عام /

حرية التعبير والإلحاد والانحلال [ دراسة ]

[ الأربعاء 18 شوّال 1433 هـ ] [ 183 ]

إن الانحلال الخلقي والإلحاد في الدين ظاهرتان موجودتان منذ القدم، ولكن مع ظهور وسائل الإعلام التي لا تعترف بالحواجز والحدود، انتشرتا بشكل ينذر بأننا قد اقتربنا من العصر الذي أنبأ عنه رسول رب العالمين منذ أربعة عشر قرنا، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقل يا ليتني مكانه)

 

 

 

 حرية التعبير والإلحاد والانحلال(*)

للدكتور سعيد إسماعيل الصيني(**)
ــــــــــــ
إن الانحلال الخلقي والإلحاد في الدين ظاهرتان موجودتان منذ القدم، ولكن مع ظهور وسائل الإعلام التي لا تعترف بالحواجز والحدود، انتشرتا بشكل ينذر بأننا قد اقتربنا من العصر الذي أنبأ عنه رسول رب العالمين منذ أربعة عشر قرنا، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقل يا ليتني مكانه).[صحيح مسلم ج4/2231]
والحديث عن حرية التعبير وعلاقته بظاهرة الإلحاد والانحلال وحده يطول، فيكيف إذا أضفنا إليه الحديث عن الإعلام.
ولهذا فقد رأي الباحث أن يقتصر في هذه الورقة على بعض النصوص ذات العلاقة وبعض الأمثلة لتصوير الوضع الذي يعيشه المسلمون اليوم.
وقد أجابت الدراسة على التساؤلات التالية:
1- ما المقصود بحرية التعبير؟
2- ما المقصود بالإلحاد؟
3- ما المقصود بالانحلال الخلقي؟
ولبيان هذا الأمر اتبع الباحث الخطوات الآتية:
1- الرجوع إلى معاجم اللغة الرئيسية ودوائر المعارف والكتب المتخصصة في مجال مفهوم التعبير الحر، والإلحاد، والانحلال، وذلك للتعرف على مدلولات هذه المصطلحات.
2- الاستعانة بالجهود السابقة وبشبكة الانترنت للبحث عن أحداث تمثل الانحلال الخلقي، والإلحاد، وحرية التعبير التي نشرتها وسائل الإعلام، سواء بالوسائل المطبوعة أو المسموعة أو المرئية، وذلك باعتبار أمثلة واقعية يتفاعل فيها التعبير الحر مع الإلحاد والانحلال.
* حرية التعبير وضوابطه:
بين الباحث أن نشأة حرية التعبير في التاريخ الغربي كانت مرتبطة بمقدم النظام الديمقراطي سواء بالنسبة لمن يضع التشريعات أو من يقوم بالمهام التنفيذية الرئيسية، وذلك بديلا عن النظام الإمبراطوري الوراثي في الحكم، وبديلا عن تسلط الكنيسة في شؤون الحياة الروحية للمسيحيين.
- حرية التعبير في الإسلام:
أما حرية التعبير في الإسلام فقد بين الباحث أن السنة النبوي مضيئة بالكثير من النماذج الدالة على وجود مساحات كبيرة من الحرية، وذلك قبل أربعة عشر قرنا، ثم بين الباحث أن لهذه الحرية حدودا وضوابط، وليست حرية مطلقة، وبين أن في هذا صيانة للدين من عبث العابثين وتقول المبطلين.
- المعارضة والخلفاء الراشدين:
بعدما بين الباحث أن في السنة نصوصا تحث على النصح في الأمور السياسية وغيرها، عرض لنماذج من المعارضات التي واجهت الخلفاء الراشدين، فعرض لنماذج من المعارضات التي واجهها الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم ذكر أمثلة أخرى من المعارضات واجهت عمر وعثمان وعلي رضي الله عن الجميع.
وبين الباحث كذلك أن الإعلان الإسلامي الأول عن حرية التعبير السياسية صدر عن الخليفة عمر بن الخطاب في القرن السابع الميلادي، وأن هذه الحرية أعلن عنها أيضا الخليفة العباسي المأمون في رسالة له إلى أحد المعارضين السياسيين.
وختم الباحث حديثه في هذه الجزئية بنقل عن "جورج المقدسي" و"هيو قودارد" بينا فيه أن فكرة الحرية في التعليم في الجامعات الغربية كان قدوتها التقاليد الإسلامية المتبعة في نظام المدرسة في القرون الوسطى.
- ضوابط النشر في الإسلام:
وفيما يخص مسألة النشر وضوابطها بين الباحث أن من يستقرئ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتصلة بقواعد النشر، فإنه يخرج بانطباع أن النصوص عموما لا تشجع على النشر بالمفهوم الذي تطبقه وكالات الأنباء وصحف اليوم، ذلك لأن نشر كل شيء يجذب الانتباه مليء بالمحاذير، وقد عرض الباحث لأمثلة من القيود التي يراها الإسلام في عملية النشر وقد دعم هذه القيود بأمثلة من كتاب الله، من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجمل هذه القيود يتلخص في الآتي:
- يحذر الله المسلم من نشر الشائعات الضارة بأفراد المجتمع.
- لا يشجع على نشر الأخبار السيئة عموما، حتى عندما يكون الخبر صحيحا.
- يحث على ستر عيوب ألآخرين.
- يحث على حفظ الأسرار، وإن لم تمن سلبية.
- ينهى عن الخوض في الأمور التي يجهلها.
- ينهى عن نشر كل ما يسمعه.
- ينهى عن اللغو عموما.
* المقصود بالإلحاد:
بعد مراجعة معاجم اللغة واستعمالات كلمة الإلحاد في كتب التفسير وشروحات الأحاديث النبوية بين الكاتب أن الإلحاد هو الميل عن القصد، أو العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه، مثل أن يلحد في الدين، أو العدل عن الاستقامة والانحراف عنها.
- الدول الديمقراطية وإهانة الإسلام:
وعن علاقة إهانة الإسلام بالإلحاد بين الباحث أنه إذا اعتبرنا المدلول النسبي لكلمة "ملحد" فإنه يمكننا وصم الإهانات التي توجه إلى نبي الإسلام والقرآن الكريم إلحادا من وجهة نظرنا نحن المسلمين، وذلك لأن بعض الذين يوجهون هذه الإهانات، رغم كونهم يؤمنون بوجود الإله، فأنهم يكفرون بالله عز وجل وبكتابه وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فهم يهود أو نصارى أو وثنيون يتعصبون لدياناتهم تعصبا أعمى بصائرهم عن الحق فأخذوا يحاربونه.
ثم عرض الباحث بعض ذلك لعدد من الأمثلة الدالة على تهجم الغرب على الإسلام ومقدساته.
- حرية العبير والصحف الغربية:
تحت هذا العنوان عرض الكاتب لنموذج من الإساءات الواردة في الصحف العربية مع بيان فساد هذا المنحى، والرد على ما جاء فيه من إساءة.
* الانحلال الخلقي:
في الجزء الأخير من بحثه تناول الباحث مسألة الانحلال الخلقي من وجهة النظر الإسلامية، مع ضرب النماذج على ذلك، فعرض لنماذج من الشهوة الجسدية، وشهوة المال وشهوة السلطة، مع بيان أثر الإعلام في طغيان هذه الشهوات وانتشارها.
* التوصيات:
وفي نهاية بحثه تساءل الباحث عن جدوى الجهود الكبيرة في محاولة إصدار قرار من الأمم المتحدة يدين الإساءة إلى الأديان، ولاسيما أن مثل هذا القرار سيشمل المسلمين، فهناك آيات كريمات في القرآن الكريم يمكن للمسيحي واليهودي والوثني اعتبارها إساءة إليهم، ومن زاوية أخرى فإن قرارات الأمم المتحدة ليست سوى توصيات، تتراوح جديتها بحسب قوة الدول الأعضاء التي تسندها في الواقع، وأكبر دليل على هذه الحقيقة ما تفعله إسرائيل رغم القرارات المتكررة التي تدينها، لهذا فإن الجماعات المعادية لن تتوقف عن إساءتها إلى الإسلام.

لذلك يرى الباحث أن هناك حاجة قصوى لعمل دراسات يتم التعرف بها على القوانين المتعلقة بحرية التعبير في كل بلد، سيما البلاد التي يكثر فيها استغلال "حرية التعبير" في الإساءة إلى الإسلام، لمحاولة ملاحقتهم بالقوانين المحلية، فمثل هذه الملاحقة، تحت قانون الحديث الذي يثير الضغناء بين المواطنين hate speech  ربما تثير شيئا من الخوف في من يفكرون بالقيام بمثل هذه الإساءة إلى الإسلام، ويمكن استغلال هذه الملاحقات القانونية في جذب الانتباه إلى الإسلام، وفي تصحيح المفاهيم التي يبثها أعداء الإسلام إذا أحسن استغلالها.

 للتحميل انقر هنا :    

ــــــــــــ
(*)ورقة بحثية ضمن فعاليات مؤتمر الإعلام المعاصر بين حرية التعبير والإساءة إلى الدين
(**)المستشار السابق لرابطة العالم الإسلامي