عام /

التفكير؛ نظرة إيمانية.. [ مقال ]

[ الأربعاء 22 ذو القعدة 1435 هـ ] [ 127 ]

فمن قل تفكره قل اعتباره، ومن قل اعتباره قل علمه، ومن قل علمه كثر جهله، وبان نقصه، ولم يجد طعم البر، ولا برد اليقين، ولا روح الحكمة، وما بلغ علم من درس العلم بلسانه، وحفظ حروفه بقلبه، وأضرب عن النظر والتذكر والتدبر لمعانيه، وطلب بيان حدوده، ما أقربه في حياته من حياة البهائم التي لا تعرف إلا ما باشرته بجوارحها.

 

 

كتاب الله عز وجل مليء بالدعوة إلى التفكير، وكذا سنة النبي- صلى الله عليه وسلم، فالناظر للنص الإسلامي يجده نصاً محركاً للعقول، مستفزاً لها للبحث والجولان في عوالم الفكرة، طلباً لمعاني الأشياء، بهدف الوقوف على علم صحيح يستفيد منه الإنسان في دنياه وأخراه.

والتفكير المقصود- والأولى هنا- هو التفكير في خلق السماوات والأرض، وعظمة الباري- عز وجل- والتفكير في سبل النجاة من هذه الدنيا. والتفكير ليس أمراً عقلياً خالصاً، وإنما للقلب دور في تشكيله، بل ربما يكون للقلب الدور الأكبر في عملية التفكير الشرعي، لأنها عملية إيمانية في المقام الأول، وليست عقلية مادية بحتة.

قال صاحب المفردات في غريب القرآن: "الفكرة قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب.. ورجل فكير كثير الفكرة، قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها طلباً للوصول إلى حقيقتها(1)

أما الحارث المحاسبي- رحمه الله- فقد أطال في بيان فائدة التفكير، فقال: "ولا غناء بالعبد عن التفكير والنظر والذكر؛ ليكثر اعتباره، ويزيد في علمه، ويعلو في الفضل.

فمن قل تفكره قل اعتباره، ومن قل اعتباره قل علمه، ومن قل علمه كثر جهله، وبان نقصه، ولم يجد طعم البر، ولا برد اليقين، ولا روح الحكمة، وما بلغ علم من درس العلم بلسانه، وحفظ حروفه بقلبه، وأضرب عن النظر والتذكر والتدبر لمعانيه، وطلب بيان حدوده، ما أقربه في حياته من حياة البهائم التي لا تعرف إلا ما باشرته بجوارحها.

لكن المتذكر الناظر فيما يسمع، المتدبر لما علم، المتفهم لما به أمر، الطالب لنهاية حدود العلم، الغائص على غامض الإصابة، المحكم للأصول، الراد عليها الفروع هو المفرق بين ما له وما عليه، والمبصر لما يصلحه وما يفسده، القوي على عصيان طبائعه المنازعة إلى ما يهلكه، والمخالف لشهواته التي ترديه"(2).

والعقل هو المنوط بالتفكير، ولهذا يرتبط التكليف بصلاح العقل، فمن جنَّ عقله، أو غاب عن الوعي، أو أخذه النوم فغاب عقله لا تكليف عليه، وذلك لأن "من أعلى خصائص العقل الإنساني الرشد، وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد. ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم، لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف، وعليها مزيد من النضج والتمام بميزة الرشاد، حيث لا نقص ولا اختلال، وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك، وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة، ولكن العقل الرشيد ينجو به من هذا وذاك.. وفريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواء من هذه الوظائف بجميع خصائصه ومدلولالتها. فهو يخاطب العقل الإنساني بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها. فهو يخاطب العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل عرضاً مقتضباً بل يذكره مقصوداً مفصلاً على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان.."(3).

فالتفكير حالة واجبة لتدبر النص الشرعي، ولولا تذرع الإنسان بهذه الحالة لما عمل واجباً ولما انتهي عن محذوراً، فالقرآن نزل على النبي الأمين- صلى الله عليه وسلم- ليبلغه للناس، ومن ثم يتلونه، ويتدبرون معانيه، ويتفكرون في أوامره ونواهيه، وما حواه هذا الكتاب الكريم من النعم والعجائب والفتوحات، وكذا كان الهدف في بقية الكتب السماوية، فما أنزلت هذه الكتب لينفض عنها الناس، ويهجروا التفكر فيما جاءت به.

يقول المولى عز وجل: "{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون*بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون}(4).

وقال تعالى في سورة آل عمران: "{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}(5).

والغاية الأولى والأسمى من التفكير هي تصحيح العبادة وتحسين المعتقد في المولى- عز وجل-؛ ولهذا على سالك طريق التفكير ألا يشتط في تفكيره، وألا يتجاوز حدود التفكير الشرعي، كي لا يتحول التفكير من نعمة إلى نقمة، ومن أداة تبصير إلى أداة فساد وتضليل.

ولهذا وردت عدة تنبيهات نبوية لضبط هذا الأمر في إطاره الشرعي، فمن ذلك-على سبيل المثال- قوله- صلى الله عليه وسلم-: (تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ الله، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله)(6)، منه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فيقول من خَلَقَ كَذَا من خَلَقَ كَذَا حتى يَقُولَ من خَلَقَ رَبَّكَ فإذا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ)(7).

وليس في الأمر النبوي دعوة إلى الخمول وترك التفكير، وإنما فيه حراسة لعقل الإنسان وقلبه من حيل الشيطان ومكره، قال الحافظ- رحمه الله-: "قال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله منه، وكف عن مطاولته في ذلك اندفع. قال: وهذا بخلاف ما لو تعرض أحد من البشر بذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان. قال: والفرق بينهما أن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور، فإذا راعى الطريقة وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها، إلى أن يفضى بالمرء إلى الحيرة نعوذ بالله من ذلك"(8).

فلعقل الإنسان حد وغاية لا يجب أن يتعداها، وإلا أورد نفسه مورد هلاك وضياع وضلال بعد هدى ورشاد، فللعقل جموحات لا ضابط لها إلا ضابط الشرع، ولهذا ترى في أصحاب الملل والديانات الأخرى المنحرفة عن هدي الإسلام انحرافات عقلية كثيرة وخروجات عن المعيار الشرعي لضبط الأمور.

ومن تلك الانحرافات الانغماس في الدنيا والتلهي بها عن التفكير في الآخرة، ولذلك كان السلف يحذرون من ذلك، فعن أبي سليمان الداراني- رحمه الله-: "الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة، وعقوبة لأهل الولاية، والفكر في الآخرة يورث الحكمة، ويحيي القلوب"(9).

ولقد تعلم السلف رضوان الله عليهم من أحوال النبي- صلى الله عليه وسلم- في التفكير فكانوا كثيري التفكير فيما يصلح أخراه، فعن محمد بن واسع أن رجلاً من البصرة ركب إلى أم ذر بعد وفاة أبي ذر، يسألها عن عبادة أبي ذر، فأتاها، فقال: جئتك لتخبريني عن عبادة أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قالت: كان النهار أجمع خاليا يتفكر(10).

وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- أنه بكى يوماً بين أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر(11).

فالتفكير عبادة المتقين المؤمنين، لا يغفل عنه إلا كل لاهٍ ساهٍ غره زخرف الدنيا الزائل، وهل تدرك نعم الآخرة وملذات الدنيا إلا بخلوة يتفكر فيها الإنسان في أحوال نفسه وأحوال خالقه وخلقه؟ فبالتفكير يدرك الإنسان عظمة ربه وقدرته، ويدرك حقارة الدنيا والغاية من خلقه.

وقد كان السلف رضوان الله عليهم وسطاً في كل شيء، دون إفراط أو تفريط، فكانوا يتفكرون في أخراهم، ولا ينسون أمور دنياهم، كما أن تفكيرهم- سواء في الآخرة أو في الدنيا- لم يكن ليلههم عن العبادات المفروضة أو النوافل المستحبة، أما طريقة الصوفية، وهي "أن يكون الشيخ منهم يوماً وليلةً وشهراً مفكراً لا يفتر، فطريقة بعيدة عن الصواب، غير لائقة بالبشر، فقد يدفع التفكير بالمسلم إلى أن يخالف الحق، وهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بسبب التفكير في دينهم، فهم كل يوم على دين ضلال، وشبهة جديدة، لا يقيمون على دين- وإن أعجبهم- إلا نقلهم التفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين، وتركوا الجدل لقطعوا عنهم الشك"(12).

والعقل السليم لا يخالف النص، بل النصوص الصحيحة حاكمة للعقول ومرشدة لها في كافة أمورها، ولهذا لم نر عالماً اتبع نصاً صحيحاً انتكس أو ضل، وإنما رأيناً أقواماً زلت أقدامهم في متاهات العقل لمعارضتهم النصوص الصحيحة، واتباعهم للمتشابه والضعيف والموضوع من الكلام.

وفي بيان العلاقة بين العقل والنص الشرعي الصحيح يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدماً على ما جاءت به الرسل، وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل، وأنهم لا يقولون على الله إلا الحق، وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب، لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ، كما اتفق على ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الله صدق وحق ظن لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي، فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزماً قاطعاً أنه حق، وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به، وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي ولا عقلي ولا سمعي، وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة وشبه من جنس شبه السوفسطائية، وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد شهد له بذلك وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح كان هذا العقل شاهداً بأن كل ما خالف خبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- فهو باطل فيكون هذا العقل والسمع جميعاً شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع"(13).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) المفردات في غريب القرآن- الراغب الأصفهانى: (ص:384).

(2) مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه- الحارس المحاسبي: (ص:235).

(3) التفكير فريضة إسلامية- محمود عباس العقاد: (ص:5).

(4) سورة النحل: (43-44).

(5) سورة البقرة: (164).

(6) اعتقاد أهل السنة (3/525)، وحسنه الألباني.

(7) رواه البخاري: (3102)، ومسلم (143).

(8) فتح الباري: (6/341).

(9) إحياء علوم الدين (4/425).

(10) حلية الأولياء لأبي نعيم: (1/164).

(11) تفسير ابن كثير: (1/439).

(12) الفكر والتفكير في ضوء الكتاب السنة- د. حصة عبد العزيز السويدي: (ص:195).

(13) درء تعارض العقل والنقل- لابن تيمية: (1/172-173).