النص و التأويل /

موقف المذهب العقلاني من السنة النبوية [ مقال ]

[ الخميس 23 جمادى الأول 1437 هـ ] [ 1147 ]

لا يكاد يجهل مسلم مكانة ومنزلة السنة النبوية في التشريع الإسلامي؛ فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، بالإضافة لكونها شارحة ومفصلة لما جاء في كتاب الله مجملا، وناهيك عن كونها التجسيد الحقيقي للإسلام العملي بشكل عام. وانطلاقا من هذه الأهمية والمنزلة للسنة النبوية تنبع خطورة موقف المذهب العقلاني منها؛ حيث أنَّ تشويه صورتها والتشكيك بحجيتها وكونها المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم ينسف جذور الإسلام وأساسه المتين, ويلغي أهم أركانه ودعائمه.

وبينما يعتقد المسلون أن كل ما نقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير هو واجب الاتباع بناء على قول الله تعالى: ((... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا.. ))، الحشر: 7, وبناء على أنَّ أقوال الرسول مصدرها الوحي الذي نزل عليه بالقرآن: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى))، النجم: 3- 4؛ نلاحظ أن التشكيك والتوقف في مسألة حجية السنة النبوية هو السائد في موقف أنصار المذهب العقلي.

ومع تفاوت مواقف أنصار وأتباع المذهب العقلاني من السنة النبوية بين رافض لها ولحجيتها ومكانتها في التشريع الإسلامي بالكلية, وبين من لا يقبل من السنة إلا المتواتر منها، إلا أن القاسم المشترك لأتباع المذهب العقلاني في موقفهم من السنة النبوية هو: تحكيم العقل القاصر في قبول أو رفض ما ورد وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل او تقرير.

ويمكن تلخيص موقف المذهب العقلاني من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يلي:

يشكك العقلانيون في صحة نقل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسنته, بل يتهمون نوايا الصحابة الكرام بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم, ويزعمون أن النية لم تعد جمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وإنما أضحت دعم مواقف وآراء وأهواء, وأن رواة الحديث على وجه العموم -بمن فيهم الصحابة- قد وضعوا الأحاديث تبعا لمذاهبهم واتجاهاتهم وأهوائهم!!

ولعل من أبرز أمثلة قدح العقلانيين برواة الأحاديث من الصحابة الكرام الذي هو في الحقيقة طعن بالسنة النبوية بأكملها هو طعنهم بأكثر الصحابة رواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أبو هريرة", حيث يقول محمود أبو رية: "لو كانت أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلها من الدين العام –كالقرآن، لا يقوم إلا عليها ولا يؤخذ إلا منها, وأنه يجب على المسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها، لكان أكثر الصحابة رواية أعلاهم درجة في الدين, وأثبتهم قدما في الإيمان, وأسناهم مرتبة في العلم.. وهذا قد دعانا إلى أن نفرد ترجمة خاصة لمن كان أكثر الصحابة تحديثا وأوسعهم رواية, على حين أنه من عامة الصحابة, وكان بينهم لا في العير ولا في النفير, ذلكم هو أبو هريرة"[1].  

وهذا القدح الواضح في رواة ونقلة الحديث الشريف من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم, هو في الحقيقة محاولة خفية وخبيثة لهدم المصدر الثاني من التشريع الإسلامي, إلا أنها على كل حال محاولة مكشوفة ومفضوحة وفاشلة, فعدالة الصحابة أمر مجمع عليه بين علماء أهل السنة والجماعة.

بناء على ما سبق فإن أتباع المذهب العقلاني يشككون بكل ما نقله الصحابة الكرام من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية والتقريرية؛ ويدعون إلى الاكتفاء بكتاب الله تعالى (القرآن) كمصدر وحيد للتشريع الإسلامي, ومصدر فريد للتلقي الآمن حسب تعبيرهم.

إن الزعم بأنه لا حاجة لشيء بعد القرآن الكريم، والتذرع بشمول القرآن لكل شيء للتخلي عن السنة النبوية, ناهيك عن القول بأن القرآن قطعي بينما السنة ظنية, ولا يعدل من القطعي إلى الظني.. هي حجة واهية. فمن المعلوم عند أي طالب علم بالشريعة الإسلامية أن القرآن الكريم جاء بمجمل أوامر ونواهي الشريعة الإسلامية, وأن السنة النبوية هي التي فصلت وشرحت وبينت تلك الأوامر والنواهي, ولا أدلَّ على ذلك من بيان السنة لعدد ركعات كل صلاة وكيفيتها وشروطها وأركانها وسننها وآدابها, في الوقت الذي اكتفى فيه كتاب الله تعالى على الأمر بها بقوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ.. ))، البقرة: 43.

وقد أطنب أنصار المذهب العقلاني في الحديث عن هذه النقطة, وجعلوها مسرحا لشبهاتهم وتأويلاتهم الفاسدة. فها هو محمود أبو رية يقول: "وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: أقلوا الرواية عن رسول الله فيما يعمل به, ولا غرابة في أن يفعل ذلك عمر.. لأنه كان لا يعتمد إلا على القرآن والسنة العملية"[2]. وهذا كلام مناف للحقيقة! فقد كان عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء الراشدين يعملون بالسنة العملية والقولية, وكانوا يعتمدون عليها مع القرآن الكريم, وقد أخذ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بحديث الطاعون, وحديث المجوس, وحديث الديات.. وغيرها من الأحاديث القولية.[3]

كما أن دعوى عدم الحاجة للسنة بوجود القرآن الكريم باطلة ومنتقضة بنص القرآن الكريم الذي يقول صراحة: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا..))، الحشر: 7, وقوله تعالى: ((مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلَّى فَمَا أَرسَلنَاكَ عَلَيهِم حَفِيظًا))، النساء: 80؛ وبكثير من أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم، وأبرزها قوله: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، لَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنثَنِي شَبعَانًا على أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيكُم بِالقُرآنِ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ ومَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ..)[4].

ويطعن العقلانيون في مقاييس علماء الحديث, وينعتونها بالفساد والنقص, حيث يزعمون أن علماء الحديث اعتنوا بالسند دون المعنى والمتن, وأنه لا بد من تمحيص هذه المقاييس من جديد, ودراسة الأحاديث على ضوء العقلية الحديثة التي تزعم اتصافها بـ"العلمية"!

وقد ابتدع أتباع المذهب العقلاني مقاييس مادية لتمحيص الأحاديث النبوية, ومن تلك المقاييس: وجوب عرض أي حديث نبوي على العلم التجريبي الغربي, فإن خالف الحديث العلم التجريبي -حسب معيارهم- فلا يعتد به، وإن كان في صحيح البخاري ومسلم!

ومن هنا رد أتباع المذهب العقلاني الحديث الوارد في الصحيحين: (مَن اصطَبَحَ بِسَبعِ تَمَرَاتِ عَجوَةٍ لَم يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سَمٌّ ولَا سِحرٌ)[5], وقال محمد أحمد خلف الله: "هذا الحديث لا يمكن أن يكون صحيحا لأنه مخالف للعلم والواقع"[6].

وعلى الرغم من أن عدم ثبوت مخالفة العلم والواقع لنص الحديث, بل يمكن القول بأن العكس هو الصحيح, إلا أن أتباع المذهب العقلاني قد ردوا الحديث ولم يأخذوا به لمجرد معارضته للعلم حسب زعمهم؛ وهو ما يشير إلى أن مقياسهم في الأخذ بالحديث من عدمه غير منضبطة, إذ إن العلم على ألسنة المتخصصين قرر أنه ليس هناك شيء اسمه الحكم النهائي القطعي في مجال العلوم, "فالعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة"!

ومن أبرز الأحاديث التي ردها أتباع المذهب العقلاني بذريعة مخالفة العلم حديث الذباب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُم فَليَغمِسهُ ثُمَّ لِيَنزِعهُ، فَإِنَّ فِي إِحدَى جَنَاحَيهِ دَاءً والأُخْرَى شِفَاءً)[7].

لقد كان هجوم العقلانيين شديدا على هذا الحديث بدعوى مخالفته للعلم, فقال عبدالوارث: "أما حديث الذباب وما في جناحيه من داء وشفاء فحديث ضعيف, بل هو عقلا حديث مفترى"[8].  

والحقيقة أن مقياس المذهب العقلاني في رد الأحاديث الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمت إلى الموضوعية والعلم بصلة؛ بل يمكن القول بأنه مقياس أهوائي مزاجي, ناهيك عن كونه مكابر لا يرضخ لما زعم أنه المقياس والحكم عنده ألا وهو العلم, فعلى الرغم من أن العلم والطب أثبت منذ زمن ليس بالقريب أن الذباب يشتمل على جراثيم ومكروبات وعلى مضاداتها في نفس الوقت, حتى أضحى ذلك من بدهيات العلم والطب, إلا أن العقلانيين لم يتراجعوا عن موقفهم من حديث الذباب, وهو ما يؤكد أن المكابرة هي سمتهم وصفتهم وعادتهم.

يكثر على ألسنة العقلانيين اعتبار السنة النبوية مجرد تراث يفتخر به كغيره من المورثات التراثية التي لم تعد صالحة للتطبيق في العصر الحديث, كما أن دعوتهم للاهتمام بالسنة النبوية لا تعدو أن تكون مجرد متعة أدبية وفنية وبلاغية لا أكثر!

أما إذا تعلق الأمر بالعلم فيرى أتباع المذهب العقلاني أن الكثير من أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الثابتة عنه وفق المنهج العلمي الفريد الذي تمتاز به الأمة الإسلامية "منهج علم الرجال والجرح والتعديل وأصول دراية ورواية الحديث الشريف".. يرونها أحاديث غير صحيحة ولا تثبت وفق طريقتهم المزاجية.

ومن أمثلة ذلك ما قاله محمود أبو رية مشككا في صحة كثير من الأحاديث الثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم: "ولما وصلت في دراستي إلى كتب الحديث المعتمدة لدى الجمهور, ألفيت فيها من الأحاديث ما يبعد أن يكون في ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه من محكم قوله وبارع منقه -صلى الله عليه وسلم, ومما راعني أني أجد في معاني كثير من الأحاديث ما لا يقبله عقل صريح , ولا يثبته علم صحيح, ولا يؤيده حس ظاهر, أو كتاب متواتر"[9].

ويعتبر التعميم الخاطئ من أبرز سمات موقف المذهب العقلاني من السنة النبوية, إذ لم يكتف أتباعه برد كثير من الأحاديث الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم  -كما سبق، لمجرد مخالفتهم العلم بزعمهم, بل راحوا يطعنون بصحة كتب السنة بأكملها، وعلى رأسها صحيح البخاري ومسلم!

فها هو أحمد زكي أبو شادي يقول: "وهذه سنن ابن ماجه والبخاري.. بل وجميع كتب الحديث والسنة طافحة بأحاديث وأخبار لا يمكن أن يقبل صحتها العقل, ولا نرى نسبتها إلى الرسول الكريم صاحب أعظم شريعة عقلية إنسانية"[10].

إن الضيق بكتب السنة النبوية والحديث الشريف من أهم سمات موقف المذهب العقلاني, إذ إنهم يرون الاهتمام بها من أسباب التخلف, بل تجرأ بعضهم بالزعم بأن السنة النبوية لا تنسجم مع القرآن الكريم. يقول أحمد زكي أبو شادي: "وأما التغني بأبي داود والترمذي والنسائي ومسلم وترديد الأحاديث الملفقة التي لا تنسجم وتعاليم القرآن.. فبمثابة الخيانة لرسالة الإسلام الخالدة"[11].

والحقيقة أن دعوى أتباع المذهب العقلاني تعارض بعض الأحاديث الصحيحة في كتب السنة مع كتاب الله هي دعوى باطلة ومغرضة, ولم يستطع أحد منهم أن يثبت تعارضا واحدا من هذا القبيل, الأمر الذي يؤكد أن الأمر لا يعدو التشغيب على السنة النبوية, ومحاولة التشكيك بصحتها وحجيتها في الإسلام.

والخلاصة أن موقف المذهب العقلاني من السنة النبوية هو موقف المشكك بحجية الشطر الثاني لدين الله بعد القرآن،  ليس بناء على منهجية علمية أو عقلية كما يزعمون, بل بناء على أهواء وأمزجة واتباع لسَنَن الغربيين والمستشرقين الذين يقدمون العقل على النقل.

وإذا كان المستشرقون الغربيون مضطرون لهذا التقديم نظرا للتحريف الذي أصاب دينهم وإنجيلهم.. فإن المسلمين ليسوا كذلك, فالقرآن الكريم المحفوظ بحفظ الله، لم ولن تجد آية من آياته تتعارض مع العلم أو العقل الصريح, كما أن صحيح السنة النبوية التي نقلت إلينا بأعظم منهج علمي هو "السند".. لا يمكن أن يتعارض حديث صحيح منها مع العقل الصريح.

 

[1]   أضواء على السنة النبوية: ص194- 195.

[2]  المرجع السابق: ص55.

[3]  السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، لمصطفى لسباعي: ص68- 69.

[4]  رواه الإمام أحمد في مسنده، بسند صحيح: حديث رقم 17174.

[5]  صحيح البخاري: برقم 5779.

[6]  الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة: ص167.

[7]  صحيح البخاري: برقم 3320.

[8]  مجلة العربي الكويتية، عدد 82، عام 1385ه، نقلا عن كتاب الاتجاهات العقلانية الحديثة للأستاذ الدكتور ناصر بن عبدالكريم العقل، ص240.

[9]  أضواء على السنة المحمدية: ص19.

[10]  ثورة الإسلام: ص44.

[11]   المرجع السابق: ص25.