أديان و مذاهب /

النسطورية والنساطرة.. تمايز في الانحراف.. [ تقرير ]

[ الأربعاء 28 جمادى الآخر 1434 هـ ] [ 279 ]

عد المجمعين المسكونيين الأوليين مجمع نيقية الذي حكم بإلهية الابن ومساواته التامة للآب ومجمع القسطنطينية الذي حكم بإلهية روح القدس ومساواته للآب أيضا، بقي الخلاف في طبيعة المسيح، وكيفية اتحاد اللاهوت- المزعوم فيه مع الناسوت- يتفاعل، إلى أن خطب أحد القُسُوس في القسطنطينية

 

 

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقه، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، وفي بعض الروايات: (كلها في النار إلاَّ واحدة هي الجماعة)(1).

من الحديث السابق يتبين لنا أن كل من اليهود والنصارى وكذا المسلمين قد تفرقوا عن أصل دينهم، وفيه أيضا أن الفرقة الناجية من كل هذا الشتات هي الفرقة التي تتمسك بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من تعاليم الدين القويم.

وفي هذا التقرير سنعرض لفرقة واحدة من فرق النصارى، وسنتعرض بالحديث لأهم مبادئها، وأهم الفروقات بينها وبين غيرها من الفرق النصرانية، وهذه الفرقة هي من أهم أربع فرق ظهرت في النصرانية في القديم، وهي فرقة النسطورية.

يقول الشهرستاني في الملل والنحل: "ثم افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبار فرقهم ثلاثة: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية، وانشعبت منها: الاليانية، والبليارسية، والمقدانوسية، والسبالية، والبوطينوسية، والبولية، إلى سائر الفرق"(2).

فالملكانية، والنسطورية، واليعقوبية إضافة إلى مذهب رابع وهو الأريوسية مثلوا أهم وأكبر المذاهب المسيحية إبان طلوع فجر الإسلام، أي في مطلع القرن السابع الميلادي، والملكانية هي الكاثوليكية الآن، واليعقوبية هي ما يطلق عليها الأرثوذكس، أما البروتستانت فهم في الأصل من أتباع الكنيسة الكاثولوكية..

لماذا افترق النصارى:

بزغ فجر الإسلام والمسيحيون مختلفون فيما بينهم، ومتفرقون إلى كنائس عديدة.. وكان أساس ومحور الاختلاف الذي فرق المسيحيين فرقا متنازعة هو اختلافهم حول تفسير طبيعة السيد المسيح عليه السلام: هل هو بشر مخلوق كسائر المخلوقات؟ أم هو الله المتجسد الذي تأنَّس فظهر بصورة عيسى؟

وبمعنى آخر: هل هو أقنوم واحد في طبيعتين أم هو كينونة في أقنومين؟

والأقنوم في المعتقد النصراني هو ما يقوم في ذاته ولذاته، على حين أن الطبيعة لا تقوم بذاتها، بل هي جزء من كل أو جزء في كل، ولذلك لا يصح من وجهة نظر مسيحية قويمة، أن تكون الطبيعة أقنوما(3)

صحيح أن المسحيين الأوائل اختلفوا- فيما بينهم- في مسائل عديدة، لكن أيا منها لم يكن له أهمية اختلافهم بشأن طبيعة المسيح (إله أم بشر)، وصلة الجانب البشري فيه مع الجانب الإلهي (عند من قال بإلهيته)؛ لأن هذا الاختلاف كان أساس نشأة الفرق المسيحية القديمة المتعادية والمتخاصمة(4).

مؤسسو النسطورية:

بعد المجمعين المسكونيين الأوليين مجمع نيقية الذي حكم بإلهية الابن ومساواته التامة للآب ومجمع القسطنطينية الذي حكم بإلهية روح القدس ومساواته للآب أيضا، بقي الخلاف في طبيعة المسيح، وكيفية اتحاد اللاهوت- المزعوم فيه مع الناسوت- يتفاعل، إلى أن خطب أحد القُسُوس في القسطنطينية، ويقال له: "أَنسْتْهَاسْيُوس" خُطبة أنكر فيها تلقيب العذراء المباركة بوالدة الإله، وقال: إنما هي أم المسيح، وليست أم الله، فتابعه على ذلك بطريك أنطاكية "نسطوريوس"، وتابعه في الأمر الأسقف "بيلاجيوس"، وكثير من نصارى المشرق(5).

وقد تابع نسطوريوس الكثيرون في المشرق؛ لهذا اشتهر هذا المذهب باسمه، ولم يشتهر باسم مؤسسه الأول "أَنسْتْهَاسْيُوس"، فسمي بالنسطورية، وسمي أتباعه بالنساطره.

ويقول المؤرخ العلامة جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب: "وتستند تعاليم نسطور وآراؤه إلى الجدل الذيَ أثاره من تقدمه من الأباء في موضوع طبيعة المسيح، والانشقاق الذي حدث نتيجة لهذا الجدل. وأكثر من أثر فيه وكون له رأياً في المسيح هو 'ديودورس' Diodorus أسقف 'طرسوس' Tarsus و 'ثيودور المصيصي' '393 - 428م' تلميذ 'ديودورس'.

وفي انطاكية وقف 'نسطور' على آراء هذين العالمين، وكان قد ترهب وسكن هذه المدينة في عام '428 م' وتحمس لها وّبشر بها بين الناس، فأثار غضب رجال الكنيسة المعارضين لتلك الآراء، فصاروا ينددون به. وبما يقوله ويبشر به، وعدٌوه ملحداَ خارجا على تعاليم الكنيسة الصحيحة وعلى مبادىء الدين القويم(6).

مذهب نسطور في المسيح:

يقول الأستاذ أحمد شلبي في كتابه المسيحية: ومذهب النساطرة محاولة للعودة إلى التوحيد أو القرب منه [حقيقة الأمر أن الأمر لم ينفك عن الشرك، وإن كان أقل في طرحه].

ثم يقول: قال نسطور شارحا مذهبه: إن مريم لم تلد إلها، لأن ما يولد من الجسد ليس إلا جسدا، ولأن المخلوق لا يلد الخالق، فمريم ولدت إنسانا، ولكن كان آلة للاهوت، وعلى هذا فمريم لا تسمي والدة الإله بل والدة المسيح الإنسان، وقد جاء اللاهوت لعيسى بعد ولادته، أي اتحد عيسى بعد الولادة بالأقنوم الثاني اتحادا مجازيا فمنحه الله المحبة ووهبه النعمة (7).

و"قد اعتبر هذا المذهب بدعة من نسطور الذي كان بطريك القسطنطينية سنة 431م، ولذلك طُرِد من منصبه ونفي من القسطنطينية، ولكن مذهبه لم يمت، وأحياه فيما بعد عالم مسيحي اسمه برصوما كان مطران نصيبين، ومن ثم انتشر في الشرق، ولا يزال حتى الآن شائعا في العراق والموصل والجزيرة"(8).

من تاريخ النسطورية:

كانت "الرها" Edessa أهم مركز ثقافي للنساطرة، ومن أهم معاقل الأدب السرياني. أمَّها كثير من طلبة العلم السريان للتثقف بها، ولا سيما في عهد الأسَقف "ايباس" Ibas، 436-457م الذي انتخب أسقفاً لهذه المدينة بعد وفاة أسقفها "ر بولا" Rabbula في عام "436م"، ثم نالت "نصيبين" Nisibis مكانة كبيرة في النسطورية، خاصة بعد وفاة ايباس، وانتخاب "نونوس" Nounus أسقفاً للمدينة، وكان هذا متأثراً بالآراء البيزنطبة كارهاً للنسطورية، لذلك رأى النساطرة الانتقال عن "الرها" إلى أماكن أخرى لا أثر لنفوذ هذا الأسقف عليها، فكانت "نصيبن" الموقع المختار من بين هذه الأماكن، ونالت الحظوة عند رجالهم، واحتلت مكانة "الرها" في العلم(9).

عقائد النسطورية:

* أهم ما يميز مذهب النسطورية عن غيره المذاهب النصرانية أنه مذهب يؤكد على التمايز والفصل بين الطبيعة الإلهية للمسيح والطبيعة البشرية، فالمسيح ليس طبيعتين فحسب، بل أقنومين؛ أي شخصيتين متمايزتين أيضا، وهما شخصية عيسى المسيح الذي كان بشرا، وهذا البشر هو وحده الذي ولد من مريم العذراء، وبالتالي؛ فمريم هي والده يسوع، وليست والدة الله، وكذلك هذا البشر هو الذي – حسب معتقدهم- تألم وصلب، ومات على الصليب، وليس الله، لأن الله حي لا يموت" (10).

* وقد ذكر الشهرستاني مجمل عقائد هذه الفرقة وتتلخص هذه العقائد في الآتي(11).

- تصرف نسطور الحكيم في الأناجيل بحكم رأيه، وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة، قال: إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى عليه السلام لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.

- أشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت خواص مختلفة لشيء واحد ويعني بقوله واحد يعني الإله، قال: هو واحد بالجوهر، أي: ليس هو مركبا من جنسين، بل هو بسيط وواحد.

- ويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي: أصلين مبدأين للعالم، ثم فسَّر العلم بالنطق والكلمة، ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودا حيا ناطقا، كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان؛ لكونه جوهرا مركبا، وهو جوهر بسيط غير مركب.

- وبعضهم يثبت لله تعالى صفات أخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما، ولم يجعلوها أقانيم كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.

- ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق إله، وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم، وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الأب، وإنما تجسَّد واتحد بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتحدا.

- وهما جوهران أقنومان طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث إله تام وإنسان تام، ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحا واحدا طبيعة واحدة، وربما بدَّلوا العبارة، فوضع مكان الجوهر الطبيعة ومكان الأقنوم الشخص، وأما قولهم في القتل والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية.

- قالوا: إن القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته؛ لأن الإله لا تحلُّه الآلام.

- وبوطينوس وبولس الشمشاطي يقولان: إن الإله واحد وأن المسيح ابتدأ من مريم عليها السلام وأنه عبد صالح مخلوق، إلا أن الله تعالى شرَّفه وكرمه لطاعته، وسمَّاه ابنا على التبني، لا على الولادة والاتحاد.

- ومن النسطورية قوم يقال لهم: المصلين، قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة وترك التغذي باللحم والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفَّى جوهره حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله تعالى جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

- ومن النسطورية من ينفي التشبيه، ويثبت القول بالقدر خيره وشره من العبد، كما قالت القدرية.

ــــــــــ

الهوامش:

(1) أخرجه أحمد في المسند: (2/332/8377)، وأبو داود في سننه: (4/197/4596)، وصححه الألباني في الصحيحة: (1/202/203).

(2) الملل والنحل للشهرستاني: (ص:179)- دار الفكر للطباعة.

(3) الفرق والمذاهب المسيحية منذ البدايات حتى ظهور الإسلام- نهاد خياطة: (ص:100)- دار الأوائل.

(4) الفرق والمذاهب المسيحية منذ ظهور الإسلام حتى اليوم دراسة تاريخية دينية سياسية اجتماعية- سعد رستم: (ص:26)- الأوائل للنشر- دمشق- ط2- 2005م.

(5) المرجع السابق نفس الصفحة.

(6)المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام- جواد علي- دار العلم للملايين.

(7) المسيحية لأحمد شلبي :(ص:193)- مكتبة النهضة المصرية.

(8) المرجع السابق، نفس الصفحة.

(9) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام- جواد علي.

(10) المرجع السابق: (ص:27).

(11) الملل والنحل للشهرستاني: (ص:181-182)- دار الفكر للطباعة.