عام /

وقفات مع مليونية "الشرعية والشريعة". [ عام ]

[ الأحد 18 محرّم 1434 هـ ] [ 171 ]

برغم تعدد المشاهد في دول المنطقة وتسارع الأحداث يوما بعد يوم يظل المشهد المصري الأكثر غرابة وتنوعا وأهمية، ويرجع ذلك لأسباب عديدة منها دور مصر الحيوي في المنطقة العربية والإسلامية، وتمركز المناوئين للمشروع الإسلامي حول المسألة المصرية، ثم اتساع رقعة التيار الإسلامي بها وتعدد روافده، فهذه الأسباب وغيرها أعطت للمشهد المصري زخما وثقلا، وجعلت الأنظار في حالة ترقب لما يحدث فيه ويجد.

 

 

 

برغم تعدد المشاهد في دول المنطقة وتسارع الأحداث يوما بعد يوم يظل المشهد المصري الأكثر غرابة وتنوعا وأهمية، ويرجع ذلك لأسباب عديدة منها دور مصر الحيوي في المنطقة العربية والإسلامية، وتمركز المناوئين للمشروع الإسلامي حول المسألة المصرية، ثم اتساع رقعة التيار الإسلامي بها وتعدد روافده، فهذه الأسباب وغيرها أعطت للمشهد المصري زخما وثقلا، وجعلت الأنظار في حالة ترقب لما يحدث فيه ويجد.

ومن غرابة هذا المشهد صعوبة توقع الأحداث فيه، فتسارع الأحداث لا يتيح للتنبؤ والتوقع كبير مجال لمعرفة ما يستجد من أحداث، ومن غرابة هذا المشهد أيضا أن مقالة كتبت لقراءة أحداثه بالأمس لا نستطيع بأي حال من الأحوال الاعتماد عليها في قراءتنا له لهذه اليوم.

ويؤكد هذه الرأي مستجدات الحالة المصرية، والتي كان آخرها مليونية السبت، المعنونة بـ"الشرعية والشريعة"، حيث توافد المصريون من كل حدب وصوب داعمين للإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، ومؤيدين لكل ما يتخذه من مواقف لحماية الثورة المصرية، والخروج بمصر من عنق الزجاجة، كمالم يغفل المصريون مسألة الشريعة، حيث أكدوا على وجوب تحكيمها وهيمنتها على جميع القوانين.

ولنا مع هذه المليونية وما رافقها من أحداث عدة وقفات:

أولا: قام النصارى والعلمانيون بخطوة استباقية لتأليب الشارع المصري على ما اتخذه الرئيس المصري من قرارات ثورية، فنظموا مظاهرتان في أقل من أسبوع، يومي "الثلاثاء" و"الجمعة"، غير أن النتيجة كانت مخيبة للآمال بالنسبة لهم، فالشارع لم يستجب لحملات التدليس والكذب التي ينتهجونها، مما دعاهم إلى الاستعانة بالفلول والبلطجية والخارجين عن القانون لتكثير سوادهم.

كما كان للنصارى نصيب الأسد في هذه التظاهرات عن طريق الحشد الكنيسي الذي يذكرنا بما حدث من حشد نصراني أيام الانتخابات الرئاسية الأخيرة لدعم أحمد شفيق "المرشح الهارب"، حيث يقوم القساوسة هذه الأيام بحض الشباب المسيحي على التظاهر والاعتصام في ميدان التحرير، ولذلك فزيارات القسس والرهبان لا تنقطع عن الميدان بحسب شهود عيان وتقارير صحفية.

ثانيا: كان من أعظم المشاهد وأكثرها جمالا حالة التوافق والالتفاف التي جمعت المسلمين بمختلف انتماءاتهم، حيث ذابت الفوارق وتكسرت الانتماءات والحزبيات ليلتف الجميع حول مطلبين لا ثالث لهما تمثل الأول في مطلب الشريعة ووجوب تحكيمها، وتمثل المطلب الثاني في احترام الشرعية التي جاءت بالرئيس، ردا على دعاة الفوضى الرافضين لقرار الرئيس والمطالبين برحيله!!

ثالثا: انتقد البعض، ومنهم إسلاميون، عنونة المليونية بـ"الشرعية والشريعة"، ورأوا أن كلمة "الشريعة" قد زُج بها زجا لتكثير الحشد والسواد، وأنه كان من الأفضل الاكتفاء بكلمة "الشرعية"؛ لأن هذا هو المراد.

وهو رأي مرجوح لأن أساس كل ما يحدث في مصر الآن مرتبط بشكل كبير بمسألة الشريعة، فالعلمانيون والنصارى لا يريدونها لأمور تتعلق بالايدولوجيا والأفكار، والفلول والفسدة يخوفون منها لأنها ستترصدهم وتكبح جماحهم.

ثم إنه لولا تمسك الرئيس بالشريعة وسعيه الحثيث لتطبيقها لما وجد من يطالب باحترام شرعيته، فالرئيس مرسي ما كسب "الشرعية" إلا بدعوته "للشريعة"، فهما متلازمتان لا انفكاك لإحداهما عن الأخرى.

رابعا: كان لضخامة العدد أثر كبير في تصحيح الأوضاع، حيث عمل الإعلام الموجهة على مدار الأيام الفائتة على إيهام الناس أن الشعب منقسم، بل زعم أن عدد المعارضين لقرارات الرئيس يفوق عدد المؤيدين، فجاءت مليونية السبت بمثابة الصفعة على وجه هذا الإعلام ومن يحركه.

وقد أفاد أكثر من تقرير أن الأعداد في مليونية الشرعية والشريعة قد تجاوز الـ6 ملايين متظاهر، وهو رقم لم تشهده تظاهرة في مصر أو غيرها من دول العالم في العصر الحديث، وقد أدى هذا العدد إلى تراجع بعض القوى عن مواقفها الصدامية مع مؤسسة الرئاسة والشعب المصري، فعادت لتتحدث عن التوافق والجلوس للتحاور رغم رفضها في السابق لهذا الأمر.

خامسا: تظاهر أكثر من ستة مليون شخص من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ فلم نسمع عن حالة تحرش واحدة، بعكس ما يحدث في تظاهرات القوى الأخرى، حيث تكثر فيها حالات التحرش، بل ربما يتبع المتحرشون فرائسهم حتى في داخل المساجد، كما لم نسمع عن أية حالة من حالات الاعتداء على الغير أو ممتلكاتهم، ولم نسمع كذلك عن حرق مقر لحزب معارض كما حدث لمقرات حزب الحرية والعدالة التي تم حرقها ونهبها وتدميرها.

سادسا: كان لهذه المليونية الفضل في إزالة الغشاوة عن أعين الكثير من الشباب المضلل من قبل النخبة السياسية والإعلام العميل الموجه، وعلم الشباب أن من ساروا خلفهم من النخب السياسية قد كذبوا عليهم وضللوهم، ولذلك كثرت الانسحابات من الأحزاب العلمانية والليبرالية، وسارع عدد من شباب هذه الأحزاب إلى المشاركة في مليونية الشرعية والشريعة.  

سابعا: أعطت هذه المليونية روية واضحة للعالم الخارجي عن حجم التأييد لقرارات الدكتور محمد مرسي الثورية، والزخم الثوري لقوى مصر الإسلامية، إلى جانب ذلك فقد عرَّت الإعلام المصري تماما أمام العالم، ليكتشف العالم حجم المؤامرة التي تحاك على هذا الشعب من قبل رعاة الإعلام والمسيطرين عليه من النخبة العلمانية.

ثامنا: لعل السلبية الوحيدة من وجهة نظري في مليونية "الشرعية والشريعة" هي ما حدث من اغترار البعض بالكثرة، ومطالبته بإعادة النظر في ما تم من اتفاق وتوافق في مشروع الدستور، زعما منه أن الإسلاميين أغلبية، والخطأ هنا يتمثل في إرادة التغيير عبر النقلات الفجائية، وهو أمر يحمد إلا فيما يخص عادات الناس وتقاليدهم وظروف معيشتهم، فهذه الأمور تحتاج إلى تدرج وتوفير بدائل، وهذان الأمران في الوقت الراهن في حاجة إلى المزيد من الوقت.

فليرضى الإسلاميون بما حققوه من مكاسب في هذا الدستور، على أن يقوموا باستثماره عبر تشريعات منضبطة، تتقيد بأحكام الشريعة، وبما ينفع الناس، وهذا لن يكون إلا بوجود مجلس شعب قوي ذو صبغة إسلامية، وهذا هو التحدي القادم بعد مرحلة الدستور، وإن مكسب مؤكد خيرة من عشرة ظنية.