النص و التأويل /

المدخل إلى قضية 'النص والتأويل' [ مقال ]

[ الأحد 19 رمضان 1431 هـ ] [ 355 ]

"...قدم الكاتب في الجزء الأول مقدمة عن النص والتأويل وابتداء الحديث عن هذه القضية الفكرية الشائكة، وفي هذا الجزء الثاني امتداد لتلك الرحلة ومتابعة للحديث عن أشهر المدارس التي تناولت قضية النص والتأويل بشيء من الإيجاز..."

  ومهما يكنْ من أمر ٍ، فإنَّ التيّاراتِ التغريبيّة َ اختزلتِ المشكلة َ في الثقافةِ السائدةِ في العالم ِ الإسلاميِّ، بما تحويهِ من مواردَ وتطبيقاتٍ، وبدأ من هنا توجيهُ النقدِ للنصِّ وللخطابِ الدينيِّ، وهذا ما يُفسرُ لنا سببَ اعتناءِ كثير ٍ من ملاحدةِ العربِ وزنادقتهِ بالنصوص ِ الشرعيّةِ، مع عدم ِ إيمانِهم بها أو بمكانتِها، والتصدّي للبحثِ فيها والكلام ِ عليها، وذلكَ ليكتملَ لهُم ما يُريدُونهُ من نقدِ النصِّ نقداً مُباشراً.
  ظهرتْ كتاباتٌ كثيرة ٌ في مسألةِ النصِّ وكيفيّةِ التعامل ِ معهُ، ورأى أصحابُها أنَّ العقلَ العربيَّ لا بُدَّ أن يتطوّرَ وهذا التطوّرُ يقفُ دونهُ حواجز ُ كثيرة ٌ، على رأسِها النصُّ، فكانَ لا بُدَّ من إخضاع ِ النصِّ لعمليّةِ التطوير بتأويلهِ ليتكيّفَ مع معطياتِ الواقع ِ الجديدةِ، ويُصبحَ نصّاً مُتفاعلاً مع الصيرورةِ التأريخيّةِ، وليسَ نصّاً جامداً مُتعالياً على الواقع ِ، أو بتجاوز ِ النصِّ وهدمهِ عبرَ التشكيكِ فيهِ، إمّا ثبوتاً أو دِلالة ً، ويتلخّصُ رأي هؤلاءِ في قول ِ أحدِهم واصفاً فكرهم:"أنّهُ الفكرُ الذي ينهضُ على النصِّ، لكنْ بتأويل ٍ يجعلُ النصَّ قابلاً للتكيّفِ مع الواقع ِ وتجدّدهِ، أو الفكر ِ الذي لا يرى في النصِّ أيّة مرجعيّةٍ، ويعتمدُ أساساً على العقل ِ لا النقل ِ".
  ويلاحظ ُ في النقل ِ السابق ِ أنَّ تطويرَ النصَّ بتأويلهِ يوازي عندهم إلغاءهُ بالكليّةِ، وذلكَ أنَّ عمليّة َ التأويل ِ هي تعطيلٌ في حقيقتها للنصِّ، وقد ذكرَ قريباً من ذلكَ فيما مضى الإمامُ ابنُ القيّم ِ في كتابهِ"الصواعقُ المُرسلـة ُ".
  وثمـة أمراً مُهمّاً وهو أنَّ أطروحاتِ التحديثِ في العالم ِ الإسلاميَّ, لو اقتصرَ أصحابُها فيها على الجانبِ المادّيِّ، لما وجدوا تلكَ الصعوباتِ في نشر ِ ما يُريدونَ، ولكنّهم جعلوا التحديثَ الفكريَّ لازماً للتحديثِ الماديِّ، وقرنوا العلومَ التجريبيّة َ والماديّة َ بالعلوم ِ الفكريّةِ والإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ، ورأوا ضرورة َ تشرّبِ الفكر ِ الإسلاميِّ للفكر ِ الغربيِّ، وهذا ما جعلَ مشاريعهم تواجهُ برفض ٍ شديدٍ، ممّا حداهم إلى ضرورةِ إيجادِ مخرج ٍ من هذا الأمر ِ، على أن تستمرَّ قضيتُهم في إطارها المُحدّدِ، وهو الرفضُ التامُّ للفصل ِ بينَ الأمرين ِ-التحديثِ الماديِّ والفكريِّ-, وإن أدّاهم ذلكَ إلى رفض ِ الإسلام ِ، وهذا ما وقعوا فيهِ لاحقاً عندما ألغوا الإسلامَ بإلغاءِ أصولهِ وقواعدهِ القائمةِ أساساً على الأدلة الشرعيّةِ.
  وهذا ما يؤكّدهُ محمّد أركون في معرض ِ حديثهِ عن معوّقاتِ الحداثةِ قائلاً:"ولا تزالُ تحولُ دونَ تشكّل ِ المُجتمع ِ المدنيِّ ودولةِ الحقِّ والقانون ِ والشخص ِ – الفرد – المواطن ِ، بصفتِهم فاعلينَ مُتداخلينَ للمسار ِ التاريخيِّ، الهادفِ للوصول ِ إلى الحداثةِ الفكريّةِ والروحيّةِ والسياسيّةِ التي لا تنفصمُ!!"، وهذا الرأي هو رأيُ الأغلبيّةِ من المفكّرينَ التغريبيينَ، ممّن يرونَ الحداثة َ بكامل ِ أشكالِها أمراً لا بُدَّ منهُ للوصول ِ بالأمّةِ إلى مصافِّ التحضّر ِ، وتخلّفُ أحدِ الصور ِ – الفكريِّ منها أو الماديِّ – يعني سقوطَ المشروع ِ الحضاريِّ بتمامهِ!.
  بدا واضحاً ممّا سبقَ أنَّ معاركَ الحداثةِ كانتْ تصطدمُ على صخرةِ الإسلام ِ، وتُواجهُ بالنصوص ِ الشرعيّةِ، الأمرُ الذي أدّى بهؤلاءِ التغريبيينَ إلى رفض ِ النصوص ِ ومُحاولةِ التشكيكِ فيها والنيل ِ من مكانتِها، رغبة ً في الوصول ِ إلى الحداثةِ الغربيّةِ الشاملةِ.
  ولا بُدَّ لي هنا أنْ أبيّنَ الفرقَ بينَ النصِّ وبينَ الخطابِ الدينيِّ، فأمّا النصُّ الذي يتحدّثُ عنهُ المفكّرونَ في كُتبِهم فهو غيرُ النصِّ الذي يقصدهُ الأصوليّونَ، والنصُّ عندَ الأصوليينَ هوَ الذي لا يحتملُ إلا معنىً واحداً، فإذا قالَ فقيهٌ: هذا نصٌّ في المسألةِ، أي أنّهُ نُصَّ على حكمِها نصّاً صريحاً، ويُقابلُ النصَّ عندَ الأصوليينَ: الظاهرُ، والظاهرُ ما احتملَ معنيين ِ أحدُهما أظهرُ من الآخر ِ، وأمّا في الفكر ِ المُعاصر ِ فالنصُّ هو السلطة ُ الخبريّة ُ التي تُلزمُ النّاسَ أن يرجعوا إليها، وفي كثير ٍ من الأحيان ِ يُقصرُ النصُّ على القرآن ِ، وذلكَ لأنَّ أكثرَ هؤلاءِ لا يعتدّونَ بالسنّةِ جملة ً وتفصيلاً.
  وأمّا الخطابُ الدينيُّ فهو طرقُ ووسائلُ تبليغ ِ المنظومةِ الدّينيّةِ، وكيفيّة ُ التعبير ِ عنها، وهناكَ من يخلطُ بينَ هذين ِ الأمرين ِ، فيجعلُ الخطابَ الدينيَّ مُرادفاً للنصِّ، ولهذا يجبُ تحريرُ المصطلح ِ قبلَ الخوض ِ في نقاشهِ وتبيينهِ، حتّى لا نجورَ في الأحكام ِ، أو نقعَ أسرى لبريق ِ مصطلح ٍ بينما صاحبهُ يقصدُ أمراً آخرَ.
اختلفتْ طرق ُ المفكّرينَ المعاصرينَ في التعامل ِ مع النصِّ، ويأتي على رأس ِ ذلكَ أربعة ُ مدارسَ:
-المدرسة ُ الإلحاديّة ُ: وهم الذين لا يرونَ للنصِّ أيّة قيمة ً تُذكرُ، وتأثيرهُ الاجتماعيُّ كانَ محدوداً بالزمن ِ الذي نشأ فيهِ والظروفِ البدائيةِ التي عالجها، وأمّا الآن فقد انتهى عصرُ النصوص ِ وجاءُ عصرُ العقل ِ والبراهين ِ الثابتةِ – الماديّةِ والتجريبيّةِ-، ويرى هؤلاءِ ضرورة َ فكِّ الارتباطِ بينَ العقل ِ والنصِّ، وإزالةِ القدسيّةِ عن جميع ِ ما يُخالفُ العقلَ، والعقلُ عندهم مقصورٌ على المحسوس ِ التجريبيِّ.
 كما أنّهم يميلونَ إلى النظرةِ التشكيكيّةِ، وينطلقونَ منها نحوَ النقدِ وإعادةِ التشكيل ِ للفكرةِ، وهذا مذهبٌ باطلٌ، ولا يشكُّ عاقلٌ في أنَّ المعارفَ لا تنشأ من فراغ ٍ، أو تولدُ من الصفر ِ، وإنّما هي مجموعة ٌ متوالية ٌ تترسّخُ بمرور ِ الوقتِ، ولا يمكنُ لباحثٍ مهما بلغتْ درجة ُ حياديتهِ أن ينفيَ عن نفسهِ التأثيرَ والتكوينَ المعرفيِّ، وأثرَ ذلكَ على نتيجةِ بحثهِ وحكمهِ.
 وبعضُ هؤلاءِ –خاصّة ً الماركسيينَ منهم– يرى أنَّ النصَّ إنّما هو قيمة ٌ جماليّة ٌ، وأدبٌ راق ٍ، شأنهُ شأنُ بقيّةِ الآدابِ، يُعاملُ كقطعةٍ نثريّةٍ، ويُخضعُ لمعايير ِ النقدِ الحديثةِ، وأمّا جعلهُ حاكماً على الحياةِ وعلى الأفعال ِ فهذا أمرٌ مردودٌ، واعتبارُهم للنصِّ من بابِ الاعتبار ِ للأديان ِ مع كفرهم بها، فهم يرون الأديانَ تجربةً وظاهرة اجتماعية تستحقُّ النظرَ، لا أنّها أمرٌ ربّانيٌّ يجبُ على البشريةِ الالتزامُ بهِ، وهكذا هم مع النصِّ يرونهُ قطعةً أدبيةً يُقرأ أدباً وتذوّقاً.
  وهذه المدرسة ُ تضمُّ في ثناياه أطيافاً شتّىً منهم: التغريبيّونَ، والماركسيّونَ، والعلمانيّونَ، وملاحدة ُ العقلانيّةِ، وآخرونَ يظهرُ ذلكَ من خلال ِ مفرداتِ أبحاثِهم، ويجمعُهم جميعاً أنَّ منطلقاتِهم إلحاديّة ٌ صِرفة ٌ، فلا يرونَ أثراً للدّين ِ في حياةِ النّاس ِ، ويعدّونهُ طريقة ً اجتماعيّة ً، وينتحلونَ مذاهبَ معاصرةٍ تسلُكَ طريقَ الإلحادِ والرفض ِ التامِّ للدّين ِ الإسلاميِّ، أو تأويلهِ تأويلاً يأتي على أصلهِ بالبطلان ِ، كمن يفرّقُ بينَ الدّين ِ في روحانياتهِ وبين تطبيقهِ في الحياةِ، أو يرونَ الدّينَ مرحلة ً من مراحل ِ الماركسيّةِ. 


 -المدرسة ُ العقلانيّةُ: وهم الذين يرون ضرورة َ إخضاع ِ النصوص ِ الشرعيـّةِ للعقل ِ، فما وافقَ العقلَ قُبلَ، وما تعارضَ معهُ وجبَ رفضهُ: فإنْ كانَ نصّاً من القرآن ِ وجبَ تأويلَه، وذلكَ لأنّهم لا يقدرونَ على إظهار ِرفض ِ القرآن ِ مباشرة ً، لعلّهم بأثر ذلك وحتّى لا يُكفّرهم النّاسُ، وأمّا إنْ كانَ النصُّ من السنّةِ فإنّهم يردونهُ مباشرة ً ولو كانَ مُتواتراً.
 -المتأثرونَ بالعقلانيّةِ: وهؤلاءِ لا يُعارضونَ النّصوصَ بالعقل ِ، ولكنْ وقعَ عندهم تأويلٌ للكثير ِ من النّصوص ِ، أو قاموا بتأويل ِ بعضِها حتّى تتكيّفَ مع الواقع ِ، ولكنّهم لم يُوافقوا المدرسة َ العقليّةَ في جميع ِ الأصول ِ الفكريّةِ.
ويدخلُ ضمنَ هؤلاءِ كثيرٌ من العصرانيينَ المُعاصرينَ، وكذلكَ بعضُ الذين لم يكتملْ خلاصُهم من الأفكار ِ القديمةِ التي تبنّوها.
 -المدرسة ُ الشرعيّة ُ: وهم الذين يرونَ حُجّية َ النصوص ِ باعتبارِها مورداً رئيساً للأحكام ِ والتشريعاتِ، ويرونَ صلاحيتها لكلِّ زمان ٍ ومكان ٍ، حسبَ ما وردَ في مقاصدِ الشريعةِ التي راعتِ المصالحَ والمفاسدَ.
الغرضُ من التقسيم ِ السابق ِ –تقسيمٌ لفهم ِ المسألةِ فقط– هو تمييزُ الدعواتِ التي تنطلقُ بينَ فينةٍ وأخرى، ويُطالبُ فيها أصحابُها بضرورةِ المراجعاتِ في النصِّ والخطابِ الدينيِّ.
أصحابُ المدرسةِ الإلحاديّةِ لا يرونَ للنصِّ –بقسميهِ كِتاباً وسُنّةً-أي قيمةٍ دلاليّةٍ، ويرونَ الدّينَ ظاهرة ً اجتماعيّة ً فقط، ولهذا فهم في نقدِهم للنصِّ إمّا أن يقوموا بالتشكيكِ في ثبوتهِ ويجعلونهُ من الأساطير ِ، أو أن يُضيّقوا دائرة َ تأثيرهِ ليجعلوهُ في الماضي، وأمّا الحاضرُ فهو عصرٌ تحكمهُ التغيّراتُ المتلاحقة ُ –الصيرورة ُ– ويتطلّبُ من الذين يعيشونَ فيهِ أن يتفاعلوا معهُ ويتكيّفوا عليهِ بكافّةِ صورهِ وأشكالهِ، والنصُّ لجمودهِ وثباتهِ يعوقُ حركة َ التاريخ ِ والتقدّم ِ، فوجبَ تجاوزهُ.
  ومنهم من يرى أنَّ النصَّ القرآنيَّ عِبارة ٌ عن مجازاتٍ، ليسَ لها حقيقة ٌ واحدة ٌ ثابتة ٌ، ويحقُّ لمن شاءَ أن يُفسّرهُ، وهذا التفسيرُ محكومٌ بالحركةِ التاريخيّةِ، فأبطلوا التفسيرَ الذي اختارهُ الصحابة ُ وأهلُ العلم ِ ولو كانَ مُتفقاً عليهِ، وأتوا بتفسيراتٍ جديدةٍ توافقُ ما يريدونهُ من أفكار ٍ ومذاهبَ، وهذا يجري كثيراً في كلام ِ محمّد أركون، وهو أيضاً رأي أغلبِ الماركسيينَ، فهم برغم ِ حربِهم على الإسلام ِ، وتأصيلهم للمذهبِ الماركسيِّ المُصادم ِ للدّين ِ، إلا أنّهم يستشهدونَ بالآياتِ القرآنيّةِ في سبيل ِ إثباتِ نظريّاتِهم الماركسيّةِ، وقد فعلَ هذا كثيراً حُسين مروة وطيب تيزينيِّ وغيرُهم من أقطابِ الماسونيّةِ العربيّةِ.
  وهؤلاءِ في نقدهم للنصِّ أو الخطابِ الدينيِّ إنّما يُريدونَ التحرّرَ من الدّين ِ كلّهِ، فإذا قرأتَ لأحدِ هؤلاءِ كلاماً حولَ النصِّ أو الخطابِ الدينيِّ، فلا بُدَّ من معرفةِ منطلقهِ الإلحاديِّ, والسياق ِ الذي وردَ فيهِ كلامهُ، ولا يكفي أن يغترَّ الإنسانُ بظاهر ِ كلامهم، فهم يعمدونَ إلى التزييفِ كثيراً, وإلى تلطيفِ العبارةِ، كقولِهم مثلاً: النصوصُ مجازاتٌ، أو أنَّ النّصوصَ متعالية على الواقع ِ، وما إلى هنالكَ من الألفاظِ المشابهةِ لها.
 ويأتي على رأس ِ هذه المدرسةِ: محمّد أركون، هشام جعيط، زكي نجيب محمود، فؤاد زكريا، نصر حامد أبو زيد، حُسين مروة، طيب تيزيني، وغيرُهم كثيرٌ –لا كثّرهم اللهُ-.
  ويكثرُ تعلّقُ هؤلاءِ بالمذاهبِ الفكريّةِ والأدبيّةِ المُعاصرةِ المُلحـدةِ، وتجدُ نفَسَ الاستشراق ِ ظاهراً فيما يكتبونهُ، مع أنّهم يدعونَ التجرّدَ والموضوعيّة َ بعيداً عن تأثير ِ الأيدلوجياتِ والأفكار ِ أيّاً كانَ مصدرُها: فمحمّد أركونَ – مثلاً-يحتذي كثيراً طريقة َ أستاذهِ ميشيل فوكو في البنيويّةِ والتحليل ِ التفكيكيِّ، كما أنّهُ ينتمي إلى المدرسةِ الاستشراقيّةِ في طريقةِ تعرّضهِ ودراستهِ للإسلام ِ وعلومهِ، وزكي نجيب محمود يمشي على طريقةِ الوضعيينَ، وحُسين مروة وطيب تيزيني ماركسيّونَ ماديّونَ، وفؤاد زكريّا أخذ َ كثيراً من آراءهِ النقديّة َ من المفكّر ِ العقلانيِّ اليهوديِّ سبينوزا، صاحبِ المذهبِ التشكيكيِّ النقديِّ الذي نقدَ بهِ الدّيانة َ اليهوديّة َ.
والحديثُ عن محمّد أركونَ خاصّة ً لهُ مناسبة ٌ قادمة ٌ، في مقالةٍ عنهُ وعن فكرهِ – بحول ِ اللهِ تعالى-.
  والنّقاشُ مع هؤلاءِ هو من جنس ِ النّقاش ِ مع الملاحدةِ، يكونُ بتقرير ِ أصول ِ المسائل ِ العقديّةِ وإثباتِها، ببراهين ِ الحسِّ والعقل ِ والخبر ِ العاضدِ، إذ أنَّ أكثرَهم لا يؤمنُ بشيءٍ إلا المحسوسَ فقط، ولهذا يقولُ فؤاد زكريّا في ردّهِ على من طلبَ مناقشتهُ أنّهُ سوفَ يُجيبهُ، شريطة َ أن لا يُحاكمهُ أو يُلزمهُ بأي سُلطةٍ، والسلطة ُ التي يقصدُها إنّما هي النصُّ الشرعيُّ، يقولُ في ذلكَ:"وإذا كانَ لمؤلّفِ هذا الكتابِ من أمنيّةٍ، فهو ألا يلجأ المعترضونَ عليهِ – وهم قطعاً كثيرونَ – إلى منهج ِ السُّلطةِ في مناقشةِ آرائهِ، أعني أن لا يضعوا أفكارهُ في مواجهةِ سُلطةِ النصِّ"، والنقلُ السابقُ من كتابهِ"الصحوة ُ الإسلاميّة ُ في ميزان ِ العقل ِ".
 ومن السماتِ الواضحةِ لمن يقرأ في كتبِ من سلفتْ أسمائهم، أنّهم يحتذونَ المناهجَ الغربيّة َ في البحثِ والدراسةِ والنقدِ والتحليل ِ، ويقضونَ لها بالدقّةِ والعمق ِ، ويُحاكمونَ إليها نصوصَ الشريعةِ الإسلاميّةِ، ويُخضعونَ لها التراثَ الإسلاميَّ بكافّةِ تفاصيلهِ، ومع البون ِ الشاسع ِ بين ِ التراثِ الإسلاميِّ الذي مرّتْ عليهِ قرونٌ من النقدِ والمناقشةِ والتحليل ِ، حتّى ثبتَ وصارَ نقيّاً وأُرسيتْ لهُ معاييرُ ثابتة ٌ للنقد ِ والبحثِ العلميِّ، وبينَ المدارس ِ النقديّةِ الغربيّةِ المُعاصرةِ, والتي تصلحُ أن تطبّقَ على النظريّاتِ الغربيّةِ، تلكَ النظرياتُ التي لا تقومُ على قدم ِ البحثِ العلميِّ أبداً، ويكفي أن أشيرَ هنا إلى أنَّ نظريّة َ داروين في النشوءِ والارتقاءِ والانتخابِ الطبعيِّ، مرَّ عليها مئة ُ سنةٍ، ووضعتْ على ميزان ِ النقدِ والتحليل ِ فأثبتتْ فشلها الذريعَ، مع أنّها كانتْ يوماً من الأيّام ِ ثورة ً في مجال ِ العلوم ِ، وفتحاً عظيماً!، وقل مثلَ ذلكَ على نظريّاتِ ماركس، وفرويد، وغيرِهم.
  هذا السقوطُ السريعُ للنظريّاتِ الغربيّةِ، ومن قبلهِ الفشلُ الذريعُ للكنيسةِ أن تثبتَ في وجهِ العلم ِ التجريبيِّ   بعد أن حاربتهُ قروناً طويلة ً، جعلَ أصحابَ المناهج ِ الغربيّةِ يقعونَ في إسقاطاتٍ كثيرةٍ جرّاءَ ذلكَ الأمر ِ، ويُلصقونها بالإسلام ِ وتعاليمهِ ومنهجهِ في الحياةِ، وبحمدِ اللهِ أنَّ نظرياتِهم تهاوتْ أمامَ الحُجج ِ العلميّةِ التي قامَ عليها الإسلامُ، ومشاريعهم النهضويّة ُ المزعومة ُ ماتتْ في مهدها، وبقيَ الإسلامُ عزيزاً شامخاً مهيباً، بالرّغم ِ من ضعفِ المسلمينَ في الدراساتِ الخاصّةِ بنقدِ الحضارةِ الغربيّةِ ونقدِ مناهجِها.
  وأمّا أصحابُ المدرسةِ العقلانيّةِ، فهم كسابقيهم في النظر ِ إلى النصوص ِ الشرعيّةِ، ويجمعهم جميعاً القولُ بانفصال ِ الشريعةِ عن نظم ِ الحياةِ، فالشريعة ُ مختصة ٌ في شئون ِ الروحانيّاتِ، وأمّا الحياة ُ وإدارتُها فهذا من الأمور ِ التي تركتِ الشريعة ُ البحثَ فيها للنّاس ِ، ومن هذا المنطلق ِ صاروا يُحاربونَ السنّة َ التشريعيّة َ، ويروونَ أنّها تسييسٌ للدّين ِ، وأنَّ أكثرَ أحاديثِ السنّةِ النبويّةِ إنّما إفرازاتٌ للصراعاتِ السياسيّةِ الدائرةِ في صدر ِ الإسلام ِ، ممّا حدا الخلفاءَ والملوكَ إلى تطويع ِ الدّين ِ لخدمةِ مآربِهم، وقد تلقّوا أغلبَ هذه الآراءِ من كُتبِ ودراساتِ المُستشرقينَ، لأنّهم كانوا يرون فيهم الدقّة والأمانةَ والبُعدَ عن التعصّبِ –كما يزعمونَ-، إضافةً إلى خلوّهم نظرةِ التبجيلِ للنصِّ والسلفِ، فمن المعيبِ عندهم النظرةُ التبجيليّةُ للنصِّ والسلفِ.
ويجتمعُ أصحابُ المدرسةِ الإلحاديّةِ والمدرسةِ العقلانيّةِ في التصوّر ِ العلمانيِّ للحياةِ، ويتفقونَ في الأغلبِ الأعمِّ على عدم ِ استقلاليّةِ السنّةِ النبويّةِ بالتأثير ِ والتشريع ِ, وكذلكَ على ضرورةِ تحكيم ِ العقل ِ والنظر ِ إليهِ مصدر ٍ مُستقلٍّ في النظر ِ والاستدلال ِ، ولهذا وصلَ الكثيرُ من العقلانيينَ إلى مصافِّ الكفرِ الصريحِ.
وهؤلاءِ –أعني العقلانيينَ– لا يتوانونَ في نقدِ النصوص ِ الشرعيّةِ، فما خالفَ العقلَ يردّونهُ مباشرة ً، فإن كانَ من القرآنِ الكريمِ قاموا بتأويلهِ وحملهِ على معانٍ مجازيّةٍ، أو وسّعوا دائرة َ معانيهِ حتّى يشملَ أشياءَ تتوافقُ مع العصرَ الحديثِ، ومنهم من يرى أنَّ القرآنَ كان يشتملُ على الأساطير ِ، كما وقعَ لمحمّد أحمد خلفَ الله، وأستاذهِ الخوليِّ، وأمّا السنّة ُ النبويّة ُ فلا حكمَ لها إلا قليلاً، والأصلُ أنّهم يردونَ أكثرَ الأحاديثِ، وإذا خالفَ الحديثُ شيئاً يعتقدونهُ من العلوم ِ المُعاصرةِ أو ما استقرَّ في عقولِهم فإنّهم يحكمونَ بوضعهِ وبطلانهِ، ولا ميزانَ يزنونَ بهِ الحديثَ إلا ميزانَ العقل ِ والحسِّ.
  وللأمانةِ العلميّةِ فإنَّ المدرسة َ العقلانيّة َ تتفاوتْ في التعامل ِ مع النصوص ِ الشرعيّةِ، فهم وإن اتفقوا على أصلِ التأويلِ أو تقديسِ العقلِ وتقديمهِ إلا أنَّ هذا الأصـلَ كان يطردُ تِباعاً بحسبِ نفسيّةِ صاحبهِ وموقفهِ المباشر ِ، يقولُ شيخُنا سلمان العودة:"وتتفاوتُ رموزُ هذه المدرسةِ تفاوتاً كبيراً في موقفِها من النصِّ الشرعيِّ، ولكنّها تشتركُ في الإسرافِ في تأويل ِ النصوص ِ، سواءً كانتْ نصوصَ العقيدةِ، أو نصوصَ الأحكام ِ، أو الأخبارَ المحضة َ، وفي ردِّ ما يستعصي من تلكَ النّصوص ِ على التأويل ِ".
 وهذا ما يقودنا للحديثِ عن المتأثرين بالعقلانيّةِ وهم من بقيتْ بهم رواسبُ تلكَ المدرسةِ، فهؤلاءِ يوجدُ فيهم بقايا من فكرِ العقلانيينَ، ويفترقونَ عنهم في أنّهم يعترفونَ بالسنّةِ مصدراً للتشريعِ، إضافةً إلى اعترافهم بالقرآن الكريم، لكنّهم يؤولونَ كثيراً من نصوصِ السنّةِ أو يردّونها إذا خالفتْ ما يرونهُ صريحَ العقلِ أو الحسِّ، وصريحُ العقلِ والحسِّ لا ينضبطُ عندهم بضابطٍ كُلّي، ولهذا يكثرُ عندهم من الاضطرابِ في هذا البابِ ما يجعلهم ينقسمون في المسألة الواحدةِ ما بين قائلٍ في أنها معارضةٌ للعقلِ الصريحِ وما بينَ مُعترفٍ بقبولِ الحقِّ لها.
 والمتأثرون بالعقلانيّةِ ليسوا على درجةٍ واحدةٍ كذلكَ، بل قد يوجدُ في أهلِ العلمِ بالشريعةِ من يتأثرُ ببعضِ تلكَ الأفكارِ، وأمّا من يتفقُ مع أولئكَ في آحادِ المسائلِ فإنّهُ ليسَ منهم، وإنّما الشأنُ في الموافقةِ على الأصولِ الكليّةِ أو بعضِها. 


 ويأتي على رأس هذه المدرسةِ المدرسةُ الإصلاحيّةُ في مصرَ، من أمثالِ محمّد عبده وطلابهِ كرشيد رضا وشلتوت والمراغي وغيرهم، وقد تفاوتوا تفاوتا كثيراً في التأثرِ، وهناك من يجعلُ محمّد عبده من محضة العقلانيةِ ومنهم من يراهُ مُصلحاً عظيماً، والحقُّ أنَّ هذا الرجلَ وقعَ في تجاوزاتٍ وأخطاءٍ جسيمةٍ، كانَ كثيرٌ منها في أصولِ الشريعةِ، ويُقالُ أنَّ سببَ جنوحهِ إلى التأويلِ للغيبياتِ والمُعجزاتِ إنّما كانَ تطييباً لقلوبِ النّاسِ، وكسباً لهم، في وقتٍ اشتدتْ فيهِ أزمةُ الإلحادِ وإعراضُ النّاسِ عن الدينِ وتشككّهم فيهم، لانتشارِ الماديةِ وفورةِ الاشتراكيّةِ والماركسيّةِ، وبهذا أجابَ الشيخ رشيد رضا رسالةً وصلتهُ من الشيخ السعدي –رحمهما الله جميعاً-، ذكرَ لهُ فيها أن تأويلَ بعضِ أمورِ الغيبِ أهونُ عندهم من خروجَ المسلمِ إلى دينِ الكفرِ.
 وهذا الأمرُ مُشكلٌ غايةَ الإشكالِ، ذلك أنَّ هذه الأمورَ هي من محكماتِ الشريعةِ، وممّا كانتْ تعيبُ بعضهُ قريشٌ على النبيِّ –صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ– ولو كانَ بعضهُ أو كلّهُ يجوزُ أن يُبدّلَ أو يؤولَ مع وجودِ المُقتضي لذلك وانحسارِ المانعِ، لكانَ النبيُّ – صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ – أولى بذلك في زمانهِ، وحاجتهُ إليهِ أكثرُ ترغيباً للنّاسِ في الإسلامِ والإيمانِ، وتكثيراً للأتباعِ الداخلينَ في الدين، فلمّا تركَ ذلكَ وبقيَ على الأصلِ من اعتبارِ حقيقةِ هذه القضايا واعتبارها محكّاً للدينِ واختباراً للعبدِ، دلَّ ذلكَ على تحريمِ تأويلها أو التعرّضِ لها بالتعطيلِ والتشكيكِ.
 والواجبُ على أهلِ العلمِ هو صيانةُ العلمِ عن تشغيبِ العامّةِ، وإصلاحُهم بالطرقِ الشرعيّةِ، لاسيّما ما كان موجبهُ موجوداً في زمنِ النبيِّ –صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ-، فما فعلهُ نفعلهُ، لأنّهُ فعلهُ تشريعٌ كقولهِ، وهذا محلُّ إجماعٍ عندَ أهلِ العلمِ، وأمّا الوقوعُ في التأويلِ وصرفِ الخبرِ عن ظاهرهِ استمالةً للنّاسِ وتأليفاً لقلوبهِ، فهذا مُصادمٌ لطريقةِ النبيِّ –صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ–، بل كان يأخذُ النّاسَ في مواضعِ الحزمِ بالحزمِ، وفي مواضعِ اللينِ باللينِ، وأهلُ العلمُ خلفهُ في ذلكَ، وإذا وجدوا من النّاسِ ريبةً أو تشكّكاً سدّوا ذلك البابِ بالتعرّضِ لأصولِ مسائلِ الإيمانِ، لا بأن يفتحوا لهم باباً جديداً للتأويلِ وصرفِ حقائقِ الدينِ، ومن وقعَ في شيءٍ من ذلك فلن يردّهُ إلا التأويلِ لصريحِ الدينِ وأصلِ الإيمانِ، ومن هنا وصلَ من وصلَ إلى القولِ بصحّةِ دينِ اليهودِ والنّصارى، لأنّهم وقعوا في بوّابةِ الانهزامِ الأولى، وهي بوّابةُ الضعفِ أمّامَ سلطةِ العامةِ الذين لا يفقهونَ شيئاً.
 والتتابعُ في التأويلِ جعلَ بعضَ هؤلاءِ يقعُ في التأويلِ الصريحِ لمحكماتِ القرآنِ، كما حصلَ لمحمّد عبده في تفسيرهِ، وقد ردَّ عليهِ في شيءٍ من ذلك الشهيدُ سيد قطب – رحمهُ اللهُ-، وذلك في تفسيرهِ لسورة الفيل وغير ذلكَ من المواضعِ.
 والحديثُ عن المتأثرينَ بالعقلانيّةِ ودُعاةِ العصرانيّةِ لهُ مناسبةٌ خاصّةٌ، لاسيّما ونحنُ نرى كثرتُهم وانتشارُهم في العديدِ من المراكزِ العلميّةِ والإعلاميّةِ.