أصول و محكمات /

الحرية الشرعية في الحكم الإسلامي [ دراسة ]

[ السبت 9 رجب 1432 هـ ] [ 318 ]

الحكم في الإسلام مؤسس على الحرية الشرعية ليقوم بالمحافظة عليها ورعايتها لتكون العبودية من خصائص الله تعالى، فلا ذل ولا خضوع ولا رغبة ولا رهبة ولا تعلق إلا بالله تعالى وحده. وتأسيس الحكم في الإسلام على الحرية ومحافظته عليها يبين المكانة العالية لتحرير الإنسان من الإنسان، وإفراد العبودية لله تعالى دون شريك.

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

 فإن الحكم في الإسلام مؤسس على الحرية الشرعية ليقوم بالمحافظة عليها ورعايتها لتكون العبودية من خصائص الله تعالى، فلا ذل ولا خضوع ولا رغبة ولا رهبة ولا تعلق إلا بالله تعالى وحده. وتأسيس الحكم في الإسلام على الحرية ومحافظته عليها يبين المكانة العالية لتحرير الإنسان من الإنسان، وإفراد العبودية لله تعالى دون شريك.
ويتضح ذلك من خلال الأصول التالية:

أولاً: إقامة العدل ونفي الظلم:
العدل اسم جامع لوضع الأمور في مكانها الصحيح، والظلم بعكس ذلك، يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }[النحل/90]، ويقول تعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}[النساء/58]، ويقول تعالى:{ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[الأنعام/152]، ويقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المائدة/8]، وفي الحديث: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"(1)، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم  "ليس من وال أمة قلّت أو كثرت لا يعدل فيها إلا كّبه الله تبارك وتعالى على وجهه في النار"(2). والنصوص الشرعية الواردة في الأمر بالعدل والنهي عن الظلم كثيرة.
 والعدل عمل اختياري متوافق مع سنة الله تعالى  الكونية الاضطرارية، والظلم ضد ذلك، فانعدام العدل يجلب الفساد والهلاك والاضطراب، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية "العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، وإن لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة"(3)
ومن العدل تحكيم شريعة الله تعالى في الناس، لأن الناس لا يجوز أن يخضعوا للأهواء البشرية الوضعية، إنما يكون خضوعهم وذلهم لخالقهم، وقد شرع لهم ما يحقق مصالحهم ويدرأ المفاسد عنهم.
ومنه إعطاء الأفراد حرياتهم وعدم التدخل فيها، لأنها حقوق خاصة لا يجوز الدخول فيها إلا بإذن من الله تعالى (4)أو من صاحبها بالصورة المشروعة.
ويدخل في العدل استقلال القضاء، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته لأن الأصل براءة الذمة، ومنع الظلم في إجراءات التحقيق، والتساوي أمام القضاء الشرعي، وعدم التفريق بين الناس أياً كان وصفهم وهيئتهم وغير ذلك من الإجراءات الجزائية المانعة من الظلم والتعسف واتباع الهوى والمجاملة لأصحاب الرئاسة والجاه.

فكل ظلم في التقاضي وإجراءاته أو الحكم القضائي واستقلاله لا يجوز أن ينسب إلى الإسلام، لأن الشريعة لا تقر الظلم وترفضه وتنهى عنه.
 ومن قضايا العدل الأساسية إعطاء الحقوق مثل حق التعليم والملكية والتنقل والعمل، وضمان حاجيات الإنسان والمحافظة عليه ومساعدته وقسمة الثروات بالسوية، ومنع انتهاك حرمات الناس وأعراضهم وأموالهم، وغيرها من الحقوق الكثيرة(5)
وجماع العدل هو العمل بالإسلام كله في تشريعه العادل، وأخلاقه الفاضلة، فإن الإسلام جاء بما يصلح الإنسان في دينه ودنياه.

ثانياً: اختيار الحاكم:
إقامة الدولة أمر ضروري لإقامة دين الله تعالى والحفاظ عليه وتحكيم شريعته في الناس، وحفظ الحقوق والحدود، وقد انعقد الإجماع القطعي (6)على وجوب الإمامة وإقامة الحاكم المحقق لمقاصدها. يقول الغزالي "السلطان ضروري في نظام الدين ونظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري للفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعاً، فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه" (7)واختيار الحاكم هو عبارة عن عقد يتم بين الأمة وبين الحاكم، فالحكم ليس حقاً موروثاً لأحد بعينه، وإنما هو اختيار حر من الأمة لمن تنطبق فيه الأوصاف الشرعية التي يتحقق بموجبها مقصود الإمامة في إقامة الدين وسياسة الدنيا به.
ولهذا عقد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الإمامة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  لأبي بكر الصديق ولم يصبح إماماً إلا بعد هذا العقد الذي تم عن حرية تامة (8)وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر بذلك إماماً، وإنما صار أبو بكر إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة...وكذلك عمر لما عهد إليه أبي بكر إنما صار إماماً لما بايعوه وأطاعوه، ولو قُدّر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماماً ... ( و ) عثمان لم يصر إماماً باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان لم يتخلف عن بيعته أحد "(9)
وهذا العقد معقول المعنى لأنه وكالة في إدارة الإمام لشؤون الأمة بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد ولهذا يجوز فسخه وعزله وفي ذلك يقول البهوتي: "وتصرفه (10) على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه، ولهم (11)عزله إن سأل العزل، لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أقيلوني أقيلوني. قالوا: لا نقيلك" (12)
وقاعدة العقود في الشريعة الإسلامية تقوم على أن الرضا ركن أساسي في صحتها فلا يصح العقد مع الإكراه كما قال تعالى:{إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}[ النساء/29].

ولا شك أن الإمامة والحكم أهم وأولى من البيع والإجارة وسائر العقود، لأنها مرتبطة بمصالح المسلمين العامة فلا يتصور صحة عقد الإمامة مع الإكراه.
فلا يمكن أن يفتى ببطلان البيع عن غير رضا في ربع دينار، ويصحح في عقد الإمامة مع الإكراه وهذا مما يدل مجرد تصوره على بطلانه.
وإذا كان طريق تعيين الإمام هو اختيار الأمة، فإن الاختيار يعني الحرية، لأن الاختيار ينتفي مع وجود الإكراه، فالاختيار إرادة حرة في الترجيح بين أمرين أو أكثر.

ثالثاً: الشورى الملزمة للحاكم:
الشورى في أمور الحكم من حقوق الأمة، وهي تتضمن: اختيارهم للإمام ابتداءاً، والصدور عن رأي أغلبيتهم بعد توليه، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الحل والعقد الذين أمرهم أن يختاروا إماماً بعد وفاته:" من تأمر منكم على غير مشورة المسلمين فاضربوا عنقه" وفي رواية:" لا بيعة له ولا لمن بايعه" (13)، وقد تقدم الكلام في وجوب الشورى في اختيار الإمام ابتداءاً.
أما وجوب التزام الإمام لشورى أهل الحل والعقد بعد توليه فلا خلاف فيها إذا كان في أمر ليس له فيه علم، لأن فرضه هو سؤال أهل العلم كما قال تعالى:{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل/43].
فإذا "لم يكن مجتهداً في دين الله لزمه تقليد العلماء واتباعهم، وارتقاب أمرهم ونهيهم، وإثباتهم ونفيهم" (14).
 أما إذا كان من أهل العلم فإن الصحيح أن الشورى واجبة عليه، وملزمة له لأن أصل اختياره يعود إلى الأمة، وتدبيره يكون في شؤونهم، فيجب أن يعود إليهم، ويصدر عن رأي الأغلبية فيهم، خاصة فيما يتعلق بالأمور المصيرية، والمصالح العامة، والقضايا الخطيرة.
ويدل على هذا قوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}[آل عمران/159]. وقوله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}[الشورى/38]. وفي حديث عبد الرحمن بن غُنْم  رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما:"لو أنكما تتفقان على أمرٍ واحد ما عصيتكما في مشورة أبداً" (15).
 والسيرة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم  تثبت أنه لم يشاور أصحابه ثم يُعرض عن رأي الأغلبية  (16)، ولا ريب أن الالتزام برأي أهل الشورى ضمان من الوقوع في الاستبداد والظلم والخطأ في الرأي، لأن قول الأغلبية أقرب للصواب من رأي الفرد (17).
ولا يصح الاستدلال بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم  لأصحابه في صلح الحديبية لأن هذا مما لا مجال للرأي فيه، فالصلح تم بناء على وحي إلهي لا مدخل للرأي فيه (18).
وهذه الشورى الملزمة للإمام لا تكون بالإكراه، وإنما تكون بحرية تامة، لأنها لا يمكن أن تؤدي نتيجتها، وتؤتي ثمارها إلا بحرية واستقلالية لا تخضع للضغوط.


والغرض الأساسي من الشورى هو الوصول لأفضل السبل وأقوم الطرق المحققة للمقاصد الشرعية، وهذا ما يمنع من استبداد الإمام واستقلاله التام عن الأمة في تقرير مصالحها، فهذا الاستبداد وهذه الاستقلالية مظنّة الظلم وتقديم الرغبات الخاصة على المصلحة العامة للأمة، وهذا يدل على تقييد الشورى لسلطة الإمام في طاعة الله تعالى, وهو أصل شرعي في باب الإمامة تدل عليه كثير من النصوص الشرعية كقوله صلى الله عليه وسلم  :"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (19) وهذا المعنى متواتر في القرآن والسنة.
"إن الشورى في حقيقتها عبارة عن مداولة الآراء بين أهل الرأي والخبرة والحكم في مشورة الأمة ومصالحها العامة، ولذلك نجد أن الشورى لا تتحقق إلا بتوفير الحرية، بحيث يستطيع أن يعبر كل عضو من أعضاء مجلس الشورى عن رأيه بحرية تامة، ولو انعدمت الحرية لأهل الشورى بحيث لا يستطيعون التعبير عن رأيهم بأمان، لانتفى معنى الشورى وانتفى مقصودها. فلا شورى بدون حرية تمكن أهل الشورى من إبداء رأيهم، وما يعتقدون صوابه دون خوف أو وجل، أو رغبة أو رهبة."(20)

رابعاً: مراقبة الحاكم وتقويمه:
سبق أن بينتُ أن الأمة هي صاحبة الاختيار للإمام ابتداءًا، وكذلك فإن الأمة هي صاحبة الشورى الملزمة للإمام لاسيما في المصالح العامة، والأمور المهمة، وبناءً على ذلك فهي مسؤولة عن مراقبته وتقويمه وإلزامه بمقاصد الإمامة كتحكيم الشريعة الإسلامية، والالتزام بالعدل، وتحقيق مصالح الأمة ودرء الشر عنها، وتوفير كل ما يحقق هذه المصالح من الأسباب والآليات.
وهذه الحرية تستند إلى أصول الإسلام الكبرى، وحقائقه العظمى، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، واعتقاد أن الذي لا يسأل عن فعله هو الله تعالى، أما المخلوقين فهم مسؤولون عن تصرفاتهم (21) كما جاء في الحديث"كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته" (22)، وقوله: " وهو مسئول عن رعيته " يشمل الدنيا بالمحاسبة والتقويم، والآخرة بالجزاء على عمله.
ولهذا جاءت الأحاديث في تأكيد هذه المعاني، وهي معانٍ متفق عليها لا خلاف فيها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم  "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (23).
وقوله أيضاً:"إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها"(24)، وقد قرر هذا الأساس الشرعي لرقابة الأمة للحكام الصحابة رضوان الله عليهم، ففي أول خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد توليه الإمامة يقول: "لقد وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني" (25)، ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه "إذا رأيتم في اعوجاجاً فقوموني" (26).
وكل ما تقدم من المراقبة والتقويم لا يتم إلا في حرية تامة دون إكراه أو مضايقة وإلا فإنه لا يمكن أن تتحقق هذه الرقابة والتقويم.
ولا يصح أن يقال: إن الاعتراض على الإمام في أمر من الأمور، أو محاسبته في تصرفاته ينافي الأمر بالسمع والطاعة، لأن السمع والطاعة مقيدة بالشريعة الإسلامية، فلا طاعة له في معصية الله تعالى، هذا فضلاً عن دعوى أن الاعتراض عليه يعد من الخروج، أو اتهام الفاعل بأنه من الخوارج (27)

نقد فكرة الديمقراطية الإسلامية:
وبعد أن بينا أصول الحرية الشرعية في السياسة والإمامة الملتزمة بالإسلام بقي أن أنبه إلى قضية مهمة وهي أن كثيراً ممن كتب في قضية الحكم والسياسة في الإسلام وقعوا في مزلق خطير وهو محاولة التوفيق بين نموذج الدولة والحكم في الإسلام والنظم الديمقراطية الغربية، وهذا يعود إلى الهزيمة النفسية أمام الغرب المتحضر المنتصر مادياً.
والفرق بين الإمامة والحكم في الإسلام والديمقراطية يعود إلى المنطلق الأساسي لكل منهما فالمنطلق الديمقراطي منطلق مادي معزول عن الدين والقيم والأخلاق، ويعتمد على العقل البشري القاصر في أمور كلية لا يدرك غاياتها إلا خالق الإنسان والعالم بما يصلحه، ويرى فيه المشرع الوحيد القادر على الوصول بالإنسان إلى السعادة، بينما الإمامة والحكم في الإسلام تنطلق من ربانية التشريع، وأن الله تعالى شرع للناس ما يصلحهم؛ لأنه أعلم بما يصلحهم ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )، ومقصود الإمامة تحقيق العبودية لله تعالى بمعناها الشمولي، وهي مرتبطة بالقيم والأخلاق.
ومحاولة الفصل بين فكرة الديمقراطية وآلياتها، وعدم القبول بالأول، ودعوى أن الثاني موافق لحقيقة الإسلام محاولة باطلة نشأت من محاولة القرن بين نظامين مختلفين في المنطلقات وفي القيم الإيمانية والأخلاقية، وبعض من يفعل ذلك يعتبره ثناءً على الإسلام وإبراز لقيمه الحضارية مع أن هذا الهدف يمكن تحصيله بغير هذا الأسلوب المنهزم (28).
 فالتوفيق بين الأمور المختلفة تشويه لها على حد سواء، وهذا ليس خاصاً بالديمقراطية بل هو يشمل كل المفاهيم الغربية الأخرى كالحرية والتعددية والأحزاب والمعارضة وحرية التجارة وغيرها.
لأن المفاهيم الغربية قائمة على محورية الإنسان، والنفعية والفردية والمادية، وبالتالي تم عزل هذه المفاهيم عن القيم والأخلاق والدين وغيرها.
والقاعدة في المقارنات هي أن "المقارنة والمقايسة لا تصح إلا بين الأشكال المتجانسة" (29)، وقد ترتب على هذه المقارنات سلبيات متعددة منها:


1. تغيير المفاهيم الشرعية ومقارنتها بالمفاهيم الجاهلية لوجود أدنى شبه بينهما، ومن المعلوم أن وجود شبه بين أمرين لا يقتضي اقترانهما، لأنه ما من أفكار أو عقائد إلا ويوجد بعض أمثلة التشابه بينها، ولكن ذلك لا يدل على اتفاقهما، فوجود شبه الحرية، وأن الأمة تختار الحاكم وتحاسبه وتقومه ويحق لها أن تعارض رأيه لا يقتضي أن الإمامة في الإسلام مطابقة لآلة الديمقراطية.


2. استعمال المصطلحات في غير مكانها، والتخبط في التعامل معها، وهذا التغيير للمصطلحات فيه نوع من التضليل عن حقيقة هذه المصطلحات فمثلاً: دعوى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوافق معنى ( المعارضة ) في العملية الديمقراطية، ثم الاستدلال على صحة المعارضة بأدلة النهي عن المنكر، هذه الدعوى تلغي أجزاءاً مهمة في تركيبة مفهوم المعارضة، فالمعارضة تسعى للوصول للسلطة كهدف مهما كان الحكم صالحاً بينما النهي عن المنكر مرتبط بفساد الحكم وانحرافه، وفي هذا استعمال لمصطلح شرعي غير مكانه، وتغيير لمصلح وضعي عن مفهومه الصحيح وبين ذلك المقارنة غير العلمية بينها.


3. الاستدلال الخاطئ بالنصوص الشرعية على مفاهيم الديمقراطية، مثل الاستدلال بوجود المنافقين على حرية الرأي بحيث يجوز تكوين أحزاب إلحادية في الدولة الإسلامية دون إنكار، والاستدلال بوجود الخوارج على جواز المعارضة السياسية المسلحة، مع أن فعل الخوارج ليس حجة، والمعارضة بمفهومها الديمقراطي لم تكن معروفاً في زمن الصحابة، وكذلك الاستدلال بوجود الفرق الضالة على صحة التعددية وغير ذلك من الاستدلالات الباطلة المخالفة لمنهج أهل السنة في الاستدلال (30).

يقول الدكتور عرفان عبد الحميد:"إن محاولات إضفاء مسحة شرعية وطلاء خارجي من الإسلام على مفاهيم وتصورات غربية المنبت والأصل، علمانية النزعة والمقاصد، انتهت إلى تلفيق مركبات هجينة، تسببت، ولا تزال في خلق حالات مرضية من الفصام في الأناوية الثقافية والروحية للمسلم، علاوة على أنها كانت جهداً عبثياً أشبه بالحرث في البحر، إذ لم تفلح في حل المشكلات المتفاقمة على الساحة الإسلامية" (31).
فالديمقراطية صنعة بشرية لا يجوز أن تقارن بالمنهج الرباني في الحكم، أما الآليات فهي محل اجتهاد وإبداع بشرط أن تحقق القيم الإسلامية ولا تعارضها، والآليات والهياكل كما هو معروف في علم الإدارة تهدف إلى خدمة الأهداف الإستراتيجية للمؤسسة، وأهداف الحكم الإسلامي وتحقيقه للحريات مختلفة في الأسس والجذور والمنطلقات والغايات عن مقاصد الحكم الديمقراطي، ولهذا جاء الهيكل الديمقراطي لا يميز بين الفروق الفردية بين الناس فصوت العالم كالجاهل على حد سواء، وفتحت هياكل الديمقراطية المجال رحباً للرأسماليين ليذيقوا الفقراء البأساء، كما مكنت للإلحاد والانحراف الأخلاقي، وعبادة الطواغيت، وتعاملتْ مع القضايا الداخلية والخارجية بمنهج غير أخلاقي.
والأساليب الإجرائية التنظيمية ترجع إلى حاجة الإنسان‘ وهو مجال رحب للإبداع والتطوير، ولا حاجة لأن يقيد الإنسان نفسه ويربطها بنظام إجرائي معيّن (آليات الديمقراطية) وكان العقل والذكاء والإداري في البلاء الإسلامية غير قادر على اختراع نظام إجرائي يتناسب مع مقاصد الشرعية الإسلامية وحاجات الناس واختلافهم وفمهم الاجتماعية (32).
لاسيما إذا علمنا أن الإجراءات الديمقراطية ليست محل اتفاق بل هي مختلفة لصورة كبيرة بين الدول الغربية ولا تزال خاضعة للتغييرات المتكررة.


ويمكن أن نلخص المبرر لرفض آليات الديمقراطية فيما يلي:


أولاً: أن تحكيم الشريعة الإسلامية لا يجوز أن يعرض للاستفتاء والاختيار لقوله تعالى:" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم"، فحاجة المسلم إلى تحكيم الشريعة الإسلامية لا يقل أهمية عن حاجته إلى الطعام والشراب والهواء والحقوق الطبيعية للإنسان، فهل يجيز الديمقراطيون الاستفتاء على هذه الحقوق، وهل يجيزون الاستفتاء على إعطاء الأقليات حقوقها أم لا؟ أم يعتبرون ذلك مرتبط بحقوق أساسية لا يتم الاستفتاء عليها ؟!، وبناء على هذا هل نفهم ممن ينادي بالديمقراطية أن تحكيم الشريعة عنده يأتي في درجة ثانية بعد حقوق الإنسان الطبيعية كما يقولون؟!
وإذا وافق الديمقراطيون على عدم عرض الشريعة الإسلامية للاستفتاء لم يعودوا ديمقراطيين، وأصبح الأمر مجرد تعلق بالكلمة لا أكثر.


ثانيا: أن الانتخابات التي تساوي بين الناس في قيمة التصويت وما يترتب عليه مخالفة للفطرة والعقل وحقيقة الإسلام التي لا تجعل العالم كالجاهل، ولا الخبير كالحقير، ولا الصالح كالطالح، ولا المؤمن كالمنافق، والذي دفع الديمقراطيين العلمانيين لهذا التساوي هو أن منطلقهم لا يفرق بين المواطنين على أساس ديني أو أخلاقي؛ فهم في المواطنة سواء، ولكن تبقى فروق العلم والخبرة والدراية بين المواطنين !!، وهذا المنفذ لا يزال مفتوحاً لم يسده الديمقراطيون العلمانيون بشيء مقنع، ويبقى النقد لمن يدعو للديمقراطية من الإسلاميين بأنه إما أن يتخلى عن مرجعيته الإسلامية ويتجه نحو العلمانية، أو يبقى في التناقض بسبب التلفيق بين فكرين متناقضين كل التناقض !!
ثالثا: أن الديمقراطية تتيح بعض الحريات المخالفة للشريعة الإسلامية، مثل حرية الردة، وحرية التعبير عن الرأي ولو كان مخالفاً لمحكمات الشريعة، وحرية السوق بإطلاق وغيرها من الحريات الباطلة.


ما هو البديل؟
لا يلزم من رفض الديمقراطية القبول بالاستبداد، ومن الظلم الكبير اعتقاد التلازم بينهما، وكذلك لا يلزم من رفض الديمقراطية غياب المشروع السياسي الإسلامي، فالمشروع السياسي يقوم على المطالبة الجادة بالقيم الشرعية والأخلاقية المحققة للحرية الشرعية مثل: " المحاسبة"، و"المراقبة"، و" الشورى الملزمة في الأمور الكبرى"، و"الالتزام بالتحاكم الحقيقي للشريعة الإسلامية" وجعلها معياراً للقبول أو الرد، و" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"،و "قول كلمة الحق والتعبير عن الرأي الشرعي" ونحوها من القيم الكريمة المحققة للاستقلال والتحرر من أهواء الحكام.


ولكن قد يقول قائل: ما هي الضمانات الحقيقية لحماية هذه القيم؟
والجواب: أنه في حال الاختيار يمكن أن تتخذ أنظمة إدارية صارمة لربط مراكز القوى المؤثرة بهذه القيم الشرعية، فالجيش وكافة القطاعات العسكرية، ومجلس الشورى، ومجلس الرئاسة والوزراء وغيرها من مراكز القوى يجب أن تحمي هذه القيم، وأن تكون هذه القيم هي أساس الشرعية المبرر لوجودهم.


فإن قيل: يمكن لهذه القوى أن تنقلب على القيم الشرعية التي ذكرناها، قلنا: وكذلك يمكن لها أن تنقلب على الديمقراطية – أيضاً - أو أي منهج يختار للحكم، والحديث هنا في حال الاختيار والتمكن من تحديد نمط من أنماط الحكم يضمن إقامة الدين في الناس، وحماية حرياتهم الشرعية.

ــــــــــــــــــــــــ

( 1) رواه مسلم - كتاب البر - باب تحريم الظلم - رقم 6517 (16/ 348)، و أحمد (5/ 154) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(2) رواه أحمد (5/ 25),  الفتح الرباني (14/ 43) و (23/ 14), وابن أبي شيبة في مصنفه - كتاب السير - باب في الإمارة  -رقم 32545 (6/423)، والطبراني في الكبير  رقم 16910(15/155) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.
(3) الحسبة ص/94.
(4) وإذن الله تعالى يعرف من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  ،وفهم الكتاب والسنة منضبط بعلوم معيارية في غاية الدقة والجودة (مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وعلوم اللغة)، وليس كلأ مباحاً لكل أحد يفسرهما كما يشاء.
(5) انظر تفصيل هذه  الحقوق والحريات: كفالة الحريات في الإسلام ص/56-172، والحرية أو الطوفان ص/74-100
(6) انظر: الأحكام السلطانية ص/5، والجامع لأحكام القرآن 1/264، المقدمة ص/191، وغيرها.
(7) الاقتصاد في الاعتقاد ص/199.
(8) انظر: البخاري مع الفتح - كتاب الأحكام - باب الاستخلاف - رقم 7219 (13/ 218).
(9) منهاج السنة 1/141-142.
(10) أي: الإمام.
(11) أي: الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد.
(12) كشاف القناع 6/160.
(13) رواه ابن أبي شيبة في المصنف - باب ما جاء في خلافة أبي بكر في الردة - رقم 37032 (7/ 432).
(14) غياث الأمم ص/47.
(15) رواه أسد بن موسى في فضائل الصحابة, و الفسوي في المعرفة والتاريخ، قال الحافظ:(بسند لا بأس به) , انظر: الفتح 13/352.
(16) انظر: الإمامة العظمى ص/457، وانظر: شواهد كثيرة في الالتزام بالشورى في العهد النبوي والراشدي- الحرية أو الطوفان ص/31-45
(17) انظر: أصول نظام الحكم في الإسلام ص/214
(18) انظر: فتح الباري - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (5/ 408).
(19) رواه الطبراني من رواية النواس بن سمعان رضي الله عنه في المعجم الكبير عزاه له السيوطي في جمع الجوامع (1/ 913) في الجزء المفقود(21) و البغوي في شرح السنة - كتاب الإمارة والقضاء - باب الطاعة في المعروف – رقم 2455 (10/ 44)، و أبو داود الطيالسي في المسند - رقم (856) ص 115، والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كان سبب موت حكم بن عمرو - وقال: صحيح الإسناد (3/ 443)، قال العلامة الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع الصغير –  رقم 7520 (2/ 1250).
(20) مسألة الحرية في النظام السياسي الإسلامي، مجلة إسلامية المعرفة ، العدد (31، 32) ص/109.
(21) هذه الأصول تدل عليها نصوص شرعية كثيرة، وهي من القطعيات والمحكمات، ويمكن مراجعة تفاصيل أدلتها وأحكامها في مظانها.
(22) رواه البخاري - كتاب النكاح - باب (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) - رقم 5188 (9/ 163 مع الفتح)، ورواه مسلم - كتاب الإمارة - باب فضيلة الإمام العادل - رقم 1829 (ص 763), ورواه أحمد (2/ 54) , شرح الفتح الرباني (23/ 17) , شرح أحمد شاكر - رقم 5167 (7/138) , قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. وهو مكرر 4495 وانظر 4637.
(23) رواه الترمذي في السنن - كتاب الفتن - باب ما جاء في الأمر بالمعروف - رقم 2169 (4/ 468) , و البغوي في شرح السنة - كتاب الرقاق - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  - رقم 4154 (14/ 325)، و أحمد في المسند (5/ 388) , الفتح (14/172).
(24) رواه أحمد (2/190) الفتح (19/ 175) الشرح 6776 (11/ 46)، 6784 (11/ 49) قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(25) تاريخ الطبري 3/203.
(26) تاريخ الخلفاء ص/130.
(27) انظر شواهد عملية لاعتراض السلف الصالح على الحكام: صحيح البخاري رقم1563،ومسلم  (6/417 شرح النووي)، وتفسير ابن كثير  (2/230)، وسير أعلام النبلاء (7/ 143-144)، وغيرها.
(28) انظر أمثلة للمقارنة السابقة: الإسلام والديمقراطية (فهمي هويدي)، فتوى القرضاوي في الديمقراطية (إسلام أون لاين)، ومجلة المسلم المعاصر (العدد الافتتاحي)، والمقارنة بين الإسلام والديمقراطية أصبحت سمة لسائر الكتاب في نظام الحكم في الإسلام.
(29) الإعلام بمناقب الإسلام ص/ 150
(30) انظر نماذج من هذه الاستدلالات في: الحريات في الدولة الإسلامية (راشد الغنوشي) والحقوق والحريات السياسية في الشريعة الإسلامية (رحيل غرايبة) وغيرهما.
(31) الحرية في العقل الكلامي والفلسفي الإسلامي، مجلة إسلامية المعرفة، عدد (31، 32) ص/67
(32) الكلام في الإجراءات يكون بعد الإرادة الصادقة من الأنظمة الحاكمة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهذه الإرادة لا تزال موضوع تردد ولهذ تم تعطيل لجان العمل على تطبيق الشريعة في أكثر من بلد عربي، أو جعلها اسماً دون مسمى، ومن هنا فالكلام في الآليات كوسيلة لتحيق الحكم بالشريعة لا يزال أمراً نظرياً