أديان و مذاهب /

تأثر الخوارج المعاصرين بأصول الخوارج المتقدمين [ دراسة ]

[ الاثنين 22 ذو القعدة 1433 هـ ] [ 267 ]

كان من أسباب تفرق الأمة الإسلامية ما قامت به فرقة الخوارج من فتن وحروب داخلية أثاروها بين المسلمين، حيث خرجوا على أئمة المسلمين، واستحلوا الحرمات، ونشروا الرعب والخوف، وسلطوا الأعداء على المسلمين، وشوهوا صورة الإسلام والدين، وصدوا عن سبيل الله عز وجل.

 

 

تأثر الخوارج المعاصرين بأصول الخوارج المتقدمين

د. فهد بن سليمان بن إبراهيم الفهيد

كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

1430هـ

ــــــــــــــــ

كان من أسباب تفرق الأمة الإسلامية ما قامت به فرقة الخوارج من فتن وحروب داخلية أثاروها بين المسلمين، حيث خرجوا على أئمة المسلمين، واستحلوا الحرمات، ونشروا الرعب والخوف، وسلطوا الأعداء على المسلمين، وشوهوا صورة الإسلام والدين، وصدوا عن سبيل الله عز وجل.

وإن من سمات أهل الأهواء والبدع الإحداث في الدين ما ليس منه، وهذه البدع تزداد وتكثر وتتطور وتتوسع من وقت إلى وقت، والمتتبع لآراء الخوارج ومقالاتهم يجد أن هذا الفكر يتطور تطورا سريعا، فمبادئه تبدأ ضعيفة، ثم تكثر وتزداد.

وخروج الخوارج على المسلمين لم ينته بعد بل هو مستمر كلما قُطع قَرنٌ نشأَ قَرن، إلى قيام الساعة، ونظرا لوجود تشابه كبير في نقاط عدة بين المعاصرين منهم والقدامى عقد الباحث هذا البحث؛ لبيان أوجه تأثر الخوارج المعاصرين بأصول الخوارج المتقدمين في أول نشأ تهم، ومبدأ ظهورهم.

وعن أهمية الموضوع وأسباب اختياره أشار الباحث إلى أنها تتلخص في النقاط الآتية:

- خفاء حال الخوارج المتأخرين على كثير من الناس، واشتباه أمرهم.

- وجود مشابهة قوية بين المتقدمين والمتأخرين من الخوارج، تستدعي الوقوف عندها.

- التحذير لعموم المسلمين من مسالك الخوارج وطرقهم.

- الكشف عما تحتويه بعض كتب المتأخرين من غلو وانحراف في فهم النصوص.

- البراءة مما عليه غلاة الخوارج، وإيضاح البعد بين طريقتهم وطريقة أهل السنة

والجماعة.

وجاء البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة، على النحو الآتي:

أما المقدمة: فعرض فيها الباحث أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وهدفه وخطته، والمنهج المتبع فيه.

وأما التمهيد: فعرض فيه الباحث ملخصا لتطور الفكر الخارجي، وفيه أشار إلى أن أول خروج ترتب عليه القتل وسفك الدماء ما فعله (الخوارج) في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه، مما تسبب في قتله على أيديهم، ثم خروجهم الفعلي على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فجعلوه كافراً مشركاً واستحلوا قتاله، وكذلك المسلمين الذين معه، فتولى علي رضي الله عنهم قتالهم وشاركه الصحابة والمسلمون فقضوا عليهم، وفرح المسلمون بذلك، وقضي على شر كبير كاد أن يفتك بأهل الإسلام ومن تحت أيديهم، غير أنه قد بقيت لهم بقية ودعاة وأفراد ينتهجون عقيدتهم، ويتوارثون فكرهم، ولكنهم يختفون ويهربون عن الناس.

المبحث الأول: التكفير بالذنوب عند الخوارج:

المطلب الأول: التكفير بكبائر الذنوب.

وفيه بين الباحث أن المشتهر عن فرق الخوارج تكفير أصحاب الكبائر، وقد نقل عنهم أصحاب المقالات في هذا الباب عقائدهم الفاسدة وتناقضاتهم، واختلافهم في تحديد الذنب الذي يكَفّر صاحبه به إذا ارتكبه؛ فمنهم من يكفر بالكبائر وهو المشهور عن جملتهم، ومنهم من يكفر بكل ذنب، ومنهم من يكفر بما هو أوسع من ذلك.

ثم استدرك الباحث على من يقولون بإجماع الخوارج على كفر مرتكبي الذنوب، فبين أن من الخوارج من لا يكفر بالذنوب كطائفة النجدات، وكذلك منهم من يرى أن المقصود من إطلاق الكفر على من ارتكب الكبيرة: كفر النعمة.

المطلب الثاني: اعتبارهم ما ليس ذنبا ذنبا، وتكفيرهم مرتكبه بناء عليه.

وفيه أشار الباحث إلى أن الخوارج ربما كفروا المسلم لأجل قيامه بعمل صالح كقسمة العطاء، ومراعاة التأليف لبعض الناس، أو يجتهد في أمر من الأمور، كالإصلاح بين المسلمين ونحوه، وهم يخالفونه في الرأي جهلاً أو هوى فيجعلون عمله ذنباً، ثم يرتبون على ذلك الحكم بكفره، ومن هنا كفروا عثمان وعليا وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم.

المطلب الثالث:عدم اعتدادهم بشروط التكفير وموانعه.

في هذا المطلب بين الباحث أن الخوارج لم يراعوا شروط التكفير وموانعه، بل وقعوا في الاعتداء على الناس وظلمهم، حتى لم يسلم منهم أهل العلم، ومن ظلم الخوارج في هذا الباب أنهم جعلوا من خالف القرآن- في ظنهم- بعلم أو برأي أخطأ فيه فهو كافر، فلم يجعلوا الخطأ عذرا للمجتهد. ونوَّه الباحث إلى أن غالب الخوارج المعاصرين لا يعتدون في تكفيرهم للمعين- حتى على تقدير صحة ما زعموه- بموانع التكفير من الجهل والإكراه والخطأ والعجز والتأويل.

المطلب الرابع: تكفيرهم المخالفين لهم بلازم القول.

بين الباحث في هذا المطلب أن غلاة الخوارج قد دأبوا على تكفير المسلمين بإلزامهم مقالات لم يقولوا بها، ومن ثمّ الحكم بتكفيرهم بناء عليها، وهذا من جملة الظلم والعدوان الذي ينتهجونه، ومن أمثلة وقوع الخوارج المعاصرين في هذا المسلك الوخيم تكفيرهم من لم يكفر الكافر بزعمهم، ومن شك في كفره، وهكذا في سلسلة من اللوازم.

المطلب الخامس: الغلو في الوعيد.

أشار الباحث في هذه الجزئية إلى أن الغلو يدخل في الاعتقاد ويدخل في الأعمال ويدخل في السلوك، وأن الخوارج قد وقعوا في الغلو في هذه الأمور كلها، فغلوا في تكفير مرتكبي الكبيرة، وغلوا في نصوص الوعيد، وغلوا في تنزيل النصوص التي وردت في الكفار فجعلوها في المسلمين، وغلوا في العبادة فشددوا على أنفسهم وكلفوها ما لا تطيق، وتركوا التيسير الوارد في الشريعة، وغلوا في ترك المباحات وتحريم بعض الطيبات. فهم يغلبون جانب الغلو في حياتهم وأعمالهم، ويعتمدون على نصوص الوعيد، ويعرضون عن نصوص الوعد.

المبحث الثاني: استحلالهم الدماء المعصومة والأموال المحترمة نتيجة لمعتقدهم الفاسد:

المطلب الأول: بيان حرمة دم المسلم وماله:

أشار الباحث إلى أن أبرز أعمال الخوارج أنهم يستحلون دماء أهل الإسلام وأموالهم، ولهذا اشتهر عند أهل العلم وصف الخوارج بأنهم يرون السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا عقد الباحث هذا المطلب لبيان حرمة دم المسلم وماله.

المطلب الثاني: ذكر بعض الوقائع للخوارج قديما تبين استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم.

جعل الباحث هذا المطلب لسرد عدد من الوقائع الدالة على استحلال الخوارج قديما لدماء المسلمين وأموالهم، مما يدل على قبح المسلك السلك المبني على سوء الاعتقاد والغلو في الدين.

المطلب الثالث: استمرار الخوارج المعاصرين في استحلال الدماء والأموال.

في هذا المطلب بين الباحث أن أفعال الخوارج المعاصرين لم تختلف عن أفعال أسلافهم في استحلال الدماء والأموال بل حتى سبي النساء والذراري، ومن ذلك ما فعلته جماعة شكري مصطفى الذي كفر المجتمع ودعا إلى العزلة، وقامت هذه الجماعة بخطف وقتل الدكتور حسين الذهبي وزير الأوقاف المصري عام ١٩٧٧م، وكذلك ما قاله أحد دعاة الخوارج (وهو المكنى بأبي قتادة الفلسطيني) من دعوة لقتل العلماء والخطباء وقتل النساء والأطفال، إلى غير ذلك من الأمثلة.

المبحث الثالث: معارضة السنة والخروج عن جماعة المسلمين:

المطلب الأول: الخروج على الحاكم المسلم وخلع بيعته.

بين الباحث أن السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دلت على تحريم الخروج على ولاة أمور المسلمين ووجوب الصبر عليهم، وأما الخوارج (القدامى منهم والمعاصرون) فإنهم يوجبون الخروج ويسلون السيف على أمة محمد، وضرب الباحث لذلك الأمثلة في القديم والحديث.

المطلب الثاني: دعواهم أنهم على الحق وحدهم وتسميتهم دارهم دار إيمان وإيجاب الهجرة إليها اعتزالهم الجمع والجماعات.

في هذا المطلب بين الباحث أن الخوارج لما ابتدعوا بدعتهم في تكفير المسلمين وغلوا في ذلك كان من آثار ذلك غلوهم في الاعتداد بآرائهم، واعتقادهم أنهم هم أهل الحق وحدهم، واحتقار علم الصحابة ومنزلتهم وفهمهم للكتاب والسنة، وتسمية دار مخالفيهم دار كفر، وإيجاب الهجرة إليهم وغير ذلك من الآثار، وعلى نفس النهج سار الخوارج المعاصرون.

أهم النتائج: ختم الباحث بحثه بقائمة وضع فيها أهم ما توصل إليه، ومن هذه النتائج:

- أن فكر الخوارج تطور إلى الأغلظ والأشد، وتكون بدايته ضعيفة ثم يقوى وينتشر.

- الاستمرار التاريخي لخروج الخوارج من عهد الصحابة، وإلى أن يخرج آخرهم مع الدجال.

- استمرار وجود من تأثر بعقيدة الخوارج في التكفير بالذنوب صراحة أو بتأويل.

- أن من فرق الخوارج من لا يكفر بالذنوب، ومع ذلك فقد وصفهم أهل العلم بأنهم خوارج.

- وقوع كثير من متأخري الخوارج في مشابهة متقدميهم في جعلهم ذنبا ما ليس بذنب، ثم  تكفيرهم مرتكبه.

- مشابهة الخوارج المتأخرين للمتقدمين في عدم اعتدادهم بشروط تكفير المعين وموانعه التي يذكرها أهل العلم.

- من ظلم الخوارج قديما وحديثا إلزامهم مخالفيهم بلازم أقوالهم ومن ثمّ تكفيرهم، مع أن هذه اللوازم قد تكون من افتراءاتهم وظنهم الفاسد.

- أن الذي دفعهم إلى هذه المسالك هو الغلو في الدين، سواء في الاعتقاد أم في السلوك.

- أنهم يتبعون المتشابه من النصوص، ولا يردونها إلى المحكم، ليلبسوا على العامة وضعاف العقول.

- استمرار الخوارج على طريقة أسلافهم في استحلال دماء المسلمين وأموالهم بل بعض غلاتهم يدعو إلى قتل النساء والأطفال.

- أنهم لا يسعون إلى تحكيم شرع الله؛ بل غرضهم الوصول إلى السلطة والحكم، كما تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

- أن عاقبة أمرهم: الخسران، كما ورد في الحديث: (كلما طلع قرن قطع).

- مشابهة الخوارج المتأخرين لأسلافهم في هجر الجمع والجماعات واعتزال المسلمين والانحياز عنهم، والخروج على ولاة أمور المسلمين، وخلع بيعتهم، والدعوة إلى إثارة الفتن والقلاقل في ديار المسلمين.

 

لتحميل الدراسة أنقر هنا: