النهضة و التغيير /

وفي التربية: فتنة بالغرب [ مقال ]

[ الاثنين 20 رمضان 1431 هـ ] [ 369 ]

"...ومن أهم أدوات التربية؛ التربية بالقدوة والنماذج والرموز.إننا حين نستعيض عن تلك النماذج والقدوات التي قدمتها حضارة الإسلام بأخرى كافرة؛ نكون قد أخطأنا الطريق نحو الهدف العظيم: تربية الناس على العبودية لله تعالى..."

لم تكن المسافة الشاسعة بين أجيال البشر عائقاً حقيقياً في طرق الاستفادة والتنمية على ضوء ما يقدمه السلف للخلف، ومن أكبر الأدلة على ذلك ثبات المحكمات الشرعية وبقاؤها كمنهج، لا أقول منذ البعثة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فحسب، بل منذ أن بعث الله آدم عليه السلام ، وإلى الآن رغم تعاقب الأزمان والعصور، واختلاف الحضارات والدول.. لكن العائق الكبير هو الانهزام الروحي والثقافي والفكري.. حينما لا تقدر الأجيال اللاحقة قيمة ما قدمته الأجيال السابقة من الأمة.. إنه ضعف الاعتزاز بمنجزات الحضارة الإسلامية، وتأثر الهوية لدى الأجيال.
من ذلك ما نطالعه في هذا العصر من الاستشهاد بسير الناجحين والمبدعين والمخترعين والمنظرين من الكفرة والملحدين، والضرب صفحاً عن ما قدمه علماء المسلمين وقادتهم من نجاح وإبداع.. تحار فيه العقول.. ويصح مثالاً للاستشهاد به في ذلك.
ولا شك أن حضارة الإسلام قدمت قائمة طويلة بأسماء أولئك الذين تركوا كبير الأثر على النهضة الأوروبية بعد أن كانت أوروبا في ذيل القافلة بل كانت خلفها.
وتُلمّع في هذا العصر في كثير من برامج التربية والتنمية والتدريب أسماء كافرة كنماذج على التفوق والإبداع والموهبة والنجاح، كـ (أديسون) مخترع المصباح الكهربائي، و(تشرشل) الرئيس البريطاني وأحد قادة الحرب العالمية و(ستيفن كوفي) و(ماسلو)... وغيرها.
وتحفظ بعض عبارات هؤلاء إلى درجة يخشى أن تصبح جزءاً من أقوال (الحكماء) والفلاسفة التي تضاهي وتنازع أحياناً نصوص الوحي.
كما لا تتسع كثير من هذه البرامج للحديث عن علماء المسلمين وقادتهم والاستشهاد بهم ومنجزاتهم، ولا حتى من أنتجتهم حضارة الإسلام من غير المسلمين.
مكمن الخلل التربوي في هذا الباب:
تكمن هذه الإشكالية في الاختراق الثقافي والفكري المتزامن مع ضعف الهوية الإسلامية، حسب التفصيل الآتي: لعل من أكبر المهام المناطة بمجمل الأمة: تربية الأجيال على دين الله وتعبيدهم له (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ومفهوم التربية على العبادة يشمل كل مناحي الحياة؛ الشعائر والفرائض والعلاقات وعمارة الأرض وغيرها من مناشط الحياة الاقتصادية والسياسية...إلخ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ). وحين ننعت هذه المَهمة بأنها تربوية إسلامية؛ فإننا لا يسعنا أن نقوم بها إلا من خلال أدوات تربوية ذات صبغة إسلامية، أو على الأقل لا تعارض أو تؤثر على الأصول التربوية في ديننا.
ومن أهم أدوات التربية التربية بالقدوة والنماذج والرموز.إننا حين نستعيض عن تلك النماذج والقدوات التي قدمتها حضارة الإسلام بأخرى كافرة؛ نكون قد أخطأنا الطريق نحو الهدف العظيم: تربية الناس على العبودية لله تعالى. ولن يشفع لنا عند الأجيال صحة نوايانا وحسن مقاصدنا، لأن هذا الخطأ العميق سيجعل من البناء التربوي لدى الأجيال الناشئة بناء مشوهاً أو رخواً وقد يولد الانفصام، مما سيصنع – مع مرور الزمن – جيلاً هشاً لا يستطيع القيام بالمهام الجسام التي تنتظرها منه أمة الإسلام لعدم الثقة في قدرة هذا الدين على حل المشكلات الكبرى والنهوض بالأمة ولعدم الثقة بقدرة هذا الدين على إخراج العظماء والأقوياء، بل قد يتولد الجهل بالأصول والثوابت وأهداف الحياة الحقيقية.
أسباب هذه الإشكالية:
أعتقد أن لهذه الإشكالية أسباباً عدة، وأنها متداخلة وتراكمية، ومنها:
1-الانبهار بالحضارة الغربية، لاسيما ما يتعلق بالعلوم الصناعية والعلوم الإنسانية، يأتي ذلك متزامناً مع ضعف الهوية الإسلامية لدى البعض من (النخب الثقافية) وانعدامها لدى بعض آخر، مما أدى إلى الذوبان، والتيه والنسيان.
2-تلقي العلوم من الحضارة الغربية، ونقلها إلينا بالجملة، دون تمحيص وانتقاء، مع أن فيها الغث والسمين.. لا شك أن من هذه العلوم ما هو نافع للبشرية، ولا ينقصه إلا أن يهذب ليكون ملائماً لقيمنا نحن؛ لا أن نهذب نحن لنكون ملائمين لهذه العلوم. والحق أن ثمة محاولات لـ (أسلمة) هذه العلوم، منها ما يطمئن إليه القارئ ذو الهوية، إن صح التعبير، لكنها في كثير منها ضعيفة، خاصة العلوم الإنسانية، والبعض مهزوم ومتردد، لم يكن دوره أكثر من الاستدلال بمستند شرعي على نظرية أجنبية.
نقاط عريضة في العلاج (المخرج):
1- العودة بالمنهج العلمي ومنهج النظر والتفكير إلى المنهج الرباني المستفاد من الوحي المعصوم. وتطبيقات السلف الصالح لهذا المنهج، ومنه ما يندرج تحت قول الله سبحانه (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا...) وما يندرج تحت قوله تعالى (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وما يندرج تحت قوله تعالى(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).وما يندرج تحت الكثير من الآيات من قواعد في المنهج العلمي، ليس هذا موطن الحديث عنها..
2- الانتقاء والتمحيص لهذه العلوم عند تلقيها. فلا يصح قبولها بصفتها صواباً جملة وتفصيلاً قبل عرضها على ميزان الإسلام.
3- إبراز مآثر علماء المسلمين وقادتهم في شتى التخصصات على حضارة الإسلام وعلى الحضارة الغربية، بجدية ، وبتفصيل، ليكون ذلك رافداً من روافد الاعتزاز بهذا الدين والانتماء لهذه الأمة.
4- إبراز المقاصد العامة والخاصة والرسالة الأخلاقية الموجهة لعلوم المسلمين، وعلوم غيرهم من الكفار.. ينبغي ونحن نربي الجيل لفت نظره إلى الصبغة الثقافية الموجهة لعلوم الكافرين، مثل التمرد على الله والانفلات من الأخلاق وربطها بالنفعية الشخصية، والحرية الفوضوية والأنانية المفرطة التي استبدلت بروح (المفلح) الذي يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة روح (الناجح) الذي ينجح وحده لينتفع وحده بغض النظر عن الآخرين... وغيرها من سيئات الحضارة المعاصرة.