أديان و مذاهب /

هل البوذية دين أم فلسفة ؟ [ تقرير ]

[ الجمعة 8 جمادى الأول 1436 هـ ] [ 373 ]

ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي هو عنوان هذا التقرير: هل البوذية دين أم فلسفة، أم هي في الحقيقة لا هذا ولا ذاك، بل هي رياضة عملية روحية لا أكثر ولا أقل ؟! سؤال اختلفت الإجابة عليه حسب الزمان والأشخاص، وهو ما سأحاول بيانه في هذا التقرير بإذن الله تعالى.

 

 

كثيرة هي التعاليم والأفكار التي تحولت بعد موت أصحابها إلى غير حقيقتها، بسبب ما أصابها من تحريف وزيادة وأساطير على يد فئة من أتباع تلك التعاليم والأفكار، ولعل النموذج الصارخ لما نتحدث عنه "البوذية"، التي بدأها "بوذا" كفكرة ورياضة للتخفيف عن آلام الناس وأحزانهم، فإذا بها تتحول على يد أتباعه من بعده إلى ديانة لها طقوس وأساطير.

ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي هو عنوان هذا التقرير: هل البوذية دين أم فلسفة، أم هي في الحقيقة لا هذا ولا ذاك، بل هي رياضة عملية روحية لا أكثر ولا أقل ؟! سؤال اختلفت الإجابة عليه حسب الزمان والأشخاص، وهو ما سأحاول بيانه في هذا التقرير بإذن الله تعالى.

بداية لا بد من القول بأن الإجابة على هذا السؤال يتطلب التفريق بين معنى "الدين" ومعنى "الفلسفة".

تعريف الدين ومفهومه

الدين في اللغة: مشتق من الفعل (دان)، وهو تارة يتعدى بنفسه، وتارة باللام، وتارة بالباء، ويختلف المعنى باختلاف ما يتعدى به، فإذا تعدى بنفسه يكون (دانه) بمعنى ملكه، وساسه، وقهره وحاسبه، وجازاه، وإذا تعدى باللام يكون (دان له) بمعنى خضع له، وأطاعه، وإذا تعدى بالباء يكون (دان به) بمعنى اتخذه ديناً ومذهباً واعتاده، وتخلق به، واعتقده. (1)

وهذه المعاني اللغوية للدين موجودة في (الدين) في المعنى الاصطلاحي لأن الدين يقهر أتباعه ويسوسهم وفق تعاليمه وشرائعه، كما يتضمن خضوع العابد للمعبود وذلته له، والعابد يفعل ذلك بدوافع نفسية، ويلتزم به بدون إكراه أو إجبار.

الدين في الاصطلاح: اختلف في تعريف الدين اصطلاحاً اختلافاً واسعاً حيث عرفه كل إنسان حسب مشربه، وما يرى أنه من أهم مميزات الدين، فمنهم من عرفه بأنه "الشرع الإلهي المتلقَّى عن طريق الوحي" وهذا تعريف أكثر المسلمين.

ويلاحظ على هذا التعريف قَصر الدين على الدين السماوي فقط، مع أن الصحيح أن كل ما يتخذه الناس ويتعبدون له يصح أن يسمى دينا، سواء كان صحيحا، أو باطلا، بدليل قوله عز وجل: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران/ 85، وقوله عزّ وجلّ: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } الكافرون/6، فسمَّى الله ما عليه مشركو العرب من الوثنية ديناً.

أما غير المسلمين فبعضهم يخصصه بالناحية الأخلاقية كقول الفيلسوف "كانت" " بأن الدين هو المشتمل على الاعتراف بواجباتنا كأوامر إلهية"، وبعضهم حاول عرف الدين بفصله عن لزوم وجود الإله، كما زعم"دوركهايم" الذي عرف الدين بأنه: "نسق موحَّد من المعتقدات والممارسات التي تتصل بشيء مقدَّس، يتسم بسمات تجعله مهماً في حد ذاته ومكتفياً بذاته، فالدين نسق يدور حول مطلق ما، بغض النظر عن طبيعة هذا المطلق"....إلى غير ذلك من التعريفات التي نظرت إلى الدين من زاوية، وتركت أوجها وزوايا عدة. (2)

وأرجح التعريفات أن يقال: الدين هو اعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلًّا وحبًّا، رغبة ورهبة. (3)

وبينما اعتبر البعض أن الدين والملة بمعنى واحد، جعل الجرجاني الدين والملة متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فإن الشريعة من حيث إنها تطاع تسمى دينا ومن حيث أنها تجمع تسمى ملة ومن حيث أنها يرجع إليها تسمى مذهبا وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب أن الدين منسوب إلى الله تعالى والملة منسوبة إلى الرسول والمذهب منسوب إلى المجتهد.(4)

وبما أن الله تعالى قد ختم الأديان بالإسلام، فإنه بذلك يعتبر هو الدين الحق عند الإطلاق لجميع البشر، قال تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } آل عمران/19، وقال تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران / 85

تعريف ومفهوم الفلسفة

كلمة مشتقة من اللفظ اليوناني "فيلوسوفيا "بمعنى محبة الحكمة أو طلب المعرفة أو البحث عن الحقيقة، وعلى الرغم من هذا المعنى الأصلي، فإنه يبقى من الصعب جدا تحديد مدلول الفلسفة بدقة، لكنها بشكل عام تشير إلى نشاط إنساني قديم جدا يتعلق بممارسة نظرية أو عملية عرفت بشكل أو آخر في مختلف المجتمعات والثقافات البشرية منذ أقدم العصور.

ولعل من أهم مظاهر الفلسفة ميلها للتساؤل والتدقيق في كل شيء، والبحث عن ماهيته ومظاهره وقانينه، ومن هنا فإن مادة الفلسفة الأساسية متشعبة ترتبط بكل أصناف العلوم وربما في جميع جوانب الحياة، حتى إن البعض وصف الفلسفة بأنه: "التفكير في التفكير"، أو أنها محاولة الإجابة عن الأسئلة الأساسية التي يطرحها الوجود والكون.

ولعل أول ما يعنينا من الفوارق الكثيرة بين الدين والفلسفة: أن الدين يشمل الاعتقاد بوجود إله – سواء كان حقا وهو الله سبحانه وتعالى، أم باطلا وهي المعبودات الأخرى الوثنية منها أو البشرية – بينما لا تشتمل الفلسفة على هذا المعنى على الإطلاق، فهي مجرد عملية تفكير بشرية في ماهية الأمور والأشياء لا أكثر ولا أقل.

هل البوذية دين أم فلسفة ؟

يمكننا بعد تعريف كل من الدين والفلسفة أن نجيب على هذا التساؤل بالقول: هناك عدة آراء في هذا الإطار هي:

الرأي الأول: البوذية فلسفة وليست دين

ويستند هذا الرأي على أنه: ما دام المقصود بالدين الإيمان بقوة علوية محيطة بنا، ومتصرفة في أقدارنا، وقبول طائفة من المعتقدات على أنها حقائق كشفت لنا، فإن بوذا بمقتضى هذا لم يكن صاحب دين، فقد رأيناه لا يتكلم عن الإله، بل ربما سخر ممن تكلموا عنه.

والحقيقة أن بوذا لم يكن نبيا كذلك ولم يتلق وحيا أو شيئا من هذا القبيل، وبالتالي فهو ليس بصاحب دين، وإنما هو باحث وفيلسوف إذا صح التعبير، فكر الرجل فيما حوله من الأشياء والأحياء، ورأى ما ينزل بهم من متاعب، وقد وصل به تفكيره إلى نتائج بعضها من أقوال من سبقوه.

ويمكن الاستشهاد ببعض أقوال الباحثين الهنود لدعم هذا الرأي، ومن بينهم "أبو المكارم آزاد" الذي كان وزيرا للمعارف بالهند حيث يقول: "يبدو لي أن وضع بوذا في صفوف الفلاسفة أسهل من وضعه في صفوف الأنبياء، وذلك لأنه لم يتعرض في مباحثه لوجود الله تعالى، بل حاول حل مسألة الحياة، وانتهى منها دون أن يتعرض لمسألة وجود الإله،....إنه قد قطع كل علاقة له مع الحياة الدينية في الهند التي كانت تدين بآلهة لا تعد ولا تحصى، إنه بدأ بحثه وفرغ منه دون أن أن يلجأ إلى الاعتقاد بالله تعالى، وإن الأساس الذي بنى عليه بحثه أساس فلسفي فقال:

"إن هدف الجهد الإنساني يجب أن يكون الوصول إلى حل مسألة الحياة، وذلك مستطاع دون الاستعانة بوجود ما فوق العقل – على حد وصفه – " (5)

والحقيقة أن الكثير من الباحثين يعتبر أن البوذية في عهد بوذا لم تكن دينا على الإطلاق، نظرا للنصوص الكثيرة التي تؤكد عدم اهتمام بوذا بقضية الألوهية، وهي القضية الجوهرية في الحقيقة في أي دين حقا كان أو باطلا، وأن البوذية لم تسمى دينا أو تتحول إلى دين إلا بعد وفاة "بوذا"، وقيام أتباعه بتقديس بوذا ورفعه إلى درجة الألوهية – عياذا بالله -.

 الرأي الثاني: البوذية تعتبر دينا 

وهو رأي يعتمد على ما قام به أتباع بوذا من بعده، حيث أسرع أتباعه بعد وفاته إلى تحويل تعاليمه إلى مذهب ديني، ولما وجدوا أن ترك المكان الذي تحتله قضية "الألوهية" في الأديان فارغا، عمدوا إلى بوذا نفسه، فحملوه ووضعوه فرق عرش الإله الفارغ في تعاليم "البوذية".

 نعم...لقد رفع البوذيون "بوذا" بعد وفاته إلى درجة الآلهة، وفسروا عدم تناوله لقضية الألوهية أو التحدث فيها، لكونه هو الإله حسب زعمهم، وعلى هذا الأساس من التبجيل والتعظيم الذي وصل إلى حد التأليه، قبل أتباع "بوذا" كلماته على أنها حقائق لا يتطرق إليها الشك، وهم بهذا حولوا الفلسفة التي جاء بها "بوذا " إلى مستوى الدين.

لقد نسج أتباع "بوذا" حول شخصيته الأساطير بعد موته، حيث زعموا أنه قد تشرف بالنزول إلى الأرض، وأنه تجسد فيه "فشنو" لهداية البشرية وإنقاذها من آلامها وأحزانها، وأنه موجود دائما في هذا الكون، إما على هذه الأرض أو في السماء، ثم أسبغوا عليه صفات الإله الموجود الأزلي الدائم الأبدي، لتصبح البوذية دينا بعد أن كانت مجرد تعاليم وفلسفة حياة.

ويرى بعض المفكرين الغربيين في البوذية دينا، لأنها ترسم الطريق للتخلص من الذنوب، ولأن بها جانبا روحيا كما يزعمون، ولأن معتنقيها يمتازون بحماسة قوية لا تتوفر إلا مع الأديان.(6)

الرأي الثالث: البوذية ليست دينا ولا فلسفة

وينطلق هذا الرأي من اعتبار أن "بوذا" ركز جميع جهوده كلها لحل مشكلات الناس وآلامهم الحياتية، وهو بذلك يسير على خط الإصلاح الاجتماعي من وجهة النظر العصرية، وبالتالي فهو مصلح اجتماعي سخر حباته كلها لتخفيف آلام الناس وحل مشكلاتهم ومعاناتهم.

بينما يرى البعض الآخر أن البوذية ليست دينا ولا فلسفة، بل هي في الحقيقة رياضة وعمل، فقد اعتمد "بوذا" منذ أول وعظه على العمل لتحقيق مبادئه، ولعل مبادئه المختزلة في ثمان نقاط تشير إلى ذلك.(7)

ويمكن الاستشهاد على هذا الرأي بقول العلامة الهندي "رادها كرشنن": "إن بوذا لم يكن نبيا لأنه لم يقرر عقائد، ولم يكن فيلسوفا لأنه لم يؤسس مذاهب فلسفية، وإنما أسس دعوته بناء على تجربته الروحية التي لا يمكن بيانها بالألفاظ، فدعوته حكاية عن هذه التجربة، وعن الطريق المؤدي إليها، وبوذا يقول: "إن الحق لا يعرف بالنظريات، بل يعرف بالسير المتواصل في طريقه".

ويقول أيضا: "إن عملي ملكي، وعملي ميراثي، وعملي هو الرحم الذي يحملني، وعملي هو الجنس الذي أنتمي إليه، وعملي هو الملجئ الذي ألتجئ إليه".

ومن هنا فإن أساس النظام الذي وضعه بوذا العمل لا العقيدة، فقد كان يحاول خلق عادة لا إقرار عقيدة، وعلى هذا الأساس فليس في تعاليمه إلا القليل الذي يصح أن يوصف بالعقيدة، كما أنه لم يأمر بعبادات، بل كان كل إلحاحه على التدريب الأخلاقي".(8) 

بعد هذا التطواف بآراء المفكرين والباحثين حول:هل البوذية دينا أم فلسفة أم رياضة وعمل وإصلاحا اجتماعيا ؟؟ يمكن القول: إن البوذية ليست بالتأكيد دينا، وإنما هي في الحقيقة فلسفة حياة إن صح التعبير، تعتمد بشكل كبير على بعض التدريبات التي تسمى "أخلاقية"، ومن هنا اعتبرها البعض "رياضة روحية أخلاقية".

ولعل هذا ما جعل موسوعة الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة تعرف البوذية بانها: فلسفة وضعية انتحلت الصبغة الدينية، وقد ظهرت في الهند بعد الديانة البرهمية الهندوسية في القرن الخامس قبل الميلاد...تتجه إلى العناية بالإنسان، كما أنّ فيها دعوة إلى التصوف والخشونة ونبذ الترف والمناداة بالمحبة والتسامح وفعل الخير...وبعد موت مؤسسها تحولت إلى معتقدات باطلة، ذات طابع وثني، حيث غالى أتباعها في مؤسسها حتى ألَّهوه.(9)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لسان العرب لابن منظور 13/164 مادة دين

(2) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية عبد الوهاب المسيري 8/233

(3) الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة د.ناصر العقل و د.ناصر القفاري ص10

(4) التعريفات للجرجاني 1/141 

(5) أديان الهند الكبرى د.أحمد شلبي  ص166

(6) أديان الهند الكبرى  ص166

(7) الهند القديمة د.محمد اسماعيل الندوي ص147

(8) أبحاث لمجموعة من المفكرين الهنود عن "بوذا" نشرت في عدة أعداد من "ثقافة الهند"

(9) الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 2/27