النهضة و التغيير /

نظرة المستشرقين للإصلاح والتَّجديد في الإسلام [ دراسة ]

[ الأحد 13 جمادى الآخر 1435 هـ ] [ 282 ]

غير أنَّ المستشرقين لهم اتجاه مغاير، يفسّرون به الإصلاح والتَّجديد في الإسلام، فلهم فهمهم وأهدافهم وأساليبهم التي يسلكونها لتحقيق غايتهم، فقد كُلِّف عامتهم بالبحث في هذا الموضوع قديماً وحديثاً. وهذه الدّراسة تهدف إلى التّطرُّق إلى آرائهم في الموضوع المذكور آنفاً، وتناقش نظرتهم في الإصلاح والتَّجديد في الإسلام، وأهدافهم وأساليبهم التي انتهجوها في دراساتهم.

 

 

البحث: نظرة المستشرقين للإصلاح والتَّجديد في الإسلام (دراسة نقديّة)(*).

إعداد: أ.د. محجوب أحمد طه(**).

ــــــــــ

ختم الله تعالى رسالاته السّماويّة إلى الأرض بالإسلام، وجعله كاملاً وشاملاً لأمر الدنيا والآخرة، وقد حفظ سبحانه وتعالى المصدرين الأساسين لهذا الدّين (القرآن الكريم والسُّـنَّة النَّبويّة) من التّحريف والتّزييف، وعليه فإنَّ الإسلام- في أصوله وأركانه ومبادئه- لا يحتاج إطلاقاً إلى إصلاح ولا يناله تجديد، وأمَّا الإصلاح والتَّجديد الذي حصل في بعض الفترات في تاريخ الأُمَّة الإسلاميّة فقد كان إصلاحاً وتجديداً ضمن إطار الشَّريعة الإسلاميّة، منضبطاً ومحكوماً بتعاليم الكتاب والسُّـنَّة، وقد استلزمه واقع الأُمَّة، واقتضته مصلحتها.

غير أنَّ المستشرقين لهم اتجاه مغاير، يفسّرون به الإصلاح والتَّجديد في الإسلام، فلهم فهمهم وأهدافهم وأساليبهم التي يسلكونها لتحقيق غايتهم، فقد كُلِّف عامتهم بالبحث في هذا الموضوع قديماً وحديثاً.

وهذه الدّراسة تهدف إلى التّطرُّق إلى آرائهم في الموضوع المذكور آنفاً، وتناقش نظرتهم في الإصلاح والتَّجديد في الإسلام، وأهدافهم وأساليبهم التي انتهجوها في دراساتهم.

ففي صفحات هذه الدراسة يناقش الباحث مفهوم "الإصلاح والتَّجديد في الإسلام" بين المستشرقين والمسلمين. ثُمَّ يتطرّق بعد ذلك إلى الحديث عن أهداف المستشرقين من دعوتهم إلى "إصلاح الإسلام وتجديده"، مع بيان عدد من الأساليب التي سار عليها المستشرقون للوصول إلى أهدافهم.

مفهوم الإصلاح والتَّجديد بين المستشرقين والمسلمين:

أوضح الباحث أن الإصلاح المقبول في الإسلام هو ذلك الذي يكون في الإنسان: عقيدة، وأخلاقاً، وعبادات، ومعاملات، لتتسق مع تعاليم الإسلام في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويمكن أَنْ يكون الإصلاح كذلك في النُّظُم والأساليب والسِّياسات التي يصنعها المسلم لإدارة المؤسسات المتنوعة، وذلك لتتوافق مع معايير القرآن والسُّـنَّة.

أما التجديد في الإسلام فيعني: "إحياء وبعث معالم الدِّين العلميّة بحفظ النُّصوص الصَّحيحة نقيّة، وتمييز ما هو من الدِّين ممَّا هو ملتبس به، وتنقيته من الانحرافات والبدع النَّظريّة والعمليّة والسُّلوكيّة، وبعث مناهج النَّظر والاستدلال لفهم النُّصوص على ما كان عليه السَّلف الصَّالح..

وعليه فالفرق كبير بين الإصلاح والتَّجديد في الإسلام، وبينه في الدّراسات الغربيّة التي تهدف إلى الخروج على تعاليم الإسلام في عقيدته وشريعته، وجعل المسلم يتنكّر لدينه الحقّ، ويتبع الغربيين في الانحراف عن أديانهم بزعم مسايرة العصر، وعدم المصادمة مع نظراته المنفلتة من كُلّ قيد دينيّ وأخلاقيّ.

أهداف دعوة المستشرقين لإصلاح الإسلام وتجديده:

أشار الباحث إلى عدد من الأهداف التي سعى المستشرقون إلى تحصيلها من وراء تشويه وتحريف مفهومي التجديد والإصلاح في الإسلام، وهذه الأهداف هي:

الهدف الأوّل: الحيلولة دون انتشار الإسلام بين الأوربيين كما انتشر بين غيرهم من الشُّعوب.

الهدف الثَّاني: صرف المسلمين عن التَّمسُّك بدينهم، ومحاولة صدّهم عنه، وإخراجهم منه.

الهدف الثَّالث: تهيئة المسلمين لتقبُّل النَّصرانيّة واعتناقها.

أساليب المستشرقين التي ترمي إلى الطَّعن في الإسلام:

وأنهى الباحث نقاط دراسته بالحديث عن الأساليب التي اتخذها المستشرقين للطَّعن في الإسلام، وقد لخصها في الآتي:

[1] الحرص في كتاباتهم على إظهار الإسلام وكأنَّه قد أخذ تعاليمه من اليهوديّة والنَّصرانيّة وغيرهما.

[2] تصنيف الإسلام إلى عدّة أنواع، فمرّة يقولون: "الإسلام الأصوليّ"، و"الإسلام التَّقليديّ"، و"الإسلام الرَّسميّ"، ومرّة أخرى يكتبون: "الإسلام الجماهيريّ"، "الإسلام الصُّوفيّ"، وثالثة يقولون: "الإسلام السِّياسيّ"، "الإسلام الاشتراكيّ"، وهكذا..

[3] من خلال بثّ "العلمانيّة" في الأُمَّة الإسلاميّة.

[4] التَّشكيك في قدسيّة القرآن الكريم والسُّـنَّة النَّبويّة.

[5] من خلال مدح التَّصوُّف المنحرف.

[6] من خلال إثارة الخلافات العقدية والفكرية التي حصلت في تاريخ المسلمين قديماً.

ثم ختم الباحث دراسته بمجموعة من النتائج، وهي:

[1] هناك اختلاف جذريّ في مفهوم "الإصلاح والتَّجديد" بين علماء المسلمين وبين المستشرقين، فبينما يرى علماء الأُمَّة أنَّ ذلك يتعلّق بفكر المسلمين وسلوكهم وممارستهم، فإنَّ المستشرقون يرونه إصلاحاً يطال الأصول (القرآن الكريم والسُّـنَّة النَّبويّة).

[2] ينطلق المستشرقون في هجومهم على الإسلام من أهداف ثلاثة، هي:

[أ]  صدّ بني جلدتهم عن الاستماع إلى الإسلام، الدّين الحقّ.

[ب] زحزحة المسلمين عن دينهم من خلال أساليب شتَّى.

[ج] السَّعي إلى جعل المسلمين يعتنقون النَّصرانيّة.

[3] سلك المستشرقون في سبيل الحصول على أهدافهم جملة من الأساليب، منها ما يلي: التَّشكيك في القرآن الكريم والسُّـنَّة الشَّريفة، الإدّعاء بأنَّ الإسلام استعار بعض تعاليمه من اليهوديّة والنَّصرانيّة، ومثل تصنيفهم للإسلام بعدّة تصنيفات، وكدعوتهم للعلمانيّة، ومدحهم للجماعات المنحرفة في تاريخ المسلمين.

[4] الظَّاهر أنَّ أهل الاستشراق استقروا على طريقة: "الغزو المخادع"، الذي يتزيّن بـ "الإصلاح والتَّجديد"، بدلاً من مهاجمة الإسلام مباشرة في عقيدته وشريعته.

ــــــــــ

(*) مجلة جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية- العدد السَّادس عشر- 1429هـ، 2008م

(**) أستاذ دكتور، يعمل حالياً بجامعة العين، دولة الإمارات العربيّة المتحدة.

لتحميل الدراسة انقر هنا: