قضايا فكرية /

الاستشراف الرؤية المستقبلية [ قراءة ]

[ الثلاثاء 14 ذو القعدة 1435 هـ ] [ 290 ]

الاستشراف تطلع إلى معرفة ما غاب عنا، فالنفوس من طبيعتها التشوف إلى معرفة ما سيكون أو حتى ما كان، لذلك قد يلجأ البعض إلى طرق يعتقد أنه من خلالها قد يعلم ما سيحدث تحسبا من القادم، ولكن قد تكون هذه الأمور شرعية مثل الرؤية الصالحة في المنام أو الاستخارة، وقد تكون مخالفة للشرع كالذهاب للكهنة والعرافين وغيرها من الأمور التي نهى عنها الشرع.

 

 

الكتاب: الاستشراف الرؤية المستقبلية

المؤلف: د. محمد بن عمر بن سالم بازمول

ـــــــــــــــــــــــــ

فهذه دراسة عن الاستشراف وبيان مدى مشروعيته، وضوابط ذلك، مستنبطا ذلك من نصوص الوحيين: القران العظيم، والسنة النبوية.

وقد قسم المؤلف كتابه إلى مدخل وخمسة فصول وخاتمة ذكر فيها أهم النتائج التي توصل إليها.

وذكر المؤلف في المقدمة أهم المراجع التي توقف عليها والتي تتحدث عن موضوع البحث، مع تعليق بسيط عليها.

المدخل: النفوس تتشوف إلى ما غاب عنها.

الاستشراف تطلع إلى معرفة ما غاب عنا، فالنفوس من طبيعتها التشوف إلى معرفة ما سيكون أو حتى ما كان، لذلك قد يلجأ البعض إلى طرق يعتقد أنه من خلالها قد يعلم ما سيحدث تحسبا من القادم، ولكن قد تكون هذه الأمور شرعية مثل الرؤية الصالحة في المنام أو الاستخارة، وقد تكون مخالفة للشرع كالذهاب للكهنة والعرافين وغيرها من الأمور التي نهى عنها الشرع.

الفصل الأول: تعريف الاستشراف وأنواعه.

فعرف فيه الاستشراف لغة: بأنه أصل يدل على علو وارتفاع. أما في الاصطلاح العصري فهو: التطلع إلى معرفة المستقبل، بناء على استنباط وتحليل معطيات تتعلق بالموضوع الذي يقصد تكوين رؤية مستقبلية عنه، ووضع الخطط والإستراتيجيات على ذلك.

فبين أن الاستشراف من التعريف يمكن أن يكون بمعطيات عادية من شئون الناس وبما جرت به العادة فهذا ليس به بأس من جهة الشرع لأنها أمور يجتهد فيها الناس حسب طاقتهم لتدبير شؤون حياتهم، بناء على رؤى لهم بنوها على معطيات واقعية لديهم، وهذا ما نراه في الوزارات والشركات الناجحة وغيرها.

أو يكون من الأمور الغيبية التي تتعلق من جهة ما اخبرنا به الشرع من السنن الكونية، فهذا تجده عند بعض أهل العلم في فهمهم ورؤيتهم وتفسيرهم وتحليلهم للحدث، كما تدخل فيها الرؤيا الصالحة، أو أن تكون من غيرها كالكهانة أو الاتصال بمسترقي السمع وأمور الشعوذة والسحر وغيرها من ذكر أمور ستحدث، وما سذكرونه من الطوالع، وأخبار النجوم، وهذا فيه محظور شرعي، إذ يدعى صاحبه علما للغيب مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

إذا فيتضح من هذا أن أنواع الاستشراف: استشراف عادي، استشراف اجتهادي غيبي، استشراف تكهني

الفصل الثاني: أدوات الاستشراف.

للاستشراف أدوات بحسب نوعه.

- فالاستشراف العادي لشئون الحياة العادية يتوصل إليه بـ:

* وضع الأهداف والغايات التي يقصد الوصول إليها.

* دراسة وتحليل المعطيات التي يراد التوصل منها إلى هذه الأهداف.

* التخطيط بناء على المعطيات التي أتاحتها هذه الدراسات والتحليلات، للوصول إلى هذه الأهداف.

* وضع جدول زمني لهذه الخطط، من أجل متابعة السير عليها وما يتعلق به.

* القيام بمتابعة هذه الأمور مرحلة مرحلة.

- أما الاستشراف المبني على الخبر الغيبي: إما الوحي وما في معناه، وإما غير الوحي.

فالاستشراف الاجتهادي الغيبي المعتمد على الوحي فأدواته:

1- القرآن العظيم، والسنة النبوية.

2- ما يعتمد على الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

3- الرؤيا الصالحة.

أما الاستشراف التكهني، المبني على غير الوحي الشرعي، فإن أدواته هي ما يستعمله أهل الكهانة والسحر والشعوذة ومنها:

* الطالع والنجوم، والأبراج.

* قراءة الكف.

* قراءة فنجان القهوة.

* الأسماء والحروف ومدلولاتها بحسب ما عندهم.

* الاتصال بالجن.

* الخط على الرمل.

* استعمال الصدف والقواقع.

الفصل الثالث: حكم الاستشراف.

الاستشراف المبني على الأمور العادية، التي ليس فيها ما يخالف الشرع، يدخل في دائرة المباحات. وفيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ؟ فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِى الأُنْثَى فَيَلْقَحُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلممَا أَظُنُّ يُغْنِى ذَلِكَ شَيْئًا قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلاَ تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) اخرجه الإمام مسلم في كتاب الفضائل (2361)

أما الاستشراف الاجتهادي، الذي يقوم على معطيات من الخبر الغيبي الشرعي، مباح كذلك، بل قد يكون واجبا أو مستحبا، وفيه قوله تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" الأنعام:11

وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ : " لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِّينُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ ، عِزٌّ يُعِزُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الإِسْلامَ ، أَوْ ذُلٌّ يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ " . فَكَانَ تَمِيمٌ , يَقُولُ : لَقَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالشَّرَفَ وَالْعِزَّ ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ كَافِرًا الذُّلَّ وَالصَّغَارَ وَالْجِزْيَةَ .[مسند احمد: 16509].

أما الاستشراف التكهني فهو حرام؛ لأنه مبني على أمور حرمها الشرع وفيها حديث رسول الله عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِشَيْءٍ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا مِنَ الجِنِّيِّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ» [البخاري:5762]

الفصل الرابع: ضوابط الاستشراف.

وبالنظر والاستقراء للأدلة الشرعية، نجد أن للاستشراف ضوابط شرعية، لابد من مراعاتها:

- عدم السعي إلى صناعة الحدث، ليحمل عليه النص، إنما يستفاد من الحدث ويتعامل معه.

- الإيمان بالقضاء والقدر، فإن المسلم يعلم أن علم الله نافذ، فهو يسعى ويأخذ الأسباب ويؤمن  بأن الأمر كله لله تعالى.

- الرضا بالقضاء والقدر، وهذا أمر من نتائج الإيمان بالقضاء والقدر.

- عدم الجزم بالأمور، فلا تحمل الأخبار الواردة على أمور بعينها مما حصل أو سيحصل.

- عدم التوكل، فالله مثلا أخبرنا أن المسلمين سيغلبون اليهود، وليس معنى ذلك أن نقعد ونتواكل وننتظر أن يحصل ذلك.

- الاستخارة الشرعية؛ لأن المسلم لا يعلم أين الخير، وهو في استشرافه للمستقبل لا يجزم بأن الخير فيما أداه إليه اجتهاده.

- الاستشارة لأهل الخبرة والاختصاص.

- تقديم شأن الآخرة على شأن الدنيا.

- عدم مخالفة الكتاب والسنة، ولا يخرج عما جاء في الإسلام.

- ألا يسوغ الواقع –المخالف لما يرضاه الشرع- بما يستشرفه من النصوص الشرعية.

- أي يتكلف في ذلك ويبالغ فيه.

الفصل الخامس: إيرادات والجواب عليها.

الإيراد الأول: أليس في طلب الاستشراف ركون إلى الدنيا؟

* إن استعمال الاستشراف والرؤية المستقبلية هو من باب استصلاح الدنيا للاخرة، وسعى المسلم بناء على ذلك للحصول على المدنية والحضارة يكون عرضا لا غرضا.

الإيراد الثاني: أليس في الاستشراف ما ينافي التوكل؟

* فالمسلم يضع الخطط للمستقبل بناء على رؤية استشرافية لما يكون عليه الوضع بحسب المعطيات والمقدمات التي لديه، فهو يحقق التوكل بعلمه هذا؛ إذ التوكل هو الاعتماد على الله مع أخذ الأسباب.

الإيراد الثالث: أليس في الاستشراف ما ينافي الاستعداد للآخرة، والزهد في الدنيا فإن الأمر أعجل من ذلك؟

* الاستشراف لا ينافي الزهد بالدنيا، إذا لم يتكلف فيه المسلم، نعم إذا بالغ في ذلك وصل إلى حد التكلف.

الإيراد الرابع: أليس في الاستشراف ما يعارض الإيمان بالقضاء والقدر؟

* ليس في الاستشراف ما ينافي القضاء والقدر، إذا كان المسلم يعلق أمره بالله، ويعلم أنه يستطيع أن يجلي لنفسه من الخير إلا ما أراده الله له، ولا يصرف عنه من السوء إلا ما أراده الله له.

الإيراد الخامس: أليس في الاستشراف ما يشابه الكهانة؟

* فما كان منه مبينا على كلام الكهان والسحرة والجان والمشعوذين، فهذا استشراف تكهني، أما الاستشراف المبني على نصوص الوحي الثابتة، وهو الاستشراف الوحي، أو المبني على الأمور العادية، وهو الاستشراف العادي، فهذا لا يدخل فيه الكهانة وليس منها.

الخاتمة: وبذكر أهم النتائج التي توصل لها المؤلف ختم كتابه.