النص و التأويل /

إباحة العقل.. أم عقل الإباحية؟! [ مقال ]

[ الاثنين 20 رمضان 1431 هـ ] [ 431 ]

"...حين أعلن العقل عن اختراع حبوب منع الحمل، وتخاطفت الأيدي ذلك العقار السحري الذي رفع صوت فرويد عالياً بعد أن تمكن من كسر آخر قيود الحياء الفطري في الإنسان..."

لم يدر في خلد الثائرين على الدين الكهنوتي في عصور النهضة أن يعجز العقل الإنساني عن إنقاذ البشرية من الهلاك، إذ حسبوا أن استبدال العقل باللاهوت سيخلصهم من تسلط الثاني على الأول، وأن عصر ازدهار الإنسانية قد لاحت بوادره ليخلصها من مآسي الماضي.
ولكن لم يلبث العقل أن أعلن عجزه عن سد هذا الفراغ، فحدا به الأمر إلى افتراض ازدواجية الحقائق، بل وغياب الحقائق المطلقة بالكلية، كما لم تجدِ محاولاته البهلوانية في رسم سياسات بناء الدولة والمجتمع، وصياغة النظم الأخلاقية والضوابط الاجتماعية، إذ سقطت المرجعية المقدسة بالجملة، وحل العقل المثْقل بالهوى والنقص البشري بديلا عن أي مصدر آخر.
مع بداية القرن العشرين، كان العالم قد دخل عصر الأزمة، تلك التي انتهت إلى اشتعال الحروب التاريخية المدمرة، والتي كادت تأتي على كل ما أبدعه العقل حتى ساعته. أسرع العقل من جديد لاحتواء الأزمة بعد أن فرغت الوحشية من دورها، وبُني العالم من جديد على الأيديولوجيا، ليعود الصراع بين عقلين يتنافسان لقيادة العالم، إما بالصراع الطبقي الذي سيقود إلى حكم البروليتاريا (الطبقة الكادحة)، أو بصعود البرجوازية (الطبقة الوسطى) لإحلال الديمقراطية ومبادئ الليبرالية، فالأمر سيان بينهما، إذ يسود العقل ويسقط المقدس، ويصبح الفرد إله نفسه، فماذا كانت النتيجة؟
في عام 1957 خرج المتظاهرون الألمان للتنديد بأول فيلم إباحي يتم تصويره في عصر ازدهار العقل، ولعل أحداً من أولئك الغاضبين لم يخطر بباله أن العقل الذي تم تنصيبه إلها يُعبد سيسقط قريبا تحت أقدام المومسات.
في عام 1961 أعلن العقل عن اختراع حبوب منع الحمل، وتخاطفت الأيدي ذلك العقار السحري الذي رفع صوت فرويد عالياً بعد أن تمكن من كسر آخر قيود الحياء الفطري في الإنسان، وما هي إلا سنوات معدودة حتى انتشرت الملابس النسائية القصيرة في لندن وباريس ونيويورك، وتناقل الشباب أسطوانات البيتلز والروك آند رول، وخرج الألوف للتمرد في الأرياف وعلى قارعة الطرق في حملات منظمة تحت أسماء الهيبية والبوهيمية، وصارت دخائن الماريجوانا وروايات ساغان ودي بوفوار أكثر شيوعا من الكتب المدرسية.
أما اليوم، فيقف أنصار الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أمريكا على طرفي حلبة الصراع، رافعين شعارات التأييد والرفض للإجهاض والشذوذ الجنسي، في الوقت الذي يعلن كلا الطرفين عجزهما- وبكل تواضع- عن إثبات أحقية أي منهما في امتلاك الحقيقة، ليس لشيء إلا لأنها نسبية، فالعقل وحده هو الحكم هنا، ومن ذا الذي يدعي رجاحة عقله على عقول الآخرين؟
بالنتيجة، يقف اليوم طالب في إحدى الجامعات الأمريكية ليوزع منشورات بين زملائه حول رأيهم في الإباحية، ويحتج- معتمدا على حقه الليبرالي- ضد إغلاق الجامعة لقناتها التلفزيونية بعد بثها لبعض الأفلام الإباحية التي قام ببطولتها، كما تتصاعد الحملة في جامعات أخرى بعد قيام الطالبات بحقهن في إقامة عرض للملابس الداخلية تحت اسم الجامعة، ويتساءلن عن حق الآخرين في منعهن من ذلك تحت مظلة الحرية الشخصية.
أما حفل الأوسكار فقد وجد نفسه مضطرا لقبول فيلم يحكي قصة شابين لوطيين من رعاة البقر، حيث يجري ولأول مرة استعطاف الجمهور تجاه "حاجات" هذه الفئة من المجتمع، بعد أن تمادى في ظلمهم وإقصائهم.
في ظل هذا الانفلات "العقلاني" للأخلاق الليبرالية، يتساءل الكاتب الأمريكي ويلسون براين كي في كتابه المترجم إلى العربية تحت عنوان "خفايا الاستغلال الجنسي في وسائل الإعلام" عن المصير الذي سينتهي إليه المواطن الأمريكي، وهو يرزح تحت وابل من الاستغلال الجنسي المكشوف عبر وسائل الإعلام التي بدأت فعلاً باغتصاب العقل الأمريكي وتوجيهه نحو مصالح الطغمة المتنفذة، وتراه ينتقل في الصفحات الثلاثمئة وعشرون بين حقيقة مؤلمة وأخرى، مما يعمق الشعور بأفول عصر تأله العقل المتماهي في الجسد، ويضع السؤال المحرج بإلحاح على من يملكون في أيديهم مفاتيح الهداية الإنسانية، فهل سيفعل المسلمون شيئاً، أم أن الليبرالية العربية ستطل برأسها في زهو بإنجازات العقل الغربي، وتلعن التخلف الذي وقف حائلا دون اللحاق بكل هذه الحضارة؟