عام /

بعض افتراءات الغرب على الإسلام السياسي [ عام ]

[ الثلاثاء 1 شعبان 1436 هـ ] [ 129 ]

ففي مقالة نشرها المعهد أشار إلى أن ما تشترك فيه كل التيارات السياسية الإسلامية هي "أيديولوجية غير ليبرالية لا تحترم القيم العالمية ولا تتبناها"، على حد وصفه.

 

 

لم يسلم الإسلام بشكل عام – كدين - عبر تاريخه الطويل مع أعدائه من حرب معلنة ضده منذ قرون، ولعل الحرب الأشد كانت ضد ما بات يعرف حديثا "الإسلام السياسي", نظرا لإدراك الغرب خطورة ارتباط الدين بالسياسة في الإسلام ارتباطا وثيقا، وأثر قيام الدولة الإسلامية حقيقة بناء على ذلك الارتباط.

ومن هنا يمكن فهم تركيز العلمانية الغربية على قضية فصل الدين عن الدولة، بل واختزال البعض العلمانية بذلك المفهوم الضيق، بينما هي في الحقيقة تعني "اللادينية" وفك ارتباط الدين بالحياة عموما.

والحقيقة أن الحملة الغربية ضد ما يسمى "الإسلام السياسي" لم تتوقف منذ انهيار وسقوط الخلافة العثمانية، من خلال تسويق فكرة أن الدين لا يتفق مع السياسة، وأن مكان الدين الطبيعي هو المعبد فحسب، في محاولة واضحة لاستنساخ التجربة الغربية مع النصرانية المحرفة على الإسلام والمسلمين، ومحاولة ربط نهضة الدول الإسلامية بتبني العلمانية الغربية، وإعادة تجربة الغرب بفصل الدين عن السياسة.

ويبدو أن هجوم معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى على الحركات الإسلامية بجميع أطيافها وتياراتها السياسية والفكرية يأتي في هذا الإطار والمضمون؛ حيث زعم أنّها لا تحترم القيم العالمية.

ففي مقالة نشرها المعهد أشار إلى أن ما تشترك فيه كل التيارات السياسية الإسلامية هي "أيديولوجية غير ليبرالية لا تحترم القيم العالمية ولا تتبناها"، على حد وصفه.

ومن المعلوم أن القيم الليبرالية هي عبارة عن شعارات – من أمثال الحرية الفردية والمساواة والعدالة - أثبتت الوقائع والأحداث المعاصرة أنها فارغة المضمون والمحتوى، وأنها للدعاية والاستغلال السياسي فحسب، وليس لها أي حقيقة أو رصيد على أرض الواقع.

واتخذ المعهد - وهو معروف بأنه الذراع الفكري للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة - من حادثة الهجوم الأخير على مسابقة الرسوم المتحركة المتعلقة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في دالاس، والاقتراحات اللاحقة التي كتبها النقاد والسياسيون، نقطة ارتكاز لهجوم لاذع على الإسلام السياسي والحركات والجماعات والأحزاب المنبثقة عنه، ومنطلقًا لإثارة "تساؤل مسموم"، هو: هل الإسلام يتوافق مع الغرب؟

وانطلاقا من هذا التساؤل بدأت افتراءات المعهد الغربي على ما يسمى "الإسلام السياسي"، والتي يمكن تلخيصها بما يلي :

1- اعتبار أن الإسلام لا يعني الإسلام السياسي، بل إن الإسلام هو الإيمان؛ والإسلام السياسي هو أيديولوجية متطرفة وعنيفة أحيانا وغير تاريخية، تسعى إلى كسب شرعيتها عبر الإسلام، وتهدف إلى خلق نظام عالمي غير ليبرالي جديد، يأخذ تبريره من الماضي المتخيّل والصارم من فترة الصحارى في القرن السابع الميلادي.

ولا شك أن فكرة اعتبار الإسلام هو الإيمان والعبادة فحسب، ولا علاقة له بإدارة وسياسة أمور الناس وشؤونهم، هي فكرة غربية مسمومة وخطيرة، تهدف إلى عزل الإسلام عن حياة الناس المادية والسياسية، وقصره على الشعائر التعبدية.

2- الزعم بأن العلاقة بين الإسلام والإسلام السياسي هي أقرب إلى العلاقة بين الطبقة العاملة والشيوعية في الحرب الباردة، فقد حاولت الأيديولوجية الشيوعية استخلاص شرعيتها من الطبقة العاملة وسعت إلى التحدث باسمهم، ويحاول الإسلام السياسي أن يفعل الشيء نفسه، مستشهدا بأن الإسلام السياسي لا يمثل المسلمين في أيامنا هذه.

وهذا الزعم باطل وفاسد بلا ريب، فبينما فرضت الشيوعية نفسها على الناس فرضا، دخل الناس في الإسلام – بما يتضمنه من أمور الدين والدنيا - طواعية، وإذا كانت "داعش" وأمثالها لا تمثل المسلمين، فإن هذا لا يعني الطعن بحقيقة شمول الإسلام للجانب السياسي من حياة الناس.

3- انتقاد جميع تيارات الإسلام السياسي دون استثناء، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية التركي، رغم النجاحات التي حققها والنمو الاقتصادي الهائل أثناء حكمه؛ زاعمًا أنه استغل شعبيته لتقويض الوسائل الديمقراطية المسؤولة عن تحقيق التوازن بين السلطات، بما فيها دستور البلاد العلماني ووسائل الإعلام والمحاكم.

وهو في الحقيقة افتراء لا يحتاج إلى دليل لإثبات زيفه وبطلانه، فجعل جميع التيارات الإسلامية في سلة واحدة – هي سلة الإرهاب المادي أو المعنوي – مغاير للحقيقة والواقع، وبعيد عن الموضوعية، ويفضح حقيقة عداء الغرب للإسلام السياسي على وجه الخصوص، وما خفي كان أعظم.