أديان و مذاهب /

قراءة في كتاب فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة [ قراءة ]

[ الثلاثاء 3 ربيع الأول 1434 هـ ] [ 388 ]

هذا الكتاب الذي يتحدث عن فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة , كان فصلا من فصول كتاب آخر له وهو " أسنى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " , ولما رأى الكاتب تفرد فكرته والحاجة لها جعله في كتاب مستقل .

 

 

عنوان الكتاب: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة

 المؤلف: علي محمد الصلابي

 الناشر: دار ابن حزم - القاهرة

 سنة النشر: 1429 – 2008

تميز الكاتب والباحث التاريخي الدكتور على الصلابي بكتاباته التاريخية التي تنبثق من فكرة واضحة تدلل عليها معظم كتبه وهي اشتمال الحضارة والثقافة الإسلامية على فكر إصلاحي يمكن أن يتعلم منه غيرهم , وأنه لا ينبغي ان يكون هناك انهزام داخلي عند العرب والمسلمين أمام ما يسمى الطرح الإصلاحي الغربي نظرا لوجود خلافات كثيرة بينهما أهمها أن الفكر الغربي ينبثق من قيم وعقائد قد نتفق معهم في بعضها ونخالفهم في كثير منها .

وقد كان هذا الكتاب الذي يتحدث عن فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة , كان فصلا من فصول كتاب آخر له وهو " أسنى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " , ولما رأى الكاتب تفرد فكرته والحاجة لها جعله في كتاب مستقل .

فقام الكاتب في كتابه هذا لدراسة موضوعية عن الفرقتين من حيث النشأة وسبب وظروف الظهور وعن الجذور الفكرية لهما

الخوارج

بدا المؤلف بالخوارج وفرق في سبب تسميتهم بين عدة آراء مختلفة مثل رأي أبي الحسن الأشعري الذي حصرهم في الظرف التاريخي ورأي ابن حزم الذي جمع بين كل من قال بقولهم وآمن بأفكارهم على مر العصور مثل إنكار التحكيم وتكفير صاحب الكبيرة والقول بخلوده في النار وغير ذلك من الأفكار , وذكر أيضا رأي الشهرستاني الذي اعتبر أن كل من خرج على إمامه الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيا سواء كان الخروج في عهد الصحابة أم كان بعدهم في التابعين أو أي أمام في كل زمن وذكر رأي ابن حجر الذي عرفهم بأنهم الذين أنكروا التحكيم على علي - رضي الله عنه - وتبرءوا من عثمان - رضي الله عنه - وذريته وقاتلوهم فان أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة , ثم ذكر تعريفات لمتأخرين مثل " أبو الحسن الملطي " والدكتور ناصر العقل ثم رجح راي ابن حجر .

وبعد ذكر الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت الخوارج وشرحها وذكر أسانيدها ذكر طرفا تاريخيا عنهم وعند مناظرة ابن عباس لهم وتسميتهم بالحرورية نسبة لحاروراء التي استقروا فيها فرجع خلق كثير منهم ثم خروج الإمام علي لهم بنفسه وذكر واقعة النهروان تفصيليا والتي انتهت بقتل كثير منهم واستبشر أمير المؤمنين رضي الله عنه بمقتل ذي الثدية الذي بشر بمقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعله أماره عليهم وعلى صدق اتباع علي رضي الله عنه لنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وان الحق في جانب الإمام لا في جانب هؤلاء الخوارج , فقد روى عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ ، فَقَالَ : ( وَيْلَكَ ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ ؟! قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ ) ، فَقَالَ عُمَرُ " يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَقَالَ : ( دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ (أي تضطرب) وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ ) , قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ " [1].  

وفي فصل من أهم فصول الكتاب في الخوارج فصل عن الآثار الفقهية المستخلصة من معارك أمير المؤمنين معهم وخاصة في أول ظهور لقتال إمام شرعي لخوارج عليه وتعامله معهم تعاملا مختلفا لكونهم من أهل القبلة , فذكر ستة عشرة مسالة فقهية هامة جدا من فقه الإمام علي في تلك الحرب وهي مختلفة تماما عن فقه الحروب التي تدور بين مسلمين وكفار .

ثم رصد عددا من صفات الخوارج وشرحها مثل جمعهم بين الغلو في الدين مع الجهل به وشقهم لعصا الطاعة على الإمام الشرعي وتكفيرهم للمسلمين بالذنوب واستحلالهم لدماء المسلمين وأموالهم والطعن والتضليل وسوء الظن وغير ذلك ورد عليهم ردودا علمية ومنهجية على هذه الأفكار الشاذة والمنحرفة والضالة .

الشيعة 

فعرفهم كعادة المؤلفين لغة واصطلاحا وسبب تسميتهم بالشيعة ثم الرافضة وهي التسمية التي لا يستحسنها شيعة اليوم وذكر نشأتهم التاريخية .

غير أنه من أهم النقاط التي ذكرها الكاتب في نشأتهم وجود دور قوي لليهود في بدء تلك الفرقة المنحرفة عن طريق اليهودي عبد الله بن سبا الذي نشر فيهم عددا من الأفكار البدعية الضالة مثل ادعاء بعضهم ألوهية الإمام علي وسب بعضهم للشيخين وقول آخرين منهم بالوصية من الله عز وجل للإمام علي وقولهم بتناسخ الأرواح ثم الرجعة والبداء والغيبة وعصمة الأئمة وغير ذلك من الانحرافات والضلالات .

ثم قسم الفكرة والفرقة الشيعية في هذه الحقبة إلى عدة مراحل تاريخية رئيسية بدأت في خلافة سيدنا عثمان وانتهاء بانفصال الشيعة الرافضة عن الزيدية سنة إحدى وعشرين ومائة .

ثم انتقل إلى أهم عقيدة من عقائد فرق الشيعة وأكثرها خطرا وأطولها عمرا وهي عقيدة الإمامة التي كان أول من قال بها اليهودي ابن سبأ والتي جعلها عندهم قريبة من فكرة النبوة ثم فاقت مرتبتها بعد ذلك مرتبة النبوة عندهم وصار الإمام يتصف بصفات كثيرة مشابهة للخالق العظيم – حاش لله - , ثم انتقلت الفكرة لتكفير كل من لم يؤمن بفكرة الإمامة ولم يستثنوا من ذلك صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين , ثم نقد الكاتب ونقض هذا المعتقد الخبيث وناقش استدلالاتهم الواهية التي لا تثبت أمام الرد واستشهد على ذلك من المرويات الصحية للسنة النبوية بل استند أيضا إلى مروياتهم التي يتشدقون بها .

ثم انتقل الكاتب للحديث عن موقف الشيعة الإمامية من القران الكريم فذكر اعتقاد بعضهم في تحريفه والزيادة فيه والنقص منه واستفاضة ذلك وتواتره في كتبهم ومما يروى عن شيوخهم , ثم رد عليهم بموقف الإسلام والمسلمين من كتاب الله سبحاه الذي " لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ " , ثم رد عليهم من أقوال أئمتهم المبرئين من هذه الأقوال التي تقولها عليهم الشيعة وافتروها ونسبوها إليهم .

ثم ذكر موقف الشيعة من الصحابة الكرام وهي القضية الكبيرة أيضا إذ يعتمد على طعنهم في الصحابة فتح باب الطعن على السنة الشريفة بل وعلى القران الكريم أيضا , فيعتقد الشيعة ردة أصحاب النبي من بعده إلا نفر قليل لا يعد على أصابع اليد منهم ونسبوا واختلقوا أقوالا كثيرة على الأئمة الأعلام الذين افتروا عليهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم , وبالطبع من أكثر من طعن عليهم في الصحابة الشيخان وابنتاهما أمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين .

وذكر موقفهم من السنة التابع لموقفهم من الصحابة فأنكروا الأحاديث التي رواها الصحابة ولم يبقوا إلا أحاديث واردة عن أئمة أهل البيت أو من نسبوهم للتشيع كسلمان الفارسي وعمار بن ياسر والمقداد بن عمرو , ولم يبق لهم من مصدر تشريعي بعد ذلك بعد ان استبعدوا آيات القران وسنة النبي سوى الأقوال التي نسبوها إلى أئمتهم واعتبروها مساوية – حاش لله – لأقوال الله والرسول .

ثم تحدث عن عقيدة التقية عندهم وعقيدتهم في المهدي المنتظر الذي دخل سردابه من أكثر من ألف عام !!! ,  وعقد فصلا للمقارنة بين المهدي المنتظر عند الشيعة وعند أهل السنة  , ثم ذكر عقيدتهم بالقول برجعة الكثير من الأموات للدنيا مرة ثانية بل ووجوب ذلك ووجوب الإيمان به , وكثير منهم لا يؤمن أصلا بموت أئمتهم بل يسمونه غيابا لفترة فقط ويؤمنون برجوعهم بعد الغياب , ومن عقائدهم الفاسدة أيضا عقيدة البداء وهي تعني الظهور بعد الخفاء وينسبونه لله سبحانه في أقواله وأفعاله – حاش لله – فيقولون ان الله عز وجل يظهر له أمر أو راي بعد وجود أمر أو راي سابق , وهذا ليس موجودا إلا عند مواصفات الإله الذي يؤمن به اليهود حيث يفكر ويتحير ويختار رأيا ثم يندم بعد ذلك على أخذه , ومن ثم اختاره الكليني وجعله من العقيدة التي وضعها لهم .

ثم عقد فصلا في غاية الأهمية وهو فصل في موقف أهل البيت عليهم رضوان الله من الشيعة الرافضة وأقوالهم فيهم ليدلل ان موقف أهل البيت هو نفس الموقف الذي يقفه المسلمون الذين عرفوا - للتمييز فقط - عن الفرق الضالة هذه بأهل السنة والجماعة.

وانهى الكاتب كتابه بأن فكرة التقريب التي تثار كل فترة بين السنة والشيعة ما هي إلا أكذوبة كبرى ولن تصل إلى شيئ , فتاريخهم الأسود الطويل وخيانتهم المستمرة للأمة الإسلامية محفورة داخلهم منذ مئات السنين , فذكر محاولات التقريب وتجاربه مثل تجربة الشيخ مصطفى السباعي وتجربة الشيخ موسى جار الله وهو عالم روسي تركستاني بل كان شيخ مشايخ روسيا في نهاية العصر القيصري , ولكن التجربتين أكدتا على نفس الحقيقة فما يخرج من أفواههم يختلف تماما عما يروونه في كتبهم وعن ما يقولونه لأتباعهم ويحثونهم عليه .

جزى الله الدكتور الصلابي خير الجزاء ونفع الله المسلمين بعلمه وبكتبه وببحثه التاريخي القيم



[1] رواه البخاري (3610) ومسلم (1064)