أديان و مذاهب /

حد الإيمان عند فرق المرجئة [ مقال ]

[ الاثنين 2 جمادى الأول 1435 هـ ] [ 235 ]

والمراد بالإرجاء في الاصطلاح العقدي هو: القول بإخراج أعمال الجوارح من الإيمان، وعدم الزيادة فيه أو النقصان. والمرجئة بعد ذلك مختلفة فيما تبقى غير الأعمال، فمنهم من يقول: الإيمان المعرفة بالله، ومنهم من يقول: التصديق فقط، ومنهم من يقول: النطق باللسان فقط، ومنهم من يقول: أعمال القلب جميعها، ومنهم من يقول: الإيمان اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط.

 

 

عن المعنى اللغوي للإرجاء قال الشهرستاني: «الإرجاء على معنيين: أحدهما: بمعنى التأخير، كما في قوله تعالى: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ)([1]) أي أمهله وأخره، والثاني: إعطاء الرجاء، أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، وأما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة» ([2]).

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصحيح هو أن اسم المرجئة مأخوذ من الإرجاء، لكنه يشارك الرجاء في الاشتقاق الأكبر([3]).

والمراد بالإرجاء في الاصطلاح العقدي هو: القول بإخراج أعمال الجوارح من الإيمان، وعدم الزيادة فيه أو النقصان. والمرجئة بعد ذلك مختلفة فيما تبقى غير الأعمال، فمنهم من يقول: الإيمان المعرفة بالله، ومنهم من يقول: التصديق فقط، ومنهم من يقول: النطق باللسان فقط، ومنهم من يقول: أعمال القلب جميعها، ومنهم من يقول: الإيمان اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط.

وخلال هذا المقال سأسعى إلى تفصيل القول في هذه الاعتقادات، ببيان حد الإيمان عند كل فرقة من الفرق التي تلبست بهذا المعتقد الباطل.

1-الإيمان : المعرفة بالله فقط .

وهو قول الجهمية أتباع الجهم بن صفوان والجعد بن درهم، ومن شايعهم. 

قال وكيع بن الجراح- رحمه الله-: «أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة»([4]).

وعن حمدان بن علي الوراق، قال سألت أحمد- وذُكر عنده المرجئة- فقلت له: إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن، فقال: المرجئة لا تقول هذا بل الجهمية تقول بهذا([5]).

 و قالت به أيضا الصالحية أتباع صالح بن عمر الصالحي، فالجهمية والصالحية، كلاهما يقول: أن الإيمان هو معرفة الله، والكفر الجهل به([6]).

2-  الإيمان: التصديق فقط:

وهو قول الأشاعرة، والماتريدية، فهو القول الأول لأبي الحسن الأشعري، ووافقه عليه جمهور الأشاعرة، كالباقلاني، والجويني وغيرهما، وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، ويختلف تعبير الأشاعرة هنا، فتارة يقولون المعرفة كقول جهم، وتارة يقولون التصديق([7]).

أما القول الثاني لأبي الحسن الأشعري: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ذكره في المقالات، ضمن مقالة أصحاب الحديث وأهل السنة، وقال: أنه بكل ما قالوه يقول([8]).

وقال به أيضا النجارية، قال النجار في الإيمان: «إنه عبارة عن التصديق، ومن ارتكب كبيرة ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك، ويجب أن يخرج من النار، فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود»([9]).

3- الإيمان: النطق باللسان فقط.

وهو قول الكرَّامية، أتباع ابن كرام السجستاني، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض الرد عليهم: «قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمناً، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم»([10]).

4- الإيمان: أعمال القلب جميعها.

وهو قول اليونسية، والشمرية، والغيلانية، وهم الذين لا يشترطون في الإيمان سوى أعمال القلوب من محبة وخوف ورجاء وترك الاستكبار عليه..الخ.

قال الشهرستاني في كلامه عن اليونسية: أصحاب يونس بن عون النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان([11]).

5- الإيمان: اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط.

وهم مرجئة الفقهاء الحنفية، أتباع الإمام أبي حنيفة– رحمه الله- وهم أقرب مذاهب المرجئة إلى أهل السنة.

يقول الدكتور غالب عواجي: «على أن في نسبة الإرجاء إلى أبى حنيفة من الخلاف الكثير بين العلماء ما لا يخفى، هل كان أبو حنيفة من المرجئة كما وصفه كتاب المقالات والفرق، أم كان ضد الإرجاء كما يصفه المدافعون عنه؛ لأن الإرجاء يتميز بالتساهل في الأعمال وتأخيرها من منزلة الإيمان، وأبو حنيفة رحمة الله تعالى بلغ حداً كبيراً في الاهتمام بالفروع، مما يدل على أنه يهتم بالعمل، وهذا عكس الإرجاء، فكيف يوصف بالإرجاء حسب هذا الدفاع عنه!! وأما ما جاء في الكتاب المنسوب إليه الفقه الأكبر، من عبارات تدل دلالة واضحة على إرجائه- فقد شكك هؤلاء المدافعون عنه في صحة نسبة هذا الكتاب إليه، بل كذبوا نسبته إليه...»

ثم قال الدكتور عواجي: «والواقع أن النقول بإرجاء أبي حنيفة كثيرة، وعلماء الفرق أغلبهم يقر نسبة الإرجاء إليه بالمعنى الذي قدمنا ذكره([12]). وهذا هو الثابت، ولا يقال: إن أبا حنيفة كان من غلاة المرجئة كالجهمية مثلاً، وذلك لموافقته أهل السنة والاعتقاد السليم في جوانب كثيرة في باب الإيمان وإن خالفهم فيما ذكر»([13]).

6- الإيمان: الإقرار بالأئمة وحبهم:

وهو قول الرافضة، الشيعة الإثنى عشر، قال الأشعري: «جمهور الرافضة يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله، وبرسوله، وبالإمام، وبجميع ما جاء من عندهم، فأما المعرفة بذلك فضرورة عندهم، فإذا أقر وعرف، فهو مؤمن مسلم، وإذا أقر ولم يعرف فهو مسلم، وليس بمؤمن»([14]).

وبهذا أدخلوا الإيمان بالأئمة الإثنى عشر في مسمى الإيمان، وعليه فمن لم يعرف الأئمة ويؤمن بالله فليس بمؤمن. وقد أقر كبار علمائهم بأن معرفة الأئمة كافية، لإدخال الرجل في الإيمان وإخراجه من دائرة الكفر.

يقول الدكتور ناصر القفاري: «ولهذا عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة، والكفر لا ينفع معه حسنة"، وذكر فيه ستة أحاديث منها قول أبي عبد الله: (الإيمان لا يضر معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل)، والإيمان حسب مصطلحهم هو حب الأئمة أو معرفتهم»([15]).

هذا هو المعنى المقصود من كلمة إرجاء عند مختلف الفرق الإسلامية، وهذا ما أقره الشهرستاني وغيره من علماء الفرق والمذاهب.

وللإرجاء معان أخري أشار إليها العلماء، وهي:

- قالوا إن الإرجاء أطلق على كل من أخر علي رضي الله عنه من الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة في مسألة التفضيل بينه وبين الخلفاء الراشدين: أبو بكر، وعمر، وعثمان([16]).

وهذا ما رمى به الشيعة خصومهم، ممن يقدمون العمرين على عليّ- رضي الله علي الجميع-.

وهم «يعنون بالمرجئة أهل السنة، ولهذا تجد شيخهم المجلسي يشرح حديثهم الذي يقول: (اللهم العن المرجئة فهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة)، ويرجح أن المراد بالإرجاء في هذا النص تأخير عليّ عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة»([17]).

- كما أطلق الإرجاء على كل من توقف في الحكم على الصحابة في الفتنه (علي، وعثمان، وطلحة والزبير)– رضي الله عنهم-، ولم يحكم عليهم وترك أمرهم لله.

 وكان أول من أحدث هذا الحسن بن محمد بن الحنفية، فقد تكلم الناس في علي وعثمان وطلحة والزبير، فأكثروا والحسن ساكت ثم تكلم فقال: قد سمعت مقالتكم، ولم أر شيئا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولوا، ولا يتبرأ منهم، فبلغ أباه محمد بن الحنفية ما قال فضربه بعصا فشجه وقال: لا تولي أباك عليا([18]).

ولكن الحسن رجع عما قاله، وندم عليه، فعن عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد بن علي فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء فقال لزاذان يا أبا عمر لوددت أني كنت مت ولم أكتبه([19]).

ولقد كان إرجاء الحسن هو النواة الأولى والبذرة التي خرج منها هذا المذهب الفاسد، الذي تطور وتحور فيما بعد. وقيل أن أول من قال بالإرجاء ذر بن عبد الله المذحجي، ثم تابعه غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم. وقيل أنه الحسن كما ذكرنا آنفا- رغم أنه لم يعتقد بخروج الأعمال من الإيمان كما هو حال الباقين– وقيل أن أول من وضع الإرجاء هو أبو سلت السمان([20]).

وبهذا يتضح موقف المرجئة على اختلاف فرقها من مسألة الإيمان وحده عند كل فرقة من فرقها، مما ترتب عليه كثير من الانحرافات العقدية والسلوكية.

ــــــــــــ

([1]) سورة الأعراف، الآية: (١١١)، سورة الشعراء، الآية: (٣٦).

([2]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/139)- تحقيق: محمد سيد كيلاني- دار المعرفة- بيروت- 1404هـ.

([3]) آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية، عرض ونقد- د. عبد الله السند: (ص:83).

([4]) الشريعة للآجري: (2/684)– تحقيق الدكتور: عبد الله الدميجي– دار الوطن– الرياض– د.ت.

([5]) السنة للخلال: (3/571)- تحقيق: د.عطية الزهراني- دار الراية- الرياض-ط1-1410هـ- 1989م.

([6]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/44)؛ ومقالات الإسلاميين للأشعري: (1/132-133)- تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية– بيروت– 1411هـ،1990م.

([7]) موقف ابن تيمية من الأشاعرة - للدكتور عبد الرحمن بن صالح اللحود: (3/1351)– مكتبة الرشد الرياض– ط1- 1415هـ،1995م.

([8]) موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن اللحود: (3/1350).

([9]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/87).

([10]) الفتاوى لابن تيمية: (3/103).

([11]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/139).

([12]) وهو أن الإيمان عندهم: قول باللسان وتصديق بالقلب، وأن العاصي تحت المشيئة، وأنه لا يخرج من الإيمان، وخالفوا أهل السنة في عدم إدخال العمل في الإيمان، وفي أن الإيمان يزيد وينقص. 

([13]) فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، وبيان موقف الإسلام منها–د. غالب بن علي عواجي: (2/930)-دار لينه للنشر والتوزيع– دمنهور– مصر– ط3 - 1418م ،1997م.

([14]) مقالات الإسلاميين للأشعري: (1/127).

([15]) أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد- د: ناصر القفاري :( 2/575).

([16]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/138).

([17]) أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد – للدكتورناصر بن عبد الله بن علي القفاري: (2/745).

([18]) تهذيب الكمال للمزي: (6/321-322).

([19]) المرجع السابق: (6/322).

([20]) ينظر: الموسوعة الميسر في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة لمانع الجهني وآخرين: (2/1144).