عام /

نقد الخطاب الديني [ تقرير ]

[ الاثنين 20 رمضان 1431 هـ ] [ 295 ]

"...الخطاب الديني هو أصلُ الدين وصورته الكبرى وهو بهذا لا ينسب إلا إلى الله تعالى، وحينئذٍ فهو خارج دائرة العقل البشري، فلا يخضع للنقد ولا للمراجعة..."

إنَّ ظاهرةَ النقد والمراجعة من الظواهر السليمة والصحية في المجتمعات المتحضرة، ومظهرٌ من مظاهرِ فلاح الأمم واستمرارِ نجاحاتها، وعاملٌ أساسيٌّ للتطوِّرِ والتقدُّمِ. وهو- قبل ذلك- أمرٌ قد ندبت إليه الشريعة ودعت إليه، ففي القرآن الحثُّ على مراجعة النفس ونقد الذات قبل المثول أمام الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا ولتنظر نفس ما قدمت لغد] الآية [الحشر 18]. وكان عمر الفاروق- رضي الله عنه- يقول: (رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي) وهو هنا يتكلم على مستوى الدولة، أما على مستوى الأفراد فكان يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالَكم قبل أن توزنوا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل). ولذا فإنَّ النقدَ والمراجعةَ فكرةٌ أصيلة قبل أن تكون فكرة مستوردة، وخلقٌ إسلامي عاشه صالحوا هذه الأمة من القادة والعلماء والمفكرين قبل أن يكون ممارسةً لدى دول الغرب (المتحضر!)، فلا خلاف إذاً ولا إشكال في مشروعية أهمية النقد وتصحيح المسار، هذا من حيث المبدأ. أما مِنْ حيث الممارسة، فقد ظهرَ في الآونةِ الأخيرة ما يُسمَّى في أدبيِّات الفكرِ المعاصر بـ (نقْدِ الخطابِ الدينيِّ)، أو ما يسميِّه البعضُ بـ (تجْدِيدِ الخطابِ الدينيِّ) [وهما في النتيجة سواء، فالمجدِّد ينظرُ في الخطاب الدينيِّ نظرةَ الناقد، والناقدُ ينقدُ الخطابَ الدينيَّ بغيةَ التجديد]، وقد وقع الجدال العريض وتباينت المواقف حول هذه الظاهرة من مؤيدٍ ورافض. فالمؤيدُ يرى أنَّ هذا أمرٌ مشروعٌ وهو من طبيعة المنهج الإسلامي، والرافضُ يرى أنَّ ذلك هدمٌ لأصولِ الإسلام وبوابةٌ للزندقة والإلحاد، ولذا كَثُرَ الخلافُ ووقع الالتباسُ واختلطت الأوراق لدى المتابعين للشأن الإسلامي حول هذه الظاهرة. والسببُ في ذلك- من وجهة نظري- هو عدم وضوح مصطلح (الخطاب الديني) وتحديد مضامينه، لأنَّ خفاءَ المصطلح وإشكالات مضامينه؛ يُعسِّرُ تحديدَ الأحكام بدقِّة، بل ويصبح كل طرفٍ يجادل عن مصطلحٍ يختلف مضمونه عن مضمون المصطلح الذي يجادل عنه الطرفُ الآخر. ولذا فإن تحديد المصطلح وتجلية معناه، يساعدُ كثيراً في اتخاذ موقفٍ شرعي تجاه المصطلح بشكل دقيق. وإذا نظرنا في مصطلح (الخطاب الديني) نجد أنَّ له مفهومان عند أهل العلم: المفهوم الأول: أنْ يرادَ به حقيقةُ الدين، المتمثِّل في الوحي المقدَّس الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما نطق به صريح القرآن أو استفاضت به السنة الصحيحة أو انعقد عليه إجماع السلف الصالح؛ وهذا النوع من الخطاب ليس له إلا تفسيرٌ واحد، وتفسيره قراءته كما أنزل بلا تأويل، ولذا لم يختلف في فهمه الصحابة والتابعون وأئمة الدين عبر التاريخ إلى زمننا هذا. وعلى هذا المفهوم؛ فإننا نخلص إلى الاعتبارات التالية: الأولى: إن (الخطاب الديني)- بهذا المفهوم- هو أصلُ الدين وصورته الكبرى وهو بهذا لا ينسب إلا إلى الله تعالى، وحينئذٍ فهو خارج دائرة العقل البشري، فلا يخضع للنقد ولا للمراجعة كما تخضع له أنواع الخطابات الفكرية الأخرى؛ لسبب بسيطٍ جداً، وهو أنَّ مصدرَ هذا الخطابِ هو مِنْ عند الله الحكيم في أفعاله، والخبير بصلاح الإنسان ونفعه، والعليم بدقائق الأمور وعواقبها، وأمَّا الخطابات الفكريِّة الأخرى فإنها بشريةُ المصدْر، والبشرُ مرفوعٌ عنهم العصمة في الخطأ، ومتفاوتون في المدارك والأفهام. الثانية: إنَّ (الخطابَ الدينيَّ) بهذا المفهوم ليس بحاجة إلى نقدٍ أو تغيير أو إصلاح حتى يكتملَ ويكونَ صالحاً لكلِّ زمانٍ ومكان ! بل إنَّه يتجاوزُ الزمانَ والمكانَ، لأنه الرسالة البيِّنةُ والكاملةُ التي أرادها الله خاتمةً لشرائع الأنبياء فلا رسالة بعدها؛ وهي- في ذات الوقت- محددةٌ وواضحة يكون الموقف منها إما التسليم والانقياد وهو موقف المؤمن، أو الرفض والإعراض وهو موقف الكافر. الثالثة: إنَّ نسبة التخلف إلى الخطاب الديني- على وفق هذا المفهوم- هو في الحقيقة قدحٌ في الوحي ومعارضةٌ لله ورسـوله، وتكذيبٌ لله تعالى بوصف الوحي بأنه: (هدى ورحمة) (هدى وذكرى) (هدى وبشرى). بل إنَّ التردُّدَ والتوقُّفَ في قبول هذا (الخطاب) هو نقضٌ لأصل الإيمان: [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم]، [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يكون في صدورهم حرج مما قضيت ويسلموا تسليماً]. المفهوم الثاني للخطاب الديني: أنْ يراد به اجتهاد العلماء فيما لا نصَّ فيه من القرآن والسنة، ولم ينعقد عليه إجماع السلف الصالح، وبمعنى آخر: إلحاقُ الفروع المتجددة بالأصول الكلية الثابتة المنطوق بها في النصوص الدينية، ويدخل في هذا الفتاوى المبينة على عُرْفٍ معيِّن أو وصفٍ متغير (زماني أو مكاني)؛ فهذا الخطاب عملٌ بشريٌّ غير معصوم، داخلٌ في دائرة النقد والمراجعة، وقبوله ورده مرهوناً بموافقة (الكتاب والسنة). وإطلاق (الديني) على هذا الخطاب فيه نسبية، لأنَّ آراء العلماء في المسائل الاجتهادية لا تنسب إلى الدين وإنما تنسب إلى أشخاصهم، فلا يصحُّ- عند أهل العلم- أن يُقَال: مذهبُ أبي حنيفة وجوبُ الصلاة والزكاة، أو مذهبُ الشافعي تحريمُ الزنا والقتل ونحو ذلك من قطعيِّات الشريعة المتفق عليها، وإنما يُنسب إلى هـؤلاء الأئمة اختياراتهم في المسائل الاجتهادية. فالخلاصة إذاً؛ أننا لا بدَّ أن نفرَّق بين الخطاب المطلق القائم على دلائل الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، والخطاب النسبي الذي يمارسه العلماء والدعاة وكل من يتكلم باسم (الديـن). وعليه؛ فإننا نستطيع أنْ نميِّزَ بين النقد الموجِّه إلى (الخطاب الديني) من قبل المستشرقين وتلامذتهم من أبناء الأمة من العلمانيين والحداثيين الذين انسلخوا من هويتهم وتبرؤا من تاريخهم، وبين النقد الموجه من قبل العلماء المخلصين والصادقين مِنْ هذه الأمة. فنقد العلمانيين- في الحقيقة- رفضٌ للخطاب الديني بمفهومه الأول، والزعم بأنه سببٌ للضعف والتخلف الذي تعيشه الأمة، وأن الغرب لم يتقدَّم وتظهر (حضارته المعاصرة !!) إلا بعد أن أبعد الدين عن واقع الحياة. ويتبع هؤلاء فئةٌ لم تصل إلى هذه الدرجة من التطرف، وإنما كان نقدها من أجل المطالبة بخطاب ديني معاصر يناسب جميع الأذواق والتوجهات، ويكون مقبولاً لدى الغرب (المتحضر !!)، فتجد هذه الفئة تدعوا إلى مراجعاتٍ في بعض أصول الدين وقطعيِّاته الثابتة، كقضية (الولاء والبراء) و (كفر أهل الكتاب) و(الجهاد في سبيل الله) و(حجاب المرأة) و(تحريم الربا) و (حد الزنا والسرقة) ونحو ذلك من القطعياتِ الثابتة. ومن ذلك أيضاً التجرؤ على نقد كلام الفقهاء العالمين بدين الله، بدون منهجٍ علميٍّ، ولا نظرٍ في دلائل النصوص سوى أن تراثهم لم يعد مناسباً لحضارة العصر. ولا شك أن هذا النقد هو الذي يجب محاربته، والتشكيك في نزاهة مصدره، وتحذير الأمة من ضرره؛ بل ومحاكمة الداعي إليه محاكمةً شرعيةً عادلةً حتى ينزجر مثله، حفظاً لعقيدة الأمة، ودرءاً للفتنة. أما النقد الثاني والذي يَصْدرُ من قبل العلماء والدعاة الصادقين والحريصين على أمر الإسلام؛ فهو في الحقيقة نقدٌ تجاه بعض الممارسات البشرية والآراء الاجتهادية الصادرة مِنْ بعض مَنْ يُنسب إلى العلم ولا تُستند إلى دليـلٍ شرعي، غايته تنقية الدين من بعض الأفكار الخاطئة والترسبات التاريخية التي عَلُقت به وليست من الإسلام في شيء، كما هو حال المجدِّدين في تاريخ الأمة مثل: ابن تيمية، وابن القيم، وابن الوزير، والمقبلي، ومحمد بن عبدالوهاب، والشوكاني، والصنعاني، ورشيد رضا، وابن باديس، والألباني، وغيرهم من أهل العلم الذين كانوا يَنْقُدون كثيراً من الممارسات الدينية المبتدعة أو المقالات الفكرية والفقهية التي ليس لها سندٌ شرعي من الكتاب والسنة. فهذا النقد مطلبٌ شرعي، وواجبٌ على العلماء، وقد رُويَ في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: {يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين} [أخرجه البيهقي]. ونحن عندما نقرر مشروعية هذا النقد من حيث المبدأ، إلا أنَّ الخوض فيه متوقفٌ على أمورٍ مهمة، وهي: 1- التسليم بأنَّ الميزان الذي تُعرَض عليه أقوال الناس وأعمالهم هو: الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فما وافقها فيُقبل، وما عارضها فيُرد. 2- الإدارك بأن هذا الباب من الأبواب الخطيرة، لأن فيه توقيعٌ عن رب العالمين، فلا ينبغي أنْ يخوض فيه إلا المتأهلين من أهل العلم والفقه في الدين، فهم أعلم الناس بكلام الله وكلام رسوله، وحينها فلابدَّ أنْ يُحْجرَ على الجاهلِ وغيرِ المتخصِّص في الشريعة؛ وإلاَّ لعمَّت الفوضى، واضطربت معالم الدين لدى العامَّة، وما نراه اليوم مِنْ تبني لشواذِّ الفقه وزلات العلماء من قبل بعض الكَتَبة وأدعياء الثقافة، أو محاولةِ فهمِ النصوصِ فهماً لا تحتمله اللغة، ولا يتوافق مع الأصول الكلية في الإسلام = إلا دليلاً على العبث الفكري والتخبط الثقافي لدى هؤلاء الكَتَبة. وليس في هذا الحَجْر (كهنوتٍ) أو (سلطة لرجال الدين) كما يزعم كهنة العلمانية، وإنما هو حقٌّ مشروع في كلِّ علمٍ وفنٍ ألا يتكلَّم فيه غير أهله. ألا تـرى- مثلاً- أنه لا يقبل عقلاً وعرفاً أن ينتقدَ الصحفيُّ أهلَ الطبِّ في تجاربهم العلميِّة، أو أنْ ينتقدَ المهندِّسُ المعماري خبراءَ الاقتصاد في نظرياتهم، إلاَّ إذا كان عالماً بذلك الفن معدوداً من أهله. 3- إنه لابدَّ للناقد أنْ يلتزم بالمنهج العلميِّ في نقد كلام العلماء، من إلتزامٍ بنصوص الكتاب والسنة، ودرايةٍ بأدوات فهم الخطاب، وطرائق الاستنباط والترجيح، وإحاطةٍ بعلم الإسناد والرواية وغير ذلك من شروط الاجتهاد المذكورة في علم أصول الفقه.