عام /

الأحكام الشرعية للنوازل السياسية [ قراءة ]

[ الأربعاء 18 جمادى الأول 1435 هـ ] [ 401 ]

وقد قسم المؤلف كتابه إلى فصل تمهيدي وبابين اثنين, تناول في الباب الأول أهم النوازل المتعلقة بنظام الحكم, من حيث حكم العمل بالديمقراطية كنظام حكم للدولة الإسلامية, إضافة لحكم التعددية السياسية وقيام الأحزاب, وحكم المشاركة النيابية في ظل الأنظمة الوضعية العلمانية, ناهيك عن حكم المظاهرات كوسيلة حسبة سياسية, وحكم مشاركة المرأة في المجالس النيابية, وحكم مشاركة غير المسلمين في المجالس النيابية في البلاد الإسلامية.

 

 

الأحكام الشرعية للنوازل السياسية

الدكتور: عطية عدلان

دار اليسر2011م 

ـــــــــــــ

نظرا لكون الإسلام دين عالمي فإن من حق البشرية كلها أن تسعد به, كما أن أمة تعتبر صاحبة رسالة عالمية لا بد وأن يكون لها نظام حكم متميز وفريد, فإذا ما جدت على الساحة العلمية والعملية للأمة الإسلامية كثير من النوازل التي تتعلق بنظام الحكم في الإسلام, فإنها بلا شك تستدعي نظرا فقهيا عميقا للوصول إلى أحكام شرعية صائبة, وهو ما حاول المؤلف فعله في هذا الكتاب الذي هو في الأساس رسالة دكتوراه نال فيها المؤلف مرتبة الشرف الأولى من الجامعة الأمريكية المفتوحة عام 2008م.

وقد قسم المؤلف كتابه إلى فصل تمهيدي وبابين اثنين, تناول في الباب الأول أهم النوازل المتعلقة بنظام الحكم, من حيث حكم العمل بالديمقراطية كنظام حكم للدولة الإسلامية, إضافة لحكم التعددية السياسية وقيام الأحزاب, وحكم المشاركة النيابية في ظل الأنظمة الوضعية العلمانية, ناهيك عن حكم المظاهرات كوسيلة حسبة سياسية, وحكم مشاركة المرأة في المجالس النيابية, وحكم مشاركة غير المسلمين في المجالس النيابية في البلاد الإسلامية.

في الباب الثاني تناول المؤلف النوازل المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول, فتناول الأصل في تلك العلاقة, وحكم معاهدات السلام مع دار الحرب, إضافة لحكم الاستعانة بالدول الكافرة على حرب الدول الإسلامية, وحكم التجنس بجنسيات الدول غير الإسلامية, ناهيك عن حكم العلمليات الاستشهادية.

في الفصل التمهيدي تناول المؤلف التعريفات التي لها علاقة بالموضوع كتعريف السياسة لغة واصطلاحا, وكذلك كلمة النوازل, كما تناول أيضا حقيقة أن الإسلام دين ودولة, وأنه ليس هناك فصل بينهما البتة, مؤكدا على عدم صحة أكذوبة أن الإسلام "دين بلا دولة ", ذاكرا الأدلة على إثبات هذه الحقيقة من القرآن والسنة النبوية القولية والعملية, ناهيك عن دليل الإجماع على وجوب الإمامة ووجوب إقامة الدولة الإسلامية.

كما دفع المؤلف في هذا المبحث شبهات العلمانيين ودحض مفترياتهم على الدولة الإسلامية, وخاصة فيما يتعلق بافترائهم الأشد على الدولة الإسلامية من خلال إطلاق اسم "الدولة الثيوقراطية" عليها.

كما تناول المؤلف في الفصل التمهيدي أسس نظام الحكم الإسلامي, كسيادة شريعة الله على هذه الدولة, مع ذكر الأدلة على هذا الأساس, وإذا كانت السيادة في الإسلام لله وحده, فإن السلطان فيه للأمة, فالحاكم في الإسلام ليس إلا نائبا عن الأمة ووكيلا عنها, وقد ذكر المؤلف الأدلة على هذه الأساس من السنة و السيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن أسس الدولة الإسلامية التي ذكرها المؤلف أيضا الشورى كمنهج للحكم في الإسلام, سواء في اختيار الحاكم أو عزله, أو في اتخاذ القرارات الهامة المتعلقة بالشأن العام, أو في مجال الاجتهاد الجماعي في استنباط الحكم الشرعي في ضوء مقاصد التشريع, متناولا الخلاف في مسألة: هل الشورى ملزمة أم لا؟؟ ومرجحا إلزامية الشورى.

كما تناول المؤلف التكامل كأساس في العلاقة بين الحاكم والمحكوم من حيث أن كل منهما عليه واجبات وله حقوق, كما تناول أيضا إقامة العدل وحراسة الحريات ورعاية المبادئ وحقوق الإنسان, منوها لتميز الدولة الإسلامية في هذا الجانب, ناهيك عن أساس وحدة الأمة وواحدية الإمام.

وفيما يتعلق بمؤسسات النظام السياسي الإسلامي ذكر المؤلف أهم تلك المؤسسات متمثلة: بمؤسسة أهل الحل والعقد, متناولا الأصل الشرعي لهذه المؤسسة, وكيفية تكوينها وتنظيمها في الإسلام, وأهم الأعمال الموكولة لأصحاب هذه المؤسسة.

ثم تناول المؤلف السلطات الحاكمة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية, منوها على أن السلطة التشريعية في المفهوم الإسلامي هم صفوة علماء الشريعة المجتهدين, المكلفون باستخلاص الأحكام الشرعية من مصادرها ووضعها لدى الدولة للتنفيذ, إضافة للإشراف على السلطات الأخرى فيما يتعلق يتنفيذ الشريعة الإسلامية.

أما السلطة القضائية فهي في الإسلام الجهة التي تملك إصدار الأحكام الشرعية في القضايا المتنازع فيها في ضوء الكتاب والسنة وإجماع الأمة, بينما تعتبر السلطة التنفيذية أكبر مؤسسات السلطة الحاكمة في الأمة الإسلامية, وتتكون من: مؤسسة الخلافة والجهاز الإداري, المنوط بهم تنفيذ أوامر الشرع الإسلامي بدءا من رئيس الدولة, وصولا إلة الوزراء والولاة والعمال وقادة الجيوش ورجال الشرطة.

بعد هذا الفصل التمهيدي الطويل بدأ المؤلف بالباب الأول المتعلق بالنوازل المتعلقة بنظلم الحكم الإسلامي, فتناول في الفصل الأول حكم العمل بالديمقراطية كنظام للدولة الإسلامية, موضحا أن هناك فريقان -من الذين ينادون بها باسم الإسلام- في هذه المسألة:

1- القائلون بجواز العمل بالديمقراطية وأدلتهم: ومن أشهر القائلين بهذا الرأي الدكتور يوسف القرضاوي ومحمد عمارة وكثير من علماء ومفكري جماعة الإخوان المسلمين, وشخصيات أخرى كالإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا وغيرهم.

وقد استدل هذا الفريق بعدة أدلة منها: أن جوهر الديمقراطية هو اختيار الناس من يحكمهم ويسوسهم, وهو بطبيعة الحال غير مخالف لمبادئ الإسلام, إضافة إلى عدم وجود مانع شرعي من اقتباس فكرة أو نظرية من غير المسلمين, ناهيك عن أن الإسلاك اكتفى في مجال نظام الحكم بمبادئ عامة وأسس كلية دون تحديد نظام مفصل.

2- القائلون بعدم جواز العمل بالديقراطية وأدلتهم: ومن أبرز من يتزعم هذا الرأي الدكتور عبد الكريم زيدان ومحمود الخالدي وغيرهم, ومن أهم أدلة هذا الفريق: أن الديمقراطية بإجماع فقهاء القانون تقوم على أساس فلسفي هو نظرية السيادة للأمة والشعب, وهو أساس باطل شرعا, ولا يجوز اعتقاده أو التسامح فيه, نظرا لكونه نظام بشري محدث يقوم على أدوات تتعارض مع المقررات الإسلامية: كالتعددية والأغلبية, ناهيك عن كثير من الانتقادات للديمقراطية بكونها ليست حكم الشعب لنفسه, بل حكم الأقلية المترفة له, إضافة لوهم الحرية الفردية الممنوحة للفرد في ظلها, ناهيك عن الانتقادات الموجهة للانتخابات كآلية للديمقراطية.

وبعد مناقشة المؤلف لأدلة كلا الفريقين رجح القول بعدم جواز العمل بالديمقراطية وبأنها ليست من الإسلام, وذلك لضعف أدلة المجيزين وتهافتها – كما يقول المؤلف – وقوة أدلة المانعين وتماسكها.

وقد أضاف المؤلف إلى كفة المانعين للعمل بالديقراطية دليلا غفل عنه الكثيرون –كما يقول– رغم شدة ظهوره وهو دليل الأثر, فأوضح دليل على صحة نظام من عدمه هو الأثر الذي يخلفه في الواقع, والأثر السيء للديمقراطية على البشرية واضح, ذاكرا تاريخ تكريس الديمقراطية كنظام حكم وما خلفه من آثار على العالم.

في الفصل الثاني تناول المؤلف مسألة حكم التعددية السياسية وقيام الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية, بادئا بذكر الأساس الذي ارتكزت عليه فكرة التعددية ألا وهي الليبرالية – الحرية الفردية -, متناولا تعريف مصطلحات كالمعارضة والحزب والتعددية السياسية كتمهيد للوصول إلى حكمها الصحيح في الإسلام.

بعد ذلك استعرض المؤلف آراء العلماء والمفكرين الإسلاميين في هذه المسألة:

1- القائلون بجواز التعددية السياسية في الدولة الإسلامية بإطلاق وأدلتهم, ولعل أبرزهم الدكتور سليم العوا فهمي هويدي وراشد الغنوشي وغيرهم, ولعل حركة النهضة بتونس هي الوحيدة التي أباحت التعددية السياسية بإطلاق.

وقد استدل هذا الفريق بالوقع الذي لا ينكر أن آراء الناس متعددة بناء على تعدد عقائدهم وتصوراتهم, إضافة لكون الإسلام يبيح الاجتهاد وأن الفطرة الربانية قامت على أساس تعدد المخلوقات, ناهيك عن كون المذهبية الإسلامية قد استوعبت في داخلها اليهود والنصارى والمجوس, وأن نظام الحكم الإسلامي ليس ثيوقراطيا بل يقرر حرية الرأي والاعتقاد والعبادة.

2- القائلون بجواز التعددية في إطار الأصول الشرعية دون إطلاق وأدلتهم: وأبرز هؤلاء الدكتور يوسف القرضاوي و مصطفى مشهور والإمام محمد أبو زهرة وغيرهم, ومن أبرز أدلتهم أن أهم واجبات الأمة الإسلامية –كالحسبة السياسية والشورى- يعز القيام بها في الواقع المعاصر إلا من خلال أحزاب إسلامية تتبنى برامج إصلاحية لا تخرج عن إطار الشرع, بالإضافة إلى أن المعارضة – إبداء المسلم لرأيه بما يحقق المصلحة للجماعة – مشروعة بالكتاب والسنة, ناهيك عن كون إقامة الأحزاب المتعددة من مسائل السياسة الشرعية التي وسع فيها الشارع الحكيم لتحقيق المصالح العامة ودفع المفاسد, وأن قواعد المصلحة والنظر في المآلات تقتضي إباحة تلك التعددية.

3- القائلون بمنع التعددية السياسية وقيام الأحزاب في الدولة الإسلامية وأدلتهم: ومن أشهرهم الدكتور بكر أبو زيد ووحيد الدين خان وفتحي يكن زصفي الدين المباركفوري وغيرهم كثير.

واستدل هذا الفريق على رأيهم بأن الله أمرنا بالوحدة والاجتماع ونهانا عن الفرقة والخلاف, والحزبية مظنة الفرقة والبغضاء, وأن معقد الولاء والبراء هو الحق بينما الأحزاب تهدم هذا الأصل إذ تجعل المسلم يعادي المسلم, وتجعل معقد الولاء والبراء ما يراه الحزب, إضافة لكون التعددية تفضي لتزكية النفس والطعن بالآخرين وهو خلق مذموم في الإسلام, ناهيك عن انعدام السوابق التاريخية الإسلامية لهذا الأمر.

وبعد مناقشة مستفيضة من المؤلف للرأي الأول الذي يقول بجواز التعددية بإطلاق, توصل إلى بطلان هذا القول, موضحا أن التعددية هدفها إقناع الشعب بتطبيق مبادئ وأهداف وبرامج الأحزاب, والتي من بينها أحزاب غير إسلامية, مما يناقض دستور الدولة الإسلامية الذي ينص على حماية الدين والقيم الدينية.

وبعد مناقشة أدلة الفريق الثاني القائل بجواز التعددية في إطار الشرع وكذلك الفريق الثالث الذي يرى منع جواز التعددية السياسية في الإسلام رجح المؤلف الرأي الأخير الذي يمنع التعددية , موضحا أن التعددية السياسية لا تناسب إلا المجتمع التعددي الذي لا تربطه روابط العقيدة ووشائج الدين , كالمجتمع الليبرالي الغربي , منوها على أنه في ظل الأنظمة العلمانية الحالية قد يختلف الجكم , إذ إن فقه السياسة الشرعية يتسع في حالات الاستضعاف وفي ظروف القهر للقبول بفكرة التعددية السياسية دفعا لأعظم الشرين وارتكابا لأخف الضررين .

في الفصل الثالث من هذا الباب تناول المؤلف حكم المشاركة في المجالس النيابية في ظل الأنظمة العلمانية, بعد أن استعرض تاريخ سقوط الخلافة العثمانية وإحلال الأنظمة الوضعية محل الحكم بالشريعة الإسلامية, ومع إقرار الجميع بأن البرلمانات الحالية مخالفة للإسلام اختلف العلماء والمفكرون المعاصرون في حكم المشاركة فيها بين مجوز ومانع.

واشتهر من القائلين بالمنع كثير من علماء الدعوة السلفية بمصر كالشيخ سعيد عبد العظيم وياسر برهامي وغيرهما, ومن أهم القائلين بالجواز الدكتور يوسف القرضاوي وعمر سليمان الأشقر وفتحي يكن وحسن البنا وغيرهم, كما نقل غير واحد من الباحثين فتوى الجواز على لسان الشيخ محمد صالح العثيمين وسلمان العودة وغيرهم.

وبعد استعراض المؤلف لأدلة الفريقين ومناقشة كل منهما على حدة رجح المؤلف أن الأصل في الأمر هو الاجتناب, أما بالنسبة لجواز الخروج عن هذا الأصل من عدمه وهو موضع الخلاف الرئيس في القضية, فقد رأى المؤلف أن أدلة المنع لا تنهض لإطلاق القول بالمنع , كما أن أدلة القائلين بالجواز لا تنهض بإطلاق الجواز, وبالتالي فإن إطلاق القول بالمنع أو الجواز غير وارد, وعلى هذا فالجواز من عدمه متوقف على اجتهاد العلماء فيما يحقق مصالح المسلمين ويدفع عنهم المفاسد, وبالتالي فقد تكون المشاركة ممنوعة في زمان ومكان ما ,وقد تكون جائزة في مكان آخر وزمان آخر.

في الفصل الرابع من هذا الباب تناول المؤلف بعض النوازل الفرعية, كالحكم الشرعي في المظاهرات , وبعد تعريف المظاهرات لغة واصطلاحا بين المؤلف أن القول بجواز المظاهرات كوسيلة للحسبة السياسية تنبني على أصلين هما: النصيحة للحاكم واجبة على الأمة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأنها وسيلة وأداة إن خلت من المخالفات الشرعية.

أما القول بالمنع والتحريم فمبني على بعض الأصول وهي: وجوب السمع والطاعة للحاكم, وسد الذرائع المفضية للفوضى, وتحريم الإحداث والابتداع والتشبه بالكفار.

وقد أوضح المؤلف أن بعض العلماء تبنى القول بتحريم المظاهرات ومنهم: الشيخ عبد العزيز بن باز وابن عثيمين وسليمان بن أيوب وغيرهم, بينما تبنى الجواز كثير من المعاصرين من أمثال محمد حسان وجماعة الإخوان.

وقد رجح المؤلف جواز المظاهرات بشرط أن تحقق المصلحة وألا تصادم أصلا أو حكما شرعيا, لكون المظاهرات وسيلة وآلية لا يشترط أن يكون الشرع قد ورد بها, فإن لم تتحقق شروطها كان الحكم هو المنع والتحريم.

وقد عدد المؤلف شروط جواز المظاهرات بخلوها من المخالفات الشرعية كالتخريب والتدمير للمنشآت والممتلكات العامة أو الخاصة, والاختلاط ورفع الشعارات المنافية للإسلام, وأن تحقق المصلحة بغلبة الظن, وأن تكون بعد استفراغ الوسع في النصيحة والإنكار, وأن تكون صادرة عن ولاية شرعية.

وعن حكم مشاركة المرأة في المجالس النيابية الحالية فإن المقصود التصويت فلا شك بجوازه عند معظم العلماء كما قال المؤلف, وأما إن كان المقصود عضوية المرأة في المجلس النيابي فهو المختلف عليه بين مجوز ومانع, ويأتي على رأس المانعين الشيخ أبو الأعلى المودودي وغيره, بينما يأتي على رأس المجوزين الشيخ شلتوت والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهما.

وبعد مناقشة أدلة الفريقين رجح المؤلف القول بالمنع, وذلك من خلال قياس الأولى في منع المرأة من تولي الرئاسة العامة – الإمامة –, حيث يرى أن مؤسسة أهل الحل والعقد في النظام الإسلامي أرفع مكانة من مؤسسة الحاكم أو الخليفة والإمام.

وأما عن مسألة دخول غير المسلمين المجالس النيابية أو الشورى في الدولة الإسلامية, فيأتي على رأس القائلين بجوازه الشيخ يوسف القرضاوي, بينما كثير من المعاصرين –منهم محمد أسد وغيره- يرى المنع, وبعد استعراض المؤلف لأدلة الفريقين رجح المنع.

في الباب الثاني من هذا الكتاب استعرض المؤلف النوازل المتعلقة بالعلاقات الخارجية للدولة الإسلامية, بادئا بتعريفات للقانون الدولي الوضعي والإسلامي, ومفهوم دار الإسلام والحرب في الإسلام, ليصل في الفصل الأول إلى أن نقطة الخلاف حول مسألة الأصل في علاقة الدولة الإسلامية بالدول غير الإسلامية هل هو السلم أم الحرب؟؟

وبينما ذهب فريق إلى أن الأصل هو الحرب ما لم يطرأ ما يوجب السلم كما يرى المودودي, ذهب الفريق الآخر -وعلى رأسهم محمد أبو زهرة وغيره– إلى أن الأصل هو السلم ما لم يطرأ ما يوجب الحرب, وبعد استعراض أدلة الفريقين رجح المؤلف القول بأن جهاد الطلب واجب, وأن القول بأن الجهاد الإسلامي دفاعي باطل, كما أن القول بأن الأصل بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها هو السلم باطل أيضا, دون أن يوافق على كون العلاقة هي الحرب, وإنما هي تحقيق سيادة للدين.

في الفصل الثاني من هذا الباب تناول المؤلف مسألة الحكم الشرعي لمعاهدات السلام مع دار الحرب, بادئا بتعريفات المعاهدة والموادعة والهدنة لغة وشرعا, مرورا بجواز عقد الهدنة بشروطها الشرعية عند كافة المذاهب الفقهية, وصولا إلى موقف المعاصرين من شرط عدم التأبيد في معاهدة السلام, وهو الشرط الذي لم ينازع فيه كثير من المعاصرين كالدكتور الزحيلي والدريني وغيرهما, إلا أن الشيخ أبو زهرة حاول أن يدفع هذا الشرط كما يرى المؤلف مع مخالفته تماما لهذا الرأي.

وعن حكم معاهدات الدول الإسلامية مع الكيان الصهيوني, وبعد استعراض جميع تلك المعاهدات وبنودها وشروطها رأى المؤلف أنها تخالف مقاصد الشريعة الإسلامية, وأنها لم تستوف شرطا واحدا منن تلك الشروط, وبالتالي فهي غير جائزة, وعن السبل الشرعية للخروج من عهدة المعاهدات غير الشرعية وضع المؤلف عدة حلول تتمثل في: التحفظ وإلغاء الشرط المنافي للشرع بإرادة منفردة, والضغط على أطراف المعاهدات بأساليب لا تخل بقانون المعاهدة, وأسلوب النبذ على سواء, والإنهاء بهجوم عسكري.

وعن حكم الاستعانة بدولة غير إسلامية على حرب المسلمين كما حصل في حرب الخليج لإخراج صدام حسين من الكويت, استعرض المؤلف رأي الشيخ عبد العزيز بن باز الذي برر موقف السعودية من الاستعانة بالقوات الأمريكية بالحاجة الملحة والضرورة القصوى, وكذلك أجاز الشيخ محمد سيد طنطاوي مفتي مصر وشيخ الأزهر سابقا ذلك, كما أيد الأمر شيخ الأزهر جاد الحق من باب حفظ الضرورات الخمس كما يقول.

وبعد استعراض المؤلف في الفصل الثالث لأقوال العلماء القدامى في مسألة الاستعانة بالمشركين كأفراد في الجهاد على حرب المشركين, وكذلك حكم الاستعانة بأهل الذمة على حرب المشركين, أو الاستعانة بأهل الشرك على حرب أهل البغي, وصل المؤلف إلى التكييف الصحيح لنازلة استعانة المسلمين بقوات المشركين على المسلمين في حرب الخليج, ليخلص إلى أن الحكم هو عدم الجواز لعدم استكمال الشروط المجيزة بأي حال من الأحوال.

وفي الفصل الرابع من هذا الباب تناول المؤلف حكم الشرع في دخول دولة إسلامية في حلف عسكري مع دولة غير إسلامية , ذاكرا أن البعض مال إلى الجواز بشروط , بينما مال البعض الآخر للمنع إلا للضرورة , وبعد استعراض الرأيين مع أدلتهما رجح المؤلف خضوعها لقواعد السياسة الشرعية , بمعنى أنها ليست مباحة أو محرمة بإطلاق , وإنما العبربة بالنتائج والمصالح والمفاسد .

وأخيرا استعرض المؤلف مسألة حكم العمليات الاستشهادية التي بحثها كثير من العلماء المعاصرين قبله, إضافة لمسألة حكم التجنس بجنسية دولة من دول الكفر, مستعرضا مذهب المانعين والمجوزين بإطلاق, إضافة لمذهب المجوزين عند الضرورة ومذهب القائلين بالتفصيل في المسألة, ثم رجح المؤلف بعد استعراض الأدلة ومناقشتها أن الأصل هو المنع, وأن الظروف والملابسات قد تنقل هذا المنع إلى الجواز والإباحة.

جزى الله المؤلف على هذا الكتاب القيم الثري بالمعلومات الفقهية المعاصرة الضرورية, والحقيقة أنه بالرغم من محاولتي تغطية معلومات هذا الكتاب في هذه القراءة قدر المستطاع, إلا أن ضخامة المعلومات منعتني من ذلك, فلا بد من الرجوع إليه لقراءته كاملا لمن يرغب في الفائدة التامة والكاملة.