قضايا فكرية /

من هدم المعبد؟! (1 / 2) [ مقال ]

[ الثلاثاء 6 جمادى الآخر 1437 هـ ] [ 1325 ]

ظل الإنسان منذ وجوده على سطح هذه البسيطة متجها نحو المعبد كي يتصل بروح السماء ونورها، لأنه بفطرته كائن متدين كما هو حال الكون من حوله، مع فارق أنه متدين باختياره. وخلال مسيرة الإنسانية كان الصراع يدور حول المعبد، لأن التدين كان هو الظاهرة الطاغية. وكان الخلاف يجري حول الألهة والشرائع، فلا تكاد تسقط ديانة حتى تهيمن ديانة مقابلة، ولا يهدم معبد حتى يبنى آخر. أما الإلحاد فلم يكن سوى استثناء نادرا وظاهرة محدودة. غير أنه ومنذ ثلاثة قرون تحول الإلحاد إلى مبدأ علمي وفلسفي يعمل على هدم المعبد، ويقوض نوازع التدين في النفس الإنسانية، لينتهي في العصر الحديث إلى ظاهرة عالمية طاغية، تقوم عليه مجتمعات ودول! كيف حدث هذا؟! ومن السبب في ذلك؟!

جناية الكنيسة:

تبدأ الحكاية في هدم المعبد من أوروبا حاضرة الديانة المسيحية، وحاملة لواء التبشير بها في العالم أجمع. حيث استحالت شعوب مسيحية من "الإيمان" المطلق إلى "الإلحاد" المطلق! ومن "الرهبانية" إلى "المادية"! ومن تقديس "رجال الدين" إلى المناداة بـ"شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"! وهي التي ظلت عشرات القرون تردد الترانيم خلفهم وتراهم الوسيط بينها وبين الله!

يحار العقل وهو يحاول أن يقارن بين الصورتين المتناقضتين! ولكن لا غرابة ولا عجب. فقراءة التاريخ الأوربي، واستقراء مراحل التحول وأسباب انقلاب النصارى على الكنيسة توضح كثيرا من الغموض وتفسر كثيرا من الظواهر.

"إن من الحقائق المقررة أن الكنيسة.. ارتكبت سلسلة من الأخطاء الشنيعة، يكفي أحدها لنزع الثقة منها بصفة نهائية، وإن أحداً من أعداء المسيح –عليه الصلاة والسلام- لم يسئ إليه وإلى تعاليمه النبوية كما أساءت الكنيسة التي تتبجح بالانتساب إليه، وتزعم أنها الحارس الأمين على مبادئه والممثل الشرعي له"[1]. إذن من هنا بدأت المشكلة.. من الأخطاء الشنيعة الداخلية!

أبرز هذه الأخطاء كان عام 325م، حين حولت الكنيسة في "مجمع نيقية" عقيدة التوحيد المنسجمة مع الفطرة والعقل والديانات السابقة إلى عقيدة تثليث تخالف ذلك كله؛ وذهبت لذلك إرضاء للأمبراطور الروماني " قسطنطين"، حيث تحالف أتباع "بولس" -القائل بالتثليث- مع الإمبراطور ضد الموحدين أتباع "آريوس" الذين كانوا أكثر عددا! فخرج المجمع بقرارات تؤيد مذهب الأقلية -المؤيدة من "قسطنطين" الوثني- باعتباره "معتقدا مقدسا" وتلعن كل من يخالفه!

لم يتوقف الأمر عند ذلك فقد قرر المجمع اعتبار الأناجيل الأربعة، المنسوبة لـ: متى ولوقا ومرقص ويوحنا، أناجيل معتمدة صحيحة؛ وما عداها مزيف مكذوب تحرم قراءته ويجب حرقه وإبادته![2]

تحولت المسيحية من دين توحيدي مضطهد عقب هذا المجمع إلى دين (تثليثي) رسمي للإمبراطورية الرومانية، ترعاه وتؤيده. وما حصل فعلاً بهذا التحالف هو ارتباط مصلحي دنيوي بين الكنيسة والإمبراطور، فقد سعى أتباع "بولس" للقضاء على مخالفيهم استنادا لقوة السلطان لا قوة البرهان!

وفي حين تطلعت طبقات العامة من شعب الإمبراطورية الرومانية، التي كانت تميل بطبيعتها إلى التدين، وفقدت ثقتها في المعتقدات الدينية والفلسفية المتناحرة بجملتها، فآثرت الاستجابة لداعي الهوى والانصياع إلى الملذات الجسدية والإغراق في المتع الحسية، إلى تحول جديد مع الكنيسة؛ إلا أن الكنيسة كانت عاجزة عن إقامة الحياة بنظمها وقيمها وأخلاقها على أساس من الدين، وبقي الدين كما كان هواية شخصية محدودة التأثير، لم يتغير فيه إلا أن المراسم الشكلية  التي كانت تؤدى في معابد أصبحت تؤدى في كنائس، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن الكنيسة تزحزحت عن مركز التأثير إلى مركز التأثر، فدخلت الخرافات والأساطير والتقاليد الوثنية في صلب تعاليمها وطقوسها، وامتزجت بروايات الأناجيل وآراء المجامع المقدسة، كما حصل الامتزاج والتلاقح بين الشريعة والقانون الروماني، فأصبحت المسيحية ديانة مركبة[3].

ويرى بعض المؤرخين أن السبب الذي أوقع الكنيسة في ذلك هو نظرتها القاصرة إلى الحياة الدنيا. يقول صاحب (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى): "إن المسيحيين الأولين على وجه الإطلاق لم يعمدوا إلى شيء من الإصلاح في المجتمع الروماني الذي نبتوا فيه، برغم ما هو معروف من تحريمهم لكثير من العادات والطقوس القديمة، ولم تكن لهم فلسفة في الدولة وأصول الحكم ولا الإيمان بتجديد المجتمع من طريق الإنشاء والتنظيم، ولم يخطر ببال أحد منهم أن في استطاعة جماعاتهم الصغيرة البعيدة عن السلطة والنفوذ أن تحدث بالسياسة الرومانية أو المجتمع الروماني شيئاً من التعديل، ذلك أنهم أيقنوا أن الدنيا متاع الغرور والشرور، وتعلموا أن الإنسان طريد جنة الخلد وحق عليه العذاب المقيم"، "وتعلموا كذلك أن هذه الدنيا الغرارة لن تلبث حتى تزول، وأن رجعة المسيح إلى الأرض -وهي ما اعتقدها الناس- وشيكة الوقوع، سوف تملأ الدنيا عدلاً بعدما ملئت الدنيا ظلماً وجوراً وخبثاً ونقصاً، يمحوه كله المسيح محواً، وإذا كان كذلك فما الذي يحمل المسيحي على إلغاء الرق أو الحرب أو المتاجرة في المحرمات أو الربا أو استعمال القوة الغاشمة التي ساعدت الدولة الرومانية على النهوض، ما دام ذلك كله مقضياً عليه بالزوال، وما دامت المشكلة الكبرى تنحصر في الوسيلة الواقية من العذاب الذي كتبه الله على الناس جزاءً وفاقاً لما ارتكبه آدم من الخطيئة في جنة الخلد، ولذا رضي المسيحيون بجميع ما وجدوا من نظم لا قبل لهم بتغييرها"[4].

لقد أوجدت الكنيسة مفهوماً سلبياً ضيقاً للحياة الدنيا، وبالتالي لمهمة الدين فيها، يائسة من إمكان إقامتها على الحق والعدل الإلهي، فحرفت المسيحية من عقيدة شاملة ذات منهج رباني كامل نزلت لتغيير الواقع الجاهلي المنحرف الذي يعيشه الناس، وإقامة واقع جديد تحكمه الشريعة المنزلة إلى نظرة بوذية قاصرة للدنيا، مشفوعة بآمال وأحلام مرتقبة في الآخرة، ورأت أن تنظيم شئون الدولة وتقويم النظم السياسية والاقتصادية وإصلاح الأوضاع الاجتماعية، ليس من دينها في شيء، لأن مملكة المسيح ليست من هذا العالم.[5]

لقد عمدت الكنيسة إلى عبارات تنسبها الأناجيل إلى المسيح قيلت مجازاً، أو وردت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة، لتقرر منها قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي.

من ذلك ما ينسب إلى المسيح من أنه قال: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"![6] ومقولة: "مملكتي ليست من هذا العالم"![7]

إنَّ الإنسان -حسب مفهوم الكنيسة- يولد موصماً بالخطيئة الموروثة، ويدخل إلى الدنيا دخول المجرم إلى السجن، وكما أن أباه أكل من الشجرة فعوقب بالطرد من الجنة وقضي عليه بالحرمان والنكد، فكذلك إذا تمتع بطيبات الدنيا وملاذها فسيعاقب بحرمانه من نعيم الملكوت، وإذا كان هذا هو حال الدنيا وحال الإنسان فيها ففيم العناء لإصلاح ما وجد بطبيعته فاسداً؟ وما جدوى تقويم ما خلق من أصله معوجاً؟ ليتحكم الجبابرة في الناس وليستعبدوهم وليعبثوا في الكون كما يريدون، فسوف يحاسبهم المسيح يوم الدينونة! وليجمع الناس المال ويتمتعوا بالحياة الدنيا ويتزوجوا وينجبوا، فسوف يحرمهم ذلك من الدخول في ملكوت الله والفوز في الملأ الأعلى!

رجال الدين:

الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن، وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بالمسيحية وأُدخلت في صلبها. وكانت بدعة "رجال الدين" - كما يُسمَّون- أبعد البدع أثراً، لأنَّ البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن "رجال الدين" هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها.[8]

لقد آل الأمر بكثير من علماء وأحبار يهود الذين حملوا التوراة واشتغلوا بالدين أن أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة، واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، فضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية، يأكلون بموجبها أموال الناس بالباطل، ويتقبلون القرابين بها، ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال.[9]

ورغم تحذير عيسى بن مريم –عليه الصلاة والسلام- أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود، الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد، أولاد الأفاعي، عباد الدنيا"، إلا أنَّ القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالاً من الأحبار، فقد سلكوا الطريق نفسها، وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين؛ وساعد وجودهم ضمن الامبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها، وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية. وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الامبراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته البابا وقاعدته الرهبان، ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الامبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر.[10]

لقد أسس "رجال الدين" لأنفسهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق"، والذي يقتضي ألاَّ يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله طالباً الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له!

وتحت قول المسيح لبطرس -كبير الحواريين: "أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات"[11]، ذهب "رجال الدين" إلى أبعد ما يتصور، فقرروا أن كل ما تقرره الكنيسة هو عين الصواب، إذ أن المسيح بواسطة الروح القدس هو الذي يملي عليها تصرفاتها، ومادام أنها تعمل باسم الله، وتحل وتبرم حسب مشيئته، بل هو يحل ويبرم حسب مشيئتها -تعالى الله على ذلك علواً كبيراً- فطاعتها واجبة، وقراراتها إلزامية لكل المؤمنين بالمسيح، وليس على الأتباع إلا الطاعة العمياء والانقياد الذي لا يعرف جدلاً أو نقاشاً، والذنب الذي لا يغتفر هو أن تصادم أوامر الله، التي هي أوامر الكنيسة، بواسطة العقل البشرى أياً كان صاحبه، والخارج على سلطة الكنيسة أو الناقد لقرارات مجامعها كافر "مهرطق" تحل عليه اللعنة والحرمان من دخول الملكوت، مهما بلغت وجاهة رأيه بل مهما كانت سوابقه وخدماته للمسيحية وللكنيسة نفسها.[12]

ترتب على هذه النصوص والفهوم آثار سيئة للغاية، حيث احتكر "رجال الدين" لحق قراءة وتفسير الإنجيل، وحق منح صكوك الغفران؛ ما ولد انشقاقات دينية متوالية دمرت الحياة بصفة عامة؛ وقاد ملاحدة القرن السابع عشر فيما بعد لسل حججهم في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة.

الرهبنة:

كان من أسباب انتشار الرهبنة الأوضاع الاجتماعية القاسية؛ حيث كان المجتمع الروماني مجتمعاً طبقياً ظالماً، تكدح فيه قطاعات ومجموعات كبيرة لصالح أفراد قلائل، وكان سكان المستعمرات خاصة يعانون البؤس وشظف العيش إلى جانب الظلم والطغيان، فقنط كثيرون منهم من الحياة، ورأوا أن خير وسيلة للتخلص من خدمة الأسياد والحصول على العيش ولو كفافاً، هو دخول الأديرة حيث ينفق عليهم من تبرعات المحسنين وأوقاف الكنيسة.

ويذكر صاحب كتاب "قصة الحضارة"[13] أن "الآلاف من الشباب كانوا يدخلون الأديرة فراراً من الخدمة العسكرية التي فرضها الرومان". وبهذا نتج عدد كبير من الرهبان الذين لم يكونوا مؤمنين بالدين المسيحي وإنما هاربون من الواقع السيء الذي يعيشونه!

ولأن من سنن الله في الكون أن كل مبدأ أو نظام لا يساير الفطرة البشرية مآله إلى الخسران والفناء، ومصير أتباعه شقاء مطبق وضياع مرير. فإنَّ المرء لا تقع عينه على مؤلف من مؤلفات تاريخ الغرب في عصوره الوسطى، إلا ويرى فيه ما يشين ويلطخ الحياة الرهبانية من الفضائح الشنيعة والدعارة التي لا تضارعها دعارة مواخير الفساد![14]

فقد أدى التزمت والغلو في الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تماماً، وأصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق، تضرب بها الأمثلة في ذلك. وقد وصل الحال بنصارى الشرق -وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكاً- إلى حد أن المستهترين من الخلفاء والشعراء الماجنون كانوا يرتادون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر.[15]

هذا بالنسبة للمترهبنين، أما الفرد المسيحى فقد ضعفت ثقته بالدين، وتزعزعت في نفسه القيم والأخلاق الدينية، كيف لا وهو يرى الرهبان وممثلي الطهر يغرقون في الفجور وينالون من المتع الجسدية ما لا يمكنه بلوغه؟!

أما الغيورون منهم فقد اتخذوا ذلك ذريعة للانشقاق عن الكنيسة، وتكوين فرق دينية جديدة لها أديرة خاصة تبدأ أول الأمر نظيفة، لكنها لا تلبث أن تعود فتسقط فيما سقط فيه أسلافها! كل ذلك كان في الفترة التي لا تزال قبضة الكنيسة فيها قوية، ونفوذها صلباً، لكن المرحلة التي شهدت ضعف سلطانها فيما بعد شهدت رد فعلٍ طاغٍ ضد أغلال الكنيسة وقيودها مما جعل بذور الفلسفات الإباحية، والحركات غير الأخلاقية تنمو نمواً مطرداً.[16]

 

[1]  العلمانية، د. سفر الحوالي: ص33.

[2]  العلمانية: ص49- 50.

[3] انظر: العلمانية: 62.

[4] العلمانية: 64- 65.

[5] العلمانية: ص70.

[6] انظر لمناقشة الشيخ سفر الحوالي لهذه المقولة في كتابه العلمانية: ص66- 68.

[7] انظر لمناقشة الشيخ سفر الحوالي لهذه المقولة في كتابه العلمانية: ص68- 69.

[8] العلمانية: 76.

[9] انظر: العلمانية: 78- 79.

[10]  انظر: العلمانية: 79.

[11]  أنجيل متى: 16: 19، 20.

[12]  العلمانية: 82.

[13]  ج:14/15.

[14]  العلمانية: 93- 94.

[15]  العلمانية: 94- 95.

[16]  انظر: العلمانية: 95.