قضايا فكرية /

إيران: بين مؤتمرات الوحدة .. وسياسات وشعائر الفرقة والتشرذم [ حصاد الأقلام ]

[ الخميس 26 ربيع الأول 1434 هـ ] [ 221 ]

بعد 26 سنة على مؤتمرات الوحدة الإسلامية هذه لا تزال إيران تعاني من تكاثر الفرقة والتشرذم بين فصائلها السياسية المحافظة والموالية للنظام، وتتهم بعضها البعض بالعمالة والتفريط وخيانة خط الثورة، أما خصومهم من الإصلاحيين فهؤلاء خونة مفروغ من أمرهم ليس لهم مكان إلا السجون والإقامة الجبرية مثل مير موسوي أول رئيس وزراء في ظل الجمهورية الإيرانية

 

 

اختتمت إيران مؤخراً المؤتمر السادس والعشرين للوحدة الإسلامية، وكالعادة تقاطرت الوفود على طهران، فاستمعت إلى خطبة القيادة السياسية لإيران والتي ألقاها هذه المرة الرئيس أحمدي نجاد، ومن ثم ألقيت كلمات الحضور والمشاركين الجميلة والتي تحث على الوحدة والتعاون والتقطت الصور الجماعية، وتناول الحضور المشويات الإيرانية الفاخرة، وانفض المولد ولم تتقدم الأمة بعد 26 عاما ومؤتمرا خطوة على طريق الوحدة الإسلامية!!

والسبب الرئيسي في ذلك أن هذه المؤتمرات ذات طابع سياسي وترويجي للثورة الإيرانية وليست بهدف وغاية دينية صادقة نحو الوحدة الإسلامية، وهاكم الأدلة والشواهد:

بعد 26 سنة على مؤتمرات الوحدة الإسلامية هذه لا تزال إيران تعاني من تكاثر الفرقة والتشرذم بين فصائلها السياسية المحافظة والموالية للنظام، وتتهم بعضها البعض بالعمالة والتفريط وخيانة خط الثورة، أما خصومهم من الإصلاحيين فهؤلاء خونة مفروغ من أمرهم ليس لهم مكان إلا السجون والإقامة الجبرية مثل مير موسوي أول رئيس وزراء في ظل الجمهورية الإيرانية، والذي تطالب بناته اليوم السلطات بالسماح لهن بزيارته!! ومثله هاشمي رفسنجاني أحد المؤسسين للجمهورية الإيرانية والمهدد بسجن ولده مهدي وابنته فائزة بتهم فساد وإخلال بأمن الدولة!!

أما المخالفون حقيقةً للنظام فهؤلاء لهم بطون الأرض بعد إعدامهم على حبال الرافعات، كما حدث مؤخرا لعدد من النشطاء الأحوازيين.

وبرغم رفع راية الوحدة وشعاراتها لا يزال التمييز العنصري بسبب العرقية أو المذهب هو السائد في سياسة طهران، فالمواطنون الإيرانيون من أصل أذري أو عربي مهمشون في المناصب والقيادات لحساب العرق الفارسي، كما أن المناطق العربية كالأحواز والتي هي موطن النفط الإيراني تعاني من إهمال وفقر فظيعين لصالح العاصمة والمناطق الفارسية، بل وحتى المراجع الدينيين الشيعة العرب عانوا من الإقصاء والتهميش، ومن أكبر البراهين شهادة السيد طالب الرفاعي، وهو أحد مؤسسي حزب الدعوة العراقي، في كتابه الجديد "أمالي السيد طالب الرفاعي" والتي دونها الكاتب المعروف رشيد الخيون، فقد ذكر تفاصيل الغدر بالمرجع العربي الشيخ محمد طاهر الخاقاني، الذي حرّض العمال العرب العاملين في قطاع النفط على الإضراب لصالح الثورة ضد الشاه مما قصم ظهره، فكان جزاؤه النفي لمدينة قم، ووضعه في الإقامة الجبرية حتى توفي عام 1985.

وحين تصارعت أرمينيا مع أذربيجان أيدت إيران أرمينا برغم الوجود الكبير للشيعة في أذربيجان، وذلك خوفاً من قوة ووحدة الشيعة الأذريين مما يهدد هيمنة الشيعة الفرس، وعاشت الوحدة الإسلامية التي تنادى بها إيران!!

وتحت رايات وشعارات الوحدة الإسلامية لا تزال إيران تبتلع دولة الأحواز العربية تماشياً وتناغماً مع سياسات الدولة الشاهنشاهية، وأيضاً تواصل احتلال الجزر الإماراتية الثلاث.   

وبرغم سيل مؤتمرات الوحدة الإسلامية إلا أن إيران ساهمت بشكل فعال جداً في معاونة الأعداء ضد الأمة، ولم تخجل من الافتخار بذلك علناً على لسان الرئيس الأسبق رفسنجاني وعلى لسان محمد أبطحي نائب الرئيس السابق محمد خاتمى بأنها كانت السبب في نجاح الجيش الأمريكي في احتلال دولتين مسلمتين هما أفغانستان والعراق.

وفي عهد المؤتمرات المتتالية للوحدة الإسلامية تم تمويل الحوثيين لتنفيذ عدة حروب أهلية في اليمن لتتفتت وتتشرذم باسم الوحدة الإيرانية الإسلامية!!

وبفضل العقلية الوحدوية كافحت الأحزاب الشيعية الموالية لإيران من أجل إقرار الفيدرالية في الدستور العراقي أولاً ومن ثم سعت جاهدة لتطبيقه لتقسيم العراق الموحد!!

أما في العراق ولبنان فقد كانت السياسات الحكيمة لحلفاء إيران نموذجاً بناءً في ترسيخ الوحدة الإسلامية وتجذير اللحمة، فقد أرسلت رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري سريعاً إلى رحمة الله تعالى ودافئاً بالطبع!! أما قادة العراق من شركائهم السنة فقد أصبحوا بفضل هذه السياسات يحملون أرقاماً قياسية تستحق دخول موسوعة جينيس بعدد الأحكام القضائية بالإعدام التي حصل عليها نائب رئيس جمهورية في العالم!!

كما أن الوحيد الذي جهر برفض الوحدة الخليجية هو وكيل مرجعية السيستاني في الكويت.

أما في سوريا فمن حرص إيران على الوحدة الإسلامية فيها أنها لا تزال تحرص على الوحدة وبأي ثمن حتى لو لم يبق من الشعب السوري إلا بشار الأسد ولا من معالمها إلا باب الحصن الذي يأوى إليه!!

هذه هي الشواهد والأدلة من السياسات الإيرانية والتي ترفع شعارات ومؤتمرات الوحدة الإسلامية ولكنها ترسخ وتعمق وتجذر واقع الفرقة والتجزئة والتشرذم، أما عن شعائر الفرقة والتشرذم فتأمل معي ما يلي:

كان المسلمون في لبنان متوحدين تحت مظلة مشتركة وهي دار الفتوى، جاءت الروح الوحدوية فأنتجت لنا (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى) في لبنان سنة 1969، ومن ثم أصبحت هذه سياسة متبعة، ففي الكويت تم فصل دائرة الأوقاف إلى سنية وشيعية عام 2002 بطلب من شيعة الكويت، وهو ما تم في العراق فور تنسمهم لرائحة الحكم في 2003، وعلى نفس المنوال تم ذلك في البحرين سنة 2004، ومن السخرية السوداء أن أول أهداف هذا المجلس هو: المحافظة على وحدة المجتمع وخدمته!

وفي الحج، وهو المناسبة التي يجتمع فيها المسلمون من كل مكان ويتوحدون معاً بالصلاة خلف إمام واحد ويؤدون نفس الشعائر وفي نفس الوقت وينامون في نفس المكان ويلبسون نفس اللباس، ويحتفلون بعيد الأضحى جمعياً، إلا أن حجاج إيران ورفاقهم يخرقون الوحدة الإسلامية في الحج فيقفون بعرفة يوم العيد!! ويخالفون العالم الإسلامي كله في عيدي الأضحى الفطر!! بل وأزيد من هذا يخالفون شركاءهم في الوطن في يوم العيد.

وكم هو من العجيب في عدد من الدول أنك حين تسمع إقامة الصلاة تفاجأ بأن هناك مساجد تبدأ في الأذان!! وحين تستفسر عن ذلك يقال لك هذا أذان مساجد الشيعة!! إذ ليست هناك برغم كل هذه المؤتمرات الوحدوية وحدة في المساجد ولا وحدة في الأذان!!

فمتى ننتهي من هذه اللعبة السمجة وبالمتاجرة السياسية بالدين، فإن كنتم تريدون الوحدة فلتكفوا عن سياسات وشعائر الفرقة أولاً، ومن ثم نبحث وندرس خطوات عملية للتقدم نحو الوحدة الإسلامية.