قضايا فكرية /

محمَّد عبده نموذجا من زرعه؟ ومن حصده؟ [ حصاد الأقلام ]

[ الاثنين 20 رمضان 1431 هـ ] [ 502 ]

"...تأثر الشيخ محمد عبده بجمال الدين الاسد أبادي (الأفغاني) والذي نفي إلى مصر لفكره الاعتزالي وأرائه الغريبة إذ أنه كان منبهراً هو الآخر بالغرب وقوانينهم فنادى بأن الأمة هي مصدر الحكم ، ووحدة الأديان ، والسلام العالمي..."

الرجال ثلاثة: رجال يصنعون الأحداث، ورجال يشاهدونهم وتقف بهم عزائمهم دون مشاركتهم، ورجال يتعجبون من الأحداث كيف حدثت.
هكذا قالوا.
وقد تبدوا الصورة على غير حقيقتها ، فربما بدا أن هذا العَلَمْ المشهور أحد صناع الأحداث، وهو في حقيقة الأمر صنيعة غيره، وهذا الغير هو الذي صنعه ، وهو الذي يصنع به الأحداث.
ودون تلجلج أستطيع القول أن الأمام محمد عبده أحد هؤلاء الذين هم من صناعة الغير، والذين كانت أعمالهم في خدمة عدوهم قبل دينهم!.
ولا تعجلني ودعني أوضح لك! لماذا محمد عبده؟ يعتبر محمد عبده نقطة مهمة في مسيرة التغريب..فهو أول من تكلم بحاجات الغرب الفكرية على أنها مطالب شرعية، ولا يزال محمد عبده يذكر في المناهج الدراسية وغيرها على أنه من أئمة الإسلام ومن رواد حضارته، وأهلُ التنوير لا يزالون يقدمون محمد عبده على أنه رائد الاستنارة ، وليس أدل على ذلك من أنهم عقدوا مؤتمرا خاصا عن الشيخ في القاهرة بعنوان:"محمد عبده مفكرا ورائدا للإستناره"، وشارك في المؤتمر أساتذة من بلدان عديدة من الوطن العربي مما يدل على أن شهرة الرجل ليست محلية.
فحين نتكلم عن محمد عبده فنحن لا ننبش القبور ولا نحاكم الموتى ونثير القلاقل ، فالرجل حيٌّ بيننا بأفكاره.
ولولا انتشار فكره واغترار الناس به ما أضعت وقتا في الحديث عنه ، بل لترحمت عليه وأمسكت.ثم هو نموذج يتكرر فكانت الإشارة إليه تغني عن الحديث عمن سواه.
نشأته! (من زرعه؟!)
بعد فشل الحملات الصليبية على البلدان الإسلامية ، وأسر لويس التاسع في دار بن لقمان بالمنصورة وفديته.كان هذا الرجل فطنا، عاد يحدث قومه: لن تستطيعوا التغلب على هذه الشعوب وأنتم تحملون الصليب، هذه الشعوب تهب حين تُأْتَى من قبل دينها.فتعلم الصليبيون الدرس، وعادوا إلينا يدَّعون أنها أهداف اقتصادية، وأنهم علمانيون لا دينيون، والحقيقة أنهم يحملون ذات الثارات القديمة، والفارق بينهم وبين أجدادهم أنهم لا يجملون الصليب.وكان الاحتلال البريطاني لمصر جزء من هذه الحملة الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، فمنذ قدومهم عملوا على نزع الهوية الإسلامية عن شعب مصر،وإعادة قراءة النصوص الشرعية بما يتفق مع مطالبهم.وقد عملوا على إيجاد جيل كامل من أصحاب الشذوذ الفكري والطموح السياسي كما يقول الدكتور محمد محمد حسين ليتولى هو مخاطبة الشعب وتغيير هويته ، وقد وجد القوم بغيتهم في الشيخ محمد عبده...
لماذا؟.
يرجع هذا إلى نشأة الشيخ وطبيعة أفكاره.
فقد كان الشيخ اعتزالياً متتطرفاً، هذا أقرب ما يمكن أن يوصف به الشيخ من الانتماءات المذهبية وإن كان في الواقع له اتجاه مستقل أحياناً، وتظهر إعتزاليته في تفسيره للملائكة والجن والطير الأبابيل وخلق آدم، وربما كانت هذه التأويلات هي التي دفعت كرومر إلى قوله"أشك أن صديقي عبده كان في الحقيقة لا أدرياً"نقلها عنه جب ص 399 دراسات في حضارة الإسلام) [العلمانية 575].
تأثر الشيخ محمد عبده بجمال الدين الاسد أبادي (الأفغاني) والذي نفي إلى مصر لفكره الاعتزالي وأرائه الغريبة إذ أنه كان منبهراً هو الآخر بالغرب وقوانينهم فنادى بأن الأمة هي مصدر الحكم، ووحدة الأديان، والسلام العالمي ،وأن الاشتراكية من الإسلام.
ورحل إلى أمريكا مستنصرا.
ومن أراد المزيد فليقرا خاطرات جمال الدين الأفغاني اختيار عبد العزيز سيد الأهل ص:14 والاتجاهات الفكرية والسياسية والإجتماعية علي الحوافظة:12، 181،182.
وحمل محمد عبده ذات الأفكار ، وأفسح الإنجليز له المجال ليتكلم إلى الشعب من أعلى المنابر في مصر وأكثرها قبولا لدى العامة وهو منبر الإفتاء ، وليكون لسانه لسان الشرع.أما كونه حمل ذات الأفكار ودعى إليها فقد جاء في مقدمة رسالة التوحيد لمحمد أبو ريّة ـ وهو من أحباء الشيخ ـ نقلا عن مستر بلنت في كتابه(التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر) ص:76 وهو يتحدث عن الشيخ جمال الدين الأفغاني ورسالته في الشرق وإصلاحه يقول: أما عباءة المصلح نفسه- يعني جمال الدين- فقد ألقيت على عاتق أقوى من عاتق صاحبها الأصيل الشيخ محمد عبده وقد خلف جمال الدين في زعامة حزب الإصلاح الحر في الأزهر.أما كون الإنجليز أفسحوا له المجال فهذه حقيقة لا يماري فيها من له أدنى دراية بالشيخ، والذي يتضح لي أن شخصية محمد عبده اتفقت مع هوى الإنجليز، فحدث بينهما التقاء وتعاون، وثقة متبادلة، يصفها البعض بالعمالة ويشتد البعض في اللفظ فيصفها بالخيانة والمحصلة واحدة، وما يعنيني هو أن الشيخ كان على علاقة قوية بالإنجليز.لم ينكر هذا أحبابه فهذا يوسف الغزال في تقديمه لرسالة التوحيد يفسر سوء العلاقة بين الشيخ والخديوي عباس بقوة علاقة الشيخ بالإنجليز وكثرة تردده عليهم.[رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده تقديم حسين يوسف الغزال ص: 15،2].
وعلانية امتدحه الإنجليز ورضوا عن أقواله وأفعاله، ووقفوا ورائه يغدقون عليه الألقاب، ويرسلون فتواه في كل مكان.
واقرأ هذا النص، وهو من قول مستشار القضاء الإنجليزي بمصر في تقريره عن المحاكم لسنة 195م وهو العام الذي توفى فيه الشيخ يقول: ولا يسعني ختم ملاحظتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليو الفائت وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة الفادحة التي أصابت هذه النظارة بفقده.."إلى أن يقول:"وفوق ذلك فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيراً المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية.."[العلمانية ص:575].
معذرةً أرجو قراءة النص مرة أخرى! ومعروف أن المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر كان صديقا للشيخ محمد عبده ، وأنشأ سويا كلية لتخريج قضاة الشرع المسلمين يدرس فيها مجموعة من العلماء ذوي الطابع التحرري والتي يقول عنها:"أنها كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه"ويتحدث عن ذلك في تقريره لحكومته عام 195م فيقول: وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق"محمد عبده"بقصد وضع خطة مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها وقد أتمت اللجنة في شهر يونيو السابق ـ والشيخ توفى في الشهر الذي بعده، وهذا له دلالته ـ ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة..وهذه النظم تذود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري ولا تحصر الطالب في الدراسات الخاصة"[العلمانية 576، 577].
ولم يكن الشيخ مقرباً عند الإنكليز الكفرة وفقط بل"كان بين الطوائف الراقية من المصريين والأجانب محبوباً معظماً معترفاً له بمقام الإمام".[(3)رسالة التوحيد- محمد عبده تقديم محمد أبورية ص8 وأيضاً نال الشيخ احترام الكاثوليك العرب فهذا بشر الخوري صاحب معجم الموارد يقول بعد سلسلة من المدائح"..والخلاصة أنك آية من آيات الله"[المصدر السابق ص 1]].
بهذا تعلم أن محمد عبده نشأ في بيت مشبوه ورباه شيخ مشبوه هو جمال الدين (الأفغاني)، وقام الإنجليز بزرعه في أعلى منصب في مصر ، وأخلوا بينه وبين الشعوب ليتكلم إليها كيف شاء.دعوة الشيخ محمد عبده.اشتهر الشيخ محمد عبده بدعوته إلى الإصلاح ، والإصلاح الذي كان يهدف إليه الشيخ ثلاثة أنواع: إصلاح الدين وإصلاح اللغة والأدب وإصلاح السياسة ،[رسالة التوحيد تقديم حسين الغزال ص18].
قلت: وهذا يوشي بانفصال الدين عن السياسة في رأس الرجل.
(وكل الذين قاموا بالإصلاح في الميادين الثلاثة كانوا من تلاميذه وأصدقائه ممن صاروا على خطاه وتأثروا بطريقته منهم سعد زغلول ، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين وغيرهم) [سلسلة أعلام العرب ص 2] والشيخ (أعظم من تجرأ على مفهوم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام من المنتسبين للعلماء بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة ودعوته إلى التعامل مع الإنجليز وغيرهم بحجة أن التعامل مع الكافر ليس محرماً من كل وجه) [العلمانية 578].
والشيخ هو صاحب الفتوى الترنسفالية، التي أباح فيها التشبه بالخواجات في لبس القبعة [أعلام العرب ص: 176].
والشيخ أول من أفتى بإباحة الربا في شكل صناديق التوفير معتمداً ـ كما يرى العقاد ـ على مفهوم الآية من أنه لم يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة فقط [انظر الإسلام في القرن العشرين للعقاد ص48].
والشيخ كان ظهيراً لقاسم أمين في كتابه"تحرير المرأة"فعندما أصدر قاسم أمين كتابه تحرير المرأة شك كثيرون في كونه كاتبه لما حواه الكتاب من عرض ومناقشة للأقوال الفقهية والأدلة الشرعية التي كان مثل قاسم قليل البضاعة منها ولكنهم لم يشكوا في أن الذي دفعه إلى الفكرة هو أحد رجلين إما محمد عبده وإما كرومر؛ ويحل لطفي السيد الإشكال في كتابه قصة حياتي إذ يقول (إن قاسم أمين قرأ عليه وعلى الشيخ محمد عبده فصول كتاب"تحرير المرأة"في جنيف عام 1897م قبل أن ينشره على الناس")[أحمد لطفي السيد ص 132 وجاء مثل هذا في كتاب قاسم أمين ص 158، 159]وقال ذلك نصا الشيخ محمد اسماعيل المقدم في محاضرة له بعنوان المؤامرة على المرأة المسلمة وعلل ذلك بان الكتاب مليء بالمسائل الفقهية التي لا علم لقاسم أمين بها.
والشيخ نادى بتحريم تعدد الزوجات عملاً بحديث لا ضرر ولا ضرار.!! أورد هذا الكلام خالد محمد خالد في كتابه الديمقراطية أبداً ص: 4، 5.(وجملةً يمكن أن يقال أن ما من عملٍ من أعمال الخدمة الاجتماعية تم بعد وفاته إلا كان من مشروعاته التي هيأ لها الأذهان ومهد لها الطريق وبدأ فعلاً بالاستعداد لتنفيذها ومنها الجامعة المصرية التي كان يعني بها أن تقوم بتعليم العلوم وفقاً للمناهج الحديثة وتسهم في تجديد الحضارة العربية القديمة) [العقاد:أعلام العرب ص: 176] ومن المعلوم أن هذه الجامعة كانت مختلطة.وأنشأت فيها معاهد للرقص والفنون الجميلة وهذه هي الأخرى كانت من بنات أفكار الإمام محمد عبده كما يخبر العقاد في فصل الفنون الجميلة.
وتدبر: التعامل مع الكفار (قبول الآخر)، التشبه بهم ، إباحة الربا، تحرير المرأة، تحريم تعدد الزوجات، أليست هي ذات المطالب القائمة اليوم؟! لمن كانت ثمار دعوته؟ (من حصده؟).
بعد هذا العرض لأفكار الشيخ ودعوته يمكننا القول أن الذي جنى ثمار دعوة الشيخ هم الإنجليز ، وذلك على مستويين:
الأول: على مستوى عوام الناس حيث اتخذت الشعوب أفكار الشيخ وفتاويه مبرراً نفسياً لتقبلها للتغير العلماني المتدرج في الدول العربية وقد صور محمد المويلحي في عمله الرائع حديث"عيسى بن هشام"شيئا من ذلك على لسان أبطال الرواية إذ يسأل أحدهم متعجبا: كيف صاغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة الإسلامية؟ فيجيب الآخر بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة).
الثاني: كانت أفكار الشيخ محمد عبده ـ كما يقول سفر الحوالي ـ حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي ومن ثم باركها المخطط الصهيوني الصليبي العالمي واتخذها جسراً عبر عليها إلى علمانية التعليم والتوجيه في العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية ، بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة الإسلامية والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة ، واستوراد النظريات الاجتماعية الغربية وهو ما تم جميعه تحت ستار الإصلاح أيضاً.[العلمانية ص:579].
ثانية أتسائل: لماذا محمد عبده؟ نعم تكلمت عن شخص محمد عبده ، ونعم عنيت ذلك، ولكنني أرمي إلى شيء آخر وهو أنه نموذج يتكرر، واللبيب بالإشارة يفهم ، فهل أصبت الهدف؟.