النهضة و التغيير /

القيم السياسية في الخطاب القرآني (قيمة الشورى نموذجاً) [ دراسة ]

[ الخميس 7 صفر 1437 هـ ] [ 1191 ]

هذا المقال ملخص بحث للدكتور رضوان جمال الأطرش، الأستاذ المشارك بقسم القرآن والسنة بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا. وهو منشور على صفحات مجلة الإسلام في آسيا (العدد الأول: مارس 2011م)، بذات العنوان.

الشورى مع أصحاب الدراية والاختصاص من الخطوات الحوارية الهامة في سبيل اتخاذ القرار السياسي لتجنب الوقوع في الخطأ. وهي تهدف إلى تطابق العقل والنقل في تآلف الفكر الجماعي. يصحبه سلوك وممارسة مع الصدق في القول والإخلاص في التطبيق

والشورى حجر الزاوية في بناء الدولة المسلمة، وأساس من أسس الحكم الإسلامي؛ فهي تؤثر في تماسك بناء الأمة، وتآلف قلوب أبنائها، وتشعر الجميع بالمسئولية؛ وهي دليل الوحدة المقصدية للأمة مع السلطة لتقوم بدورها الحضاري خير قيام.

وقد أمر الله –سبحانه- بالشورى رسوله -صلى الله عليه وسلم، رغم استغنائه عن آراء الصحابة -رضوان الله عليهم- بالوحي؛ ولكن ليؤكد أن تطبيق منهج ومبدأ الشورى له فوائد تعليمية وتربوية واجتماعية وسياسية؛ وليستن المسلمون بفعله -صلى الله عليه وسلم، ويحتذوا بأفعاله، فهو القدوة الحسنة في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة.

لقد مدح الله أهل الإيمان بإعمالهم للشورى في أمورهم وشأنهم العام؛ فقال تعالى: ((وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) [الشورى: 38]. إنه تعبير عن اتخاذهم قراراتهم عن طريق التفاهم والمشاركة وتبادل الآراء. إن ممارستهم للشورى دليل على التآخي والصدق والإخلاص وإرادة الحق للجميع ومن الجميع بها؛ والتوفيق والسداد والمعونة من الله تشملهم وترعاهم.

إن أسعد فترات الأمة المسلمة هي التي طبقت فيها شريعة ربها, وسادت فيها الشورى حياتها. ويشهد التاريخ بأن أسوا وأشقى الفترات التي مرت بها الأمة هي تلك التي أبعدت فيها شريعة الله عن واقع حياتها, واستبد فيها حكامها، وألغيت فيها الشورى من قواميسها وواقع حياتها!

إن الشورى عَلَم مِن أعلام دولة الإسلام والأمة الإسلامية, لا تقتصر فقط على اختيار رئيس الدولة أو الحاكم, بل في استخراج الرأي الصحيح في القرار السياسي الصادر عن السلطة في ممارسة الحكم وإدارة شئون الأمة.

وفي المبحث الأول تطرق الباحث إلى: "القيمة الحقيقية للشورى في القرآن الكريم". وأكد على أنه بالرغم من أن آيات سورة الشورى مكية إلا أنها وصفت المؤمنين بالوصف الذي يحتاجونه في مواجهة الصعاب في مرحلة الاستضعاف وفي أثناء بناء الدولة. لتضع لهم بداية الركائز الأساسية لهم حتى قبل الحاجة إليها. فجاء وضع قيمة الشورى بين أهم فريضتين في الإسلام وهما الصلاة والزكاة. فالصلاة والزكاة والشورى تنبت عددا من المفاهيم التحررية التي تحرر الإنسان من كل أساليب العبودية لغير الله، وتجعله قادرا على البناء الحضاري.

وأضاف بأن الشورى جاءت في القرآن الكريم كمفهوم خاص للأمة المسلمة، وخصص لها مكانة عالية، لدرجة أن تسمى باسمها سورة كاملة، لتكون قيمة ثابتة بدوام القرآن الكريم. فالأمة الإسلامية لا يمكن أن يتولد منها مشاريع حضارية للعالم ما لم تأخذ الشورى مكانتها الطبيعية التي أعطاها لها القرآن الكريم في واقع الناس وعلى جميع المستويات.

لقد كانت الشورى وسيلة فاعلة في الحفاظ على حق المسلم في إبداء رأيه في القضايا المصيرية التي تهم المسلمين، لتؤكد انسجام الفرد التام مع الأمة، وبغيته في إدراك الصواب وإحقاق الحق. وقد أنزلت سورة الشورى والمسلمون مستضعفون في مكة قبل أن يكون هناك كيان سياسي أو سلطة, ليدل ذلك على أهمية تقعيد القواعد قبل البناء.

وحول الإجابة على سؤال: لماذا تحظى الشورى بكل هذه الأهمية من الاهتمام؟ أشار الباحث إلى أن الحياة الإسلامية امتازت عن بقية حياة الناس في الكون, فهي تأسست على الاستخارة والاستشارة والتفكير والعمل الجماعي للوصول إلى نتائج عملية سليمة, مراعية كل مصالح أفراد الجماعة. وقال: إن هناك فوائد من أمر الله تعالى لرسوله بالمشاورة من وجوه:

  • مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لهم توجب علو شانهم ورفعة درجتهم.

  • أنه صلى الله عليه وسلم -وإن كان أكمل الناس عقلا- إلا أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله, وخاصة في الأمور الدنيوية، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (أنتم اعلم بشئون دنياكم).

  • وليكون قدوة لمن بعده يتأسى بها، كما قال الحسن رضي الله عنه: (إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة وتصير سنة في أمته).

  • وشاورهم في الأمر لكي يعلم مقادير عقولهم وأفهامهم، فيتميز الفاضل من المفضول منهم، ويتعامل معهم على قدر منازلهم؛ فقد شاورهم في غزوة أحد، فأشار عليه شباب الصحابة بالخروج، وكان ميله لرأي الشيوخ والبقاء في المدينة. فوقع ما وقع. ومع ذلك أمره الله بعدها أن يشاورهم، ولم يبق في قلبه أثرا لما حدث.

  • وشاورهم في الأمر لأجل أن يجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في المسألة، فتصير الأرواح متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه لها، فتنموا مداركهم ويتسع فكرهم ويعمق نظرهم.

وفي المبحث الثاني تحدث الباحث عن "كيفية إجراء الشورى ومجالات تنفيذها". وذهب إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك نظام الشورى للأمة من غير أحكام محددة يتبعها المسلمون. ما جعل فيه مرونة عالية، بحسب اختلاف أحوال الأمة في كثرتها وقلتها وشئونها ومصالحها. فلا يمكن أن تكون هناك أحكام معينة توافق جميع الأحوال في كل زمان ومكان. ولذلك اختلف شكل بيعة الخلفاء الأربعة فكان لكل طريقته ونموذجه.

وهذا الأمر من حسنات الشريعة واحتياطها للمستقبل؛ واعتبار الشكل الذي يرتضيه المنطق ويوافق كل عصر, فلا إلغاء لدور الأمة وحقها في الشورى, ولا إلغاء لدور الحاكم ورأيه, فالشكل ليس مصبوبا في قالب حديدي!

ثم أجاب الباحث عن سؤال: من نستشير؟ ووضع بعض الشروط فيمن يمكن أن يسمى مستشارا؛ وذكر منها:

  • أن يكون مسلما مؤمنا تقيا حريصا على مصلحة الدين والأمة والوطن.

  • أن يكون متضلعا متخصصا في الموضوع الذي يستشار فيه.

  • أن يكون أمينا على قضايا الأمة حتى يقدم رأيه في نزاهة وإخلاص.

  • أن يكون حرا شجاعا آمنا، بحيث يمكنه أن يقول رأيه حتى لو خالف المستشير بأمان واطمئنان.

  • أن يكون موضع ثقة، فيختارون بلا إكراه ولا إجبار ولا تحايل.

وختم الباحث هذا البحث بخاتمة أكد فيها ولخص المعاني السابقة من أهمية الشورى وكيفية تطبيقها؛ كما أكد على ضرورة فهم وتفعيل هذا المعنى الإسلامي العريق العميق الأصيل, فلا غنى للأمة عن الشورى الصحيحة ففيها نجاتها.

 

- - - - - - - -

ملاحظة: هذا المقال ملخص بحث للدكتور رضوان جمال الأطرش، الأستاذ المشارك بقسم القرآن والسنة بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا. وهو منشور على صفحات مجلة الإسلام في آسيا (العدد الأول: مارس 2011م)، بذات العنوان.