أصول و محكمات /

منهج القرآن الكريم في الرد على منكري البعث [ قراءة ]

[ الاثنين 12 جمادى الآخر 1437 هـ ] [ 2152 ]

واجه القرآن الكريم دعوات منكري الخالق والبعث -قديما وحديثا- بأسلوب فريد جمع بين البلاغة والإقناع. وبرز ذلك جليا في ردوده المتنوعة على منكري البعث وقدرة الله على إحياء الناس. وعلى الرغم من الحجج الدامغة التي ساقها القرآن للرد على مزاعم هؤلاء, إلا أنهم يظهرون بين الفينة والأخرى بحلل جديدة وبدعاوى ألبست ثياب المعاصرة والعلم الحديث.

في هذه العجالة نستعرض البحث المعنون بـ"منهج القرآن الكريم في الرد على منكري البعث"، للأستاذ دكتور مهدي قيس عبدالكريم، لأهميتها ويسرها. فقد قسم الباحث دراسته إلى ثلاثة مباحث وخاتمة.

في المبحث الأول (شبهات المنكرين)، ذكر الباحث تركيز القرآن على الرد على منكري البعث والنشور والإحياء بسبب خطورة الشبهات التي ساقوها. وقد قسم الباحث منكري البعث إلى ثلاثة أصناف:

الصنف الأول الدهرية: وهم القائلون بإنكار الخالق والبعث والإعادة, وقد أخبر القرآن عنهم بقوله تعالى: ((وقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنيَا نَمُوتُ وَنَحيَا ومَا يُهلِكُنَا إِلَّا الدَّهرُ ومَا لَهُم بِذَلِكَ مِن عِلمٍ إِن هُم إِلَّا يَظُنُّونَ))، الجاثية: 24.

الصنف الثاني منكرو البعث والإعادة: وهؤلاء أقروا بالخالق وابتداء الخلق وإبداعه, وانكروا البعث والإعادة, وهم الذين أخبر عنهم القرآن: ((وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا ونَسِيَ خَلقَهُ قَالَ مَن يُحيِ العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ))، يس: 78.

الصنف الثالث المقرون بالمعاد ولكن على غير الصفة التي جاء بها القرآن: كالاعتقاد ببعث الأرواح فقط, وقد ذكر القرآن الكريم أن البعث للروح والجسد معا يوم القيامة, قال تعالى: ((أَيَحسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَجمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُسَوِّيَ بَنَانَهُ))، القيامة: 3- 4.

واستنتج الباحث أن شبهات المنكرين التي ساقها القرآن لا تخرج عن الأطر التالية:

  • الإنكار قياسا على الرؤية العيانية, وأنهم لم يروا أحدا ممن مات عاد إلى الحياة.
  • الإنكار من منطلق الاستحالة، فالأجساد إذا فنيت والعظام إذا بليت لا يتسنى إعادة بعثها إلى الحياة مجددا. وفي هذا السياق يقول المنكرون: ((ويَقُولُ الإِنسَانُ ءَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوفَ أُخرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقنَاهُ مِن قَبلُ ولَم يَكُ شَيئًا))، مريم: 66- 67.

ثمَّ ذكر الباحث أبرز خصائص شبهات المنكرين، وهي:

العجلة في إصدار الأحكام من دون تثبت أو تمحيص.

مخالفة الحقائق البدهية المعروفة، وعدم إعمال العقل للوصول إلى الحقائق.

التخبط في الرد، ويظهر ذلك في تباينهم في تكذيب القرآن، ووصفه بأنه: "سحر مبين، أساطير الأولين، قول شاعر مجنون".

أحكامهم صادرة عن مجرد ظن أو اتباع الهوى بدون دليل.

اللجاج في السؤال عن الساعة، كتمهيد لإنكار البعث.

افتعال الخصومة وتحولها إلى نار حين لا يستطيع المخاصم منازلة خصمه.

في المبحث الثاني (الرد القرآني): استعرض الباحث الردود القرآنية على منكري البعث, والتي كانت ردودا مختلفة ومتنوعة، أذهلت المتأمل من بلاغتها وطريقتها في معالجة المواضيع المختلفة. ومن أبرز خصائص الرد القرآني كما ذكر الباحث:

التذكير بقدرة الله تعالى: حيث اقترن الرد القرآني بالتذكير بقدرة الله, ويظهر ذلك جليا في فاتحة سورة (ق), وهو ما يوافق الصنف الثاني من المنكرين ممن آمن بالخالق وأنكر البعث, فإن من لا يعجزه أن يخلق السماء والأرض.. أيعجزه بعث الموتى؟!

الدعوة إلى التأمل: حيث حرص القرآن على دعوة المنكرين إلى التأمل في النفس والبدء والمعاد, وقد تكررت هذه الدعوة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم -ذكر الباحث بعضها.

التفكير في مصير الأمم السابقة: فقد ذكر القرآن ما حل بقوم نوح وعاد وفرعون، وكل من كفر بالله وأنكر دعوات الرسل.

الصبر على دعوة المشركين: لأنه من الصعب والعسير تغيير الإنسان لعاداته وقناعاته.

أهمية العقل: حيث قارع القرآن منكري البعث بالعقل الذي حاولوا الاستدلال به على إنكارهم للبعث, وذلك من خلال استخدام القياس الصحيح للرد على قياسهم الفاسد.

التهديد بالعذاب: ولم يلجأ إليه القرآن إلا لبيان قدرة الله الخالق.

القسم بوقوع البعث: وهو ما يشير إلى خطورة الأمر وأهميته.

الإحياء الفعلي في الحياة الدنيا: والتي ذكر القرآن بعضها في سورة البقرة: ((أَو كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَريَةٍ وهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعدَ مَوتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ..))، البقرة: 259.

إحياء الأموات: وفيه رد على الدهريين الذين ينكرون الخالق سبحانه, ويزعمون أن الطبيعة أوجدته, فما الذي يمنع الطبيعة من إعادة تشكيل خلقهم مجددا كما في أول مرة حسب زعمهم؟!

التحدي والإعجاز: وقد أورد الباحث من الآيات الدالة على ذلك، كقوله تعالى: ((وقَالُوا ءَإِذَا كُنَّا عِظَامًا ورُفَاتًا ءَإِنَّا لَمَبعُوثُونَ خَلقًا جَدِيدًا * قُل كُونُوا حِجَارَةً أَو حَدِيدًا * أَو خَلقًا مِمَّا يَكبُرُ فِي صُدُورِكُم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُم ويَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُل عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا))، الإسراء: 49- 51.

وصف حالهم في الآخرة: فقد رسمت بعض آيات القرآن صورة دقيقة وتفصيلية لحال هؤلاء المنكرين يوم القيامة, وهي على كل حال تقض مضاجع الكافر وتصيبه بالحيرة والضيق.

عدم الاغترار بالحياة الدنيا: وهي للتذكير بيوم القيامة على سبيل الموعظة والخشية من أهوال ذلك اليوم.

في المبحث الثالث (خصائص الخطاب القرآني): ذكر الباحث أن أسلوب جدال القرآن مع منكري البعث اتصف بالخصائص التالية:

الإفراد: فقد استعمل القرآن الإفراد بدل الجمع، للتقليل من شأن الجميع، وتحقير أمره في الرد على منكري البعث في مثل قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخرِجُكُم طِفلًا ثُمَّ لِتَبلُغُوا أَشُدَّكُم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكُم مَن يُتَوَفَّى مِن قَبلُ ولِتَبلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكُم تَعقِلُونَ))، غافر: 67.

فورد لفظ "الطفل" مفردا للتقليل من شأن المخاطبين، وتحقيرهم، بعد أن استعظموا إعادتهم أحياء بعد موتهم.

التقديم والتأخير: فعند رده على منكري الساعة قال تعالى: ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤفَكُونَ))، غافر: 62, في حين قال في موضع آخر: ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَاعبُدُوهُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ))، الأنعام: 102, فالتقديم والتأخير في النظم القرآني للتناسب.

التوكيد: وقد استخدمه القرآن لبيان جرم منكري البعث، كما في قوله تعالى: ((إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ * إِن هِيَ إِلَّا مَوتَتُنَا الأُولَى ومَا نَحنُ بِمُنشَرِينَ * فَأتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ * أَهُم خَيرٌ أَم قَومُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبلِهِم أَهلَكنَاهُم إِنَّهُم كَانُوا مُجرِمِينَ))، الدخان: 34- 37.

تكامل الإيمان: بين المسائل الدنيوية والأخروية, فتأكيد وقوع الساعة ونفي الريب عنها أمر أخروي, ونفي إيمان كثير من الناس بوقوعها أمر دنيوي, قال تعالى: ((إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يُؤمِنُونَ))، غافر: 59, بدأت الآية بالتوكيد ب"إنَّ", ثم باللام "لآتية", ثم بنفي الارتياب "لا ريب فيها".

توظيف الطباق: وقد جاء في عدد من الآيات التي ترد على منكري البعث كقوله تعالى: ((وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأتِينَا السَّاعَةُ قُل بَلَى ورَبِّي لَتَأتِيَنَّكُم عَالِمِ الغَيبِ لَا يَعزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولَا فِي الأَرضِ ولَا أَصغَرُ مِن ذَلِكَ ولَا أَكبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ))، سبأ: 3, فالطباق بين "لا تأتينا" و"لتأتينكم".. توظيف لإثبات قدرة الخالق سبحانه.

وفي ختام دراسته القيمة حاول الباحث ذكر أهم النتائج التي خرج بها من هذا البحث القيم.