النص و التأويل /

المصطلح القرآني منهج وتطبيق [ دراسة ]

[ الخميس 7 صفر 1437 هـ ] [ 1385 ]

وفي إطار الاهتمام بالتفسير الموضوعي برزت أهمية المصطلح القرآني بدراسته دراسة منهجية علمية دقيقة. وبدأه العلماء الأولون بما سموه "الألفاظ القرآنية"، أو "مفردات ألفاظ القرآن"، كإدراك مبكر منهم لأهمية هذه المصطلحات.

هذا المقال ملخص لورقة بحثية بنفس العنوان، ألقاها الدكتور عثمان جمعة ضميرية في مؤتمر "التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.. واقع وآفاق"، الذي أقامته كلية الشريعة بجامعة الشارقة.

يقول المحاضر الدكتور عثمان ضميرية في مقدمة ورقته البحثية إن أعظم المنن التي من الله بها على عباده الذين خلقهم في أحسن تقويم أن أنزل عليهم دينه وكتبه، وآخرها زمنا وأعظمها منزلة القرآن الكريم. فامتن الله على عباده بأن علمهم القرآن قبل أن يذكر منته بخلقهم وبتعليمهم البيان. قال سبحانه: ((الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)) [الرحمن: 1- 4]. وقد أنزل القرآن الكريم بأشد اللغات تمكنا وأشرفها تصرفا، وأعدلها بيانا، ولذلك جعلت حلية لنظر القرآن وعُلِّق بها الإعجاز، وصار دلالة في النبوة.

وفي إطار الاهتمام بالتفسير الموضوعي برزت أهمية المصطلح القرآني بدراسته دراسة منهجية علمية دقيقة. وبدأه العلماء الأولون بما سموه "الألفاظ القرآنية"، أو "مفردات ألفاظ القرآن"، كإدراك مبكر منهم لأهمية هذه المصطلحات.

بعد هذه المقدمة جعل الباحث بحثه في ثلاثة مباحث:

فكان أول هذه المباحث بعنوان: "أهمية تحديد المصطلح في البحث العلمي".

وذكر فيه المحاضر أن هذه الأهمية تكمن في أن الكلمات والألفاظ التي ينطق بها الإنسان، وتعبر عمَّا في نفسه، تختلف معانيها ودلالاتها بحسب تأثير جملة من العوامل. فغدت تحديد معاني الكلمات ضرورة هامة وخاصة عندما تصبح الكلمات مصطلحا فنيا يشيع استعماله في علم من العلوم.

مضيفا بأن المصطلحات العلمية تنشأ في بيئة فكرية وحضارية خاصة، تتأثر بمعطياتها، فيصبح تفسيرها إذا نقلها لبيئة أخرى ضروريا جدا. كما قال الإمام أبو جمرة الأندلسي في بهجة النفوس: "ما أتى الفساد على الفقهاء المتأخرين إلا من وضعهم الأسماء على غير المسميات؛ لأنه كانت الأسماء في الصدر الأول على صيغ جائزة بوجوه شرعية، وهي اليوم على غير وجه جائز، فأجازوا غير الجائز لاشتراكه في الاسم مع غير الجائز".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -في الفتاوى: "من لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها، ويخاطبهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعادتهم في الكلام، حرَّف الكلم عن مواضعه.." إلى آخر كلماته. وكذلك نبه تلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين" على مثل هذا الأمر لخطورته.

في المبحث الثاني، والذي هو "منهج دراسة المصطلح القرآني"، قال د. عثمان ضميرية: إن على كل باحث في المصطلحات القرآنية أن يراعي جملة من القواعد والضوابط؛ منها:

  • استقراء المعنى اللغوي، وصلته بالمعنى الشرعي واللفظ القرآني والاصطلاحي.

  • الاهتمام بالتفسير النبوي للألفاظ القرآنية.

  • أن لا تحمل الألفاظ القرآنية والمعاني الشرعية الأصلية على المعاني الحادثة والمتأخرة.

  • ألا يدخل الباحث في المصطلح القرآني في مجال التفسير بمقررات عقلية أو مذهبية سابقة، ويحمل الألفاظ القرآنية عليها، ويجعلها تابعة لهذه المقررات.

  • أن يفرق بين المعاني المفردة للألفاظ، والمعاني العامة أو المركبة؛ مع ضرورة فهم الألفاظ في سياقها اللفظي، والاهتمام بتفسير الألفاظ في مواضعها المتعددة.

ثم ذكر غير ذلك من القواعد والضوابط.

أما في المبحث الثالث وعنوانه: دراسة تطبيقية على مصطلح "الدين"؛ فقد ذكر المحاضر أن "الدَّين" في اللغة يدل على معنيين: أحدهما يدل على الطاعة والانقياد والخضوع والذل, والثاني يدل على العادة المستمرة. ثمَّ بدأ الباحث بتتبع تطور دلالة اللفظ بمنهج استقرائي في ترتيب المعاني المتفرعة عن الأصل اللغوي.

ففي السياق اللغوي في كلام العرب، جاء الدين:

  • بمعنى الطاعة والانقياد: كقولهم فلان في دين فلان أي في طاعته.

  • وبمعنى الذل والخضوع والعبودية: فيقال دان نفسه أي أذلها واستعبدها.

  • وبمعنى الملك والسلطان: كقولهم دان فلان لفلان فهو يدين له دينا, وقيل: الناس على دين ملوكهم.

  • وبمعنى الحال التي يخضع لها الإنسان سواء كان خضوعا طارئا أو مستمرا، كقول النضر بن شميل: سألت أعرابيا عن شيء، فقال لي: لو لقيتني على دين غير هذه لأخبرتك. أي على حال غير هذه.

  • وبمعنى العادة والشأن مطلقا، فيصدق على الحق والباطل, فتقول العرب: ما زال هذا ديني وديدني وديداني وديدوني.

  • وبمعنى السياسة، ومنه قولهم: ديننه القوم.. أي ملَّكُوه إياهم وولوه سياستهم.

  • وبمعنى الجزء والمكافأة، فيقال: دنته بما صنع دِينا ودَينا.. أي جزيته, ومنه قولهم: كما تدين تدان.

  • وبمعنى الداء: كقول اللحياني: يا دين قلبك من سلمى وقد دينا.. أي يا داء قلبك.

وفي سياق الخطاب القرآني جاء الدين:

  • بمعنى الطاعة والانقياد: كما في قوله تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)).

  • وبمعنى الجزاء في الخير والشر والمكافأة عن الأعمال، كقوله تعالى: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)).

  • وبمعنى الحكم والقضاء: كقوله سبحانه: ((وَلَا تَأخُذكُم بِهِمَا رَأفَةٌ فِي دِينِ الله)).

  • وبمعنى الطريقة: كقوله تعالى: ((لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)).

  • وبمعنى الملة: كقوله سبحانه: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)).

  • وبمعنى الشريعة: كقوله سبحانه: ((شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..)).

وفي سياق الاصطلاح الحديثي في السنة النبوية جاء الدين بنفس المعاني التي جاءت في القرآن الكريم. كقوله -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لمشركي قريش: (قولوا كلمة تدين لكم بها العرب والعجم)، قال أبو جهل: وأبيك وعشراً نعطيك، ولو طلبت مئات الكلمات.. ما هي الكلمة؟ قال: (قولوا: لا إله إلا الله)، قال: أما هذه فلا.

وفي الختام أوصى المحاضر -في نهاية بحثه- بتوجيه الباحثين والدارسين في الدراسات العليا للاهتمام والدراسة المنهجية للمصطلحات القرآنية وأثرها في الفكر الإسلامي بعامة وفي التفسير الموضوعي بخاصة؛ كما أوصى بالعناية بكتب التراث الإسلامي في هذا الجانب، وتحقيقها ونشرها نشرا علميا موثقا؛ مثل كتب: "الأشباه والنظائر" و"مفردات القرآن" وغيرها.

وتمنى المحاضر أمنية أن يُؤلف معجم قرآني ولغوي تاريخي يُعنى بتطور دلالات الألفاظ وتطورها لما له من أهمية بالغة في المعرفة والفكر الإسلامي.