طبيعة الرفاهية التي يتمتع بها معظم الشعب الأمريكي في العيش.

التفكك:

الإنسان مدني بالطبع، والمجتمعات البشرية لا تقوم بغير روابط ووشائج تؤلف بين أفرادها ومكوناتها في سبيل الحفاظ على مصالحهم وضمان ديمومة بقائهم. وفي حين يعزز الدين العلاقة بين الزوجين باعتبارها علاقة مقدسة، ويعزز الأواصر الأسرية بين الآباء والأبناء، ويحث على صلة الرحم، وعلى حق الجار، ورحمة الناس والتودد لهم، في إطار منظور يعيد البشرية جمعاء إلى أصل واحد ومنشأ واحد وخالق واحد. ولا يتوقف هذا التوجيه على ما يتحقق من هذه العلاقات والروابط في الدنيا من منافع بل يتعداها إلى الثواب الأخروي، أو العقاب على ضياعها.

يقول الله تعالى: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير))، الحجرات: 13. ويقول سبحانه: ((فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم))، محمد: 22- 23.

إن أعزَّ ما دمره الإلحاد في البشرية الأسرة، الخلية الأولى للبناء الاجتماعي. فقد أدى الإلحاد إلى إشاعة الفواحش وإطلاق الغرائز الجنسية خارج إطار الزوجية. فنشأ عن هذه الممارسات ضياع الأنساب واختلاط الأرحام، فلا يجد المولود رعاية ولا أسرة مرتبطة ينتمي إليها. وقد سجلت دول الاتحاد السوفييتي –سابقا- وأوربا وأمريكا معدلا مرتفعا لأبناء الزنى مع تصاعد موجة الإلحاد في العالم.

فنشأ جيل لا يعرف من العلاقات التي تحكم تصرفه في الحياة غير علاقات المنافع المادية والمصالح الشخصية، أو الجنس والمتعة. فنظرته للارتباطات الزوجية نظرة للقيود، فلا يوجد شعور بأهمية الأسرة والأبناء، وإنما هي المتع. كما أنَّ فكرة المساواة المطلقة التي جعلت من المرأة ندا للرجال في ميادين العمل أخرجت المرأة من دورها الطبيعي كزوجة وأم. لذا يعيش الكثير من الأفراد خارج إطار الزوجية وتبعاتها، وتنتشر العلاقات الجنسية كعلاقات متعة لا تهدف للإنجاب.

في 29 ديسمبر 2012م، نشر موقع "B.B.C" الإخباري خبرا حول "ارتفاع معدلات التفكك الأسري في المملكة المتحدة"، حيث جاءت في المرتبة الرابعة -في تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وسبقتها بلجيكا ولاتفيا وإستونيا. فبحسب دراسة للمنظمة لا يعيش سوى 68% من الأبناء مع والديهم؛ فيما كانت نسبة ألمانيا 82%، وإيطاليا 92.1%، والولايات المتحدة 70.7%.

وأشار مدير الاتصالات بمؤسسة الزواج البريطانية "هاري بنسون" إلى أن التفكك الأسري يكلف الحكومة البريطانية 44 مليار جنيه استرليني كل عام.

هذا التفكك الأسري ينتج "الفرد المتجاوز"، الذي يفكر باحتياجاته على حساب الآخرين -حتى وإن كان أحد أفراد أسرته، كما نوَّهت إلى ذلك منظمة "جوزيف راوند تري" البحثية المتخصصة في المسائل الاجتماعية.[25]

هذا الوضع الاجتماعي ونسب الطلاق المرتفعة، وانخفاض معدلات الإنجاب دفعت مفكرين غربيين عدة للتنبوء بانهيار الحضارة الغربية. من ذلك مثلا الفيلسوف والمفكر الألماني "أوزوالد اشبنجلر"، في كتابه (انحدار الغرب)، وهو كتاب مترجم للعربية[26]. وملخص ما ورد في هذا الكتاب استشراف مستقبل الحضارة الغربية الآهل للانهيار؛ وفق دراسته لانهيار عدد من الحضارات القديمة، وإسقاطه أسباب السقوط على واقع الحضارة الغربية المعاصرة اليوم.

 

[1]  ولد إيليا أبو ماضي في قرية "المحيدثة" من قرى لبنان سنة 1891م، ودرس بها إلى سن الحادية عشرة، ثم انتقل إلى الإسكندرية، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كان أحد أعضاء الرابطة القلمية البارزين.

[2]  الرمزية (بالإنجليزية: Symbolism): حركة في الأدب والفن، ظهرت في فرنسا أواخر القرن التاسع عشر، كرد فعل للمدرستين الواقعية والطبعانية، وهدفت إلى التعبير عن سر الوجود من طريق الرمز. وقد تأثر الرمزيون كثيرا بأعمال بودلير Baudelaire. ومع احتفاظهم بمبدأ "الفن للفن" فقد سعوا في المقام الأول إلى إعطاء القارئ انطباعاً عن وعيهم الباطن، معتمدين في ذلك على الموسيقى والصُّور الشعرية التي تبرز "أحلام الشاعر الداخلية". عن (https://ar.wikipedia.org) بتصرف.

[3]  الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، د. عبدالحميد جيدة، مؤسسة نوفل، بيروت- 1980م، ص121، بتصرف.

[4]  انظر: الرمزية في (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة)، الن