قضايا فكرية /

رؤية لمستقبل مصر: سياسة بلا جماعات [ حصاد الأقلام ]

[ الثلاثاء 9 ربيع الآخر 1434 هـ ] [ 133 ]

ليس هناك تفريق بين الدين والسياسة .. ولا أرى من الدين ترك السياسة ولا من السياسة ترك الدين .. بل إن المسلم الحق لا يكتمل إيمانه العملي حقاً إلا عندما تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين .. أي أن كل حياته تستحضر الدين وتعيشه وتلتزم تعاليمه.

 

 

هذه سلسلة مقالات تستهدف وضع رؤية جديدة خارج النسق التقليدي للتفكير حول كيف تخرج مصر من أزماتها السياسية. لا تستهدف هذه المقالات الهجوم على أحد أو الإنقاص من قدر أي فصيل وطني، ولكنها تهتم بمصر قبل الجميع. وهذا أول مقال في هذه السلسلة.

سياسة بلا جماعات

لن ينصلح حال مصر بأنشطة سياسية تديرها جماعات أنشئت ذات يوم لغرض مختلف وهو الدعوة إلى الله. مصر بحاجة إلى إطارات سياسية لا ترتبط بالجماعات. الداعية لا يصلح رجل سياسة .. ولكنه يصلح أن يكون ضمير الأمة على الساسة.

مقدمة حول الدين والسياسة

ليس هناك تفريق بين الدين والسياسة .. ولا أرى من الدين ترك السياسة ولا من السياسة ترك الدين .. بل إن المسلم الحق لا يكتمل إيمانه العملي حقاً إلا عندما تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين .. أي أن كل حياته تستحضر الدين وتعيشه وتلتزم تعاليمه.

وبالعموم فإن هذا هو موقف الإنسان المصري بالعموم، وهذا هو حال أغلب المصريين مسلمين ومسيحيين من الدين .. إنه جزء هام من هويتهم ومن حياتهم، ويشعرون بالفخر وهم يلتزمون دينهم ويقتدون بتعاليمه في حياتهم، فلا يقل أحداً أن أريد فصل الدين عن الحياة أو عن السياسة عندما أنادي بفكرة "سياسة بلا جماعات" فأنا أتحدث عن الوسائل ولا أتحدث هنا عن المبادئ أو الغايات.

مبدئي الشخصي وغايتي أن تستكمل مصر السير في طريق تطبيق الشريعة بالشكل الصحيح والذي يحفظ كل حقوق المصريين. وبعد ذلك أعود فأقرر موقفي من فكرة "سياسة بلا جماعات".

حول نشأة الجماعات ودورها

لقد نشأت الجماعات في أوطاننا عندما كانت الحاجة ماسة للحفاظ على الدعوة للإسلام في ظل غياب ذلك من قبل الدولة أو تهميش الدولة لجهود الحفاظ على الدين. وتعرضت الجماعات في سبيل ذلك للكثير من الاضطهاد والمعاناة، ولا ينكر منصف دور تلك الجماعات في الحفاظ على الهوية والقيم في أوطاننا في العقود الماضية. ويبقى أن نلاحظ أن طبيعة ذلك الدور في تلك الأوقات استلزمت قدر من السرية .. وآليات لبناء الكوادر تختلف تماماً عن المطلوب في الأجواء السياسية المنفتحة، وما يلزم لإدارة الدول.

اهتمت الجماعات في تلك العقود التي صاحبها الاضطهاد بأن تبين مواقف الدين من القضايا السياسية التي يتعرض لها المجتمع والدولة، وكان ذلك طبيعيا ضمن الدور الدعوي والتثقيفي للجماعات في تلك الفترة، واختلفت درجة الاهتمام والمشاركة من تيار لآخر ومن فصيل لغيره، ولكن بقيت المهمة الرئيسة للجماعات هي الدعوة وليس ممارسة السياسة اليومية لشؤون دولة أو احتياجات مجتمع.

ومع ثورات الربيع العربي، وزوال الدكتاتوريات في العديد من الدول العربية بشكل متزامن، ظهرت الحاجة إلى مؤسسات سياسية بديلة تشغل الفراغ القائم على الساحة بسقوط الأنظمة .. وكان الجيش والجماعات هما الكيانان الأكثر تنظيما والأقدر على ملء ذلك الفراغ، رغم أن أي منهما لا يصلح على المدى الطويل لتلك المهمة على الإطلاق.

الجماعات والدور الانتقالي بعد الثورة

كان طبيعيا في المرحلة التالية للثورة مباشرة في حالة مصر تحديداً أن تكون القوات المسلحة هي الكيان الأقرب للحكم مباشرة بعد سقوط دولة الظلم، وأن تكون الجماعات الإسلامية هي الأقدر مرحلياً على توجيه الجموع وأن تملك ناصية الحشد لخدمة الثورة وأهدافها. وجاحد من ينكر دور الجماعات في تلك المهام الحساسة والضرورية لاستقرار الثورة فور سقوط النظام.

رأى الجيش أيضاً وهو من تولى السلطة مباشرة عقب سقوط النظام حاجته إلى أن يعمل مع كيانات منظمة قادرة للوصول إلى نسبة كبيرة من الشعب المصري، ومن هنا نشأت علاقة مصالح متبادلة بين الجماعات وبين الجيش من أجل صالح مصر كما رآه الطرفان، وتفهمه الكثيرون، واعترض عليه من كانوا يخشون من مآل مثل هذا التحالف على مستقبل الحياة.

ولكن بالعموم تمكن هذا التحالف غير المقنن بين الجيش وبين الجماعات في التعامل مع المرحلة الانتقالية التي أعقبت الثورة مباشرة. ليس الهدف هنا هو تقييم نتيجة تلك المرحلة سلباً أو إيجاباً .. ولكن الهدف هو تحديد تطور طبيعة تداخل الجماعات في الحياة السياسية المصرية وضرورتها في تلك المرحلة.

وحدث انشغال كبيرة للجماعات بالفرصة السياسية الجديدة المتاحة، وهو ما اعتبرته الجماعات فرصة جديدة لإيصال الدعوة عبر العمل السياسي، وفات الجماعات أن آليات عملها، وطبيعة تكوين كوادرها لا تتناسب مع متطلبات العمل السياسي، ولكن الفرصة كانت متاحة والخيارات نادرة وغير مقبولة، فبدأت الجماعات في تشكيل أحزاب سياسية تعمل بمثابة "الذراع السياسي للجماعة" وهنا بدأ الخلل في الظهور علنا وبشكل مباشر.

أنشأت معظم الجماعات أحزاباً سياسية لا تعدو أن تكون بصورة أو بأخرى إدارات سياسية داخل الجماعة تتشكل من كوادرها، وتهتم فقط بأعضاء الجماعة، وترى الجماعة هي مركز الحق الرئيس .. رغم عبارات التعاون التي تكلم عنها الجميع، وللأسف أقول .. استمرت الجماعات في رؤية كوادرها في مكانة أعلى ممن سواهم، والجماعة بالعموم أهم من مصر .. كان دائماً المبرر أن الاهتمام بالجماعة ليس إلا بهدف الاهتمام بمصر وقبل ذلك بالدين قطعاً، ولكن مسيرة العمل السياسي كانت تشير بوضوح أن تلك الجماعات انشغلت كثيراً بالجماعة فوق مصر .. وبأهداف الجماعة فوق مصالح الوطن، ولا أرى ذلك غريباً أو غير منطقي فالجماعة في النهاية لم تنشأ لتكون راعية لمصالح دولة بل حامية لرؤية ومعتقد، وبالتالي فإن الدور الجديد أن ترعى جماعة مصالح دولة هو دور لا يوجد في تاريخ الجماعات تأصيل له أو قدرة عملية على ممارسته والقيام به.

لا نشك في النوايا الطيبة للكثيرين من قادة الجماعات ورغبتهم في خدمة الوطن بما هو متاح لهم، ولكن التفكير يجب أن ينصب على ما هو صحيح، وصالح لمصر المستقبل، ولضمان أن تنجح الحياة السياسية وتنضج لتحمل هموم أهل مصر وتنتقل بهم من واقع مؤلم إلى مستقبل أكثر إشراقا ونجاحا.

مرحلة ما بعد الجماعات

بعد أن تمكنت الجماعات بشكل عام من الوصول إلى الأغلبية في الكثير من مؤسسات الدولة، ظهرت المشكلة التي تحدثت عنها أعلاه بشكل واضح .. فالكوادر أصلا غير مؤهلة للعمل الذي يتم تكليفها به، وتأثير الجماعة على الكادر أقوى من تأثير مصالح مصر عليه، والاهتمام بالجماعة يطغى على الاهتمام بالوطن.

بالطبع هذا الكلام ليس مطلقاً ولكل قاعدة استثناء، وهناك داخل كل جماعة أصوات كثيرة تتعالى وتظهر بوضوح مؤخرا .. لتشير إلى نفس الخلل وترى أن من حق الوطن أن تكون مصالحه أهم من مصالح الجماعة وأن نختار لحكم مصر الأفضل وليس الأقرب للتيار أو الجماعة، وأن العمل السياسي يختلف جوهريا عن آليات العمل الدعوي، وكلاهما يمكن أن يخدم الدين والوطن، ولكنهما مختلفان جذريا في طرق ووسائل العمل.

إننا في هذه اللحظات في مصر نعاني بوضوح من تنامي التأثير السلبي للجماعات على الحياة السياسية المصرية، وليس هذا في ظني بسبب فساد نوايا والعياذ بالله أو فساد تفكير، ولكن بسبب عدم ملائمة الآليات للحياة السياسية المعاصرة. من أجل ذلك فإني أنادي أن تكون المرحلة القادمة في مصر هي مرحلة "سياسة بلا جماعات".

لا أقصد بالشعار أن تختفي الجماعات من الحياة السياسية المصرية، ولكن أن يتحول دورها السياسي إلى الدور الملائم لجماعة دعوية .. أن يتم التركيز على حفظ الدين، وعلى حفظ حقوق البشر، وعلى تحري العدل لجميع مواطني مصر، وأن تعود الجماعة إلى الدور الأصيل لها ضميراَ سياسياً ودعويا للأمة، وليس ممارساً للسياسة وهو عمل لا تبرع الجماعات فيه، وليست أهلا له بسبب طبيعة تكوينها، وآليات اتخاذ القرارات بها.

سياسة بلا جماعات

مصر بحاجة إلى حياة سياسية كاملة لا تنشأ كهجين لمؤسسات أخرى، ولكن أن تنشأ الأحزاب ومؤسسات العمل السياسي بها على أسس سياسية صحيحة وآليات لاتخاذ القرار واضحة وشفافة، وعلى قدرة على تحريك الجماهير بناء على الأداء السياسي وليس الخلفيات الدعوية أو الارتباط بالجماعات. بن يمنع هذا تكون حزباً سياسياً يميل إلى خيارات التيارات الدينية، بل أن هذا أمر محمود ومرغوب لأنه تعبير عن شريحة موجودة في المجتمع، ولكن الحياة السياسية لا يمكن أن تنجح في ظل أحزاب ترى أنفسها أذرعة سياسية لجماعات.

الأفضل أن تقوم في مصر أحزاباً سياسية قوية مستقلة لا ترتبط بجماعات، ولكنها تعبر عن هوية وقيم شرائح مختلفة من المجتمع المصرية وتحظى باحترام ومساندة تلك الشرائح .. ليس على أساس أن هذا الحزب أو ذاك تابع للجماعة هذه أو تلك، ولكن لأن هذا الحزب المشكل من جموع المصريين يعبر عن طموحات تلك الشريحة من المجتمع.

أرى عودة الجماعات إلى دور القوى الضاغطة سياسياً .. الباحثة عن الحق فيما يقوم به السياسيون من أعمال .. المعبرة عن ضمير المجتمع المصري أو أغلبه، والقادرة على أن تهتم بأعمالها هي دون أن تنشغل بأعمال غيرها من مؤسسات المجتمع المدني اللازمة لإدارة دولة متقدمة.

مستقبل السياسة في مصر

الجماعات ليست بديلاً للأحزاب ولن تكون أبداً كذلك مهما طال عمر التجربة الحالية، فهما كيانان مختلفان تماما، ومصر بحاجة إلى كل منهما على حدة.

الجماعات لن تنجح أبداً في تلبية طموحات المصريين السياسية ليس بسبب فساد نية، وإنما بسبب عدم ملائمة الوسيلة للغاية المرجوة. دعونا لا نقاتل طواحين الهواء .. ولنتعلم من تاريخنا قبل أن نتعلم من تجارب من حولنا. لقد نجحت هذه الأمة في سيادة العالم عندما كان الشيخ شيخاً يقوم بواجبه .. والقائد العسكري قائداً للمعارك يقوم بواجبه .. والحاكم أو السلطان .. يحكم أيضاً بقوة ويقوم بواجبه ..

لا نحن بحاجة إلى أن يتحول العسكر إلى حكام ولا الشيوخ إلى حكام ... نحن بحاجة إلى حاكم قوي وقوة عسكرية ضاربة وجماعات قوية تحفظ للأمة ضميرها الحي في العدل والخير .. من أجل أن تنهض مصر ... نحن بحاجة إلى أن ينشغل كل منهم بمهامه هو .. فمصر بحاجة إلى كل منهم في مكانه، وليس بديلاً لغيره .. من أجل ذلك أنادي في هذا المقال بأن تتحول الخريطة السياسية لمصر إلى "سياسة بلا جماعات".