أديان و مذاهب /

تقويم تجربة الحوار بين المسلمين والنصارى وضوابط ذلك في ظل حملات التنصير والدعوة إلى الحوار والتقارب [ دراسة ]

[ السبت 23 رمضان 1433 هـ ] [ 262 ]

منذ قرابة نصف قرن تدور رحى نازلة في فناء المسلمين، ألقتها بين ظهرانيهم الدوائر الكنسية الغربية، الممثلة في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ومجلس الكنائس العالمي وما يرتبط بهاتين المرجعيتين من معاهد ومراكز. تلك هي نازلة الدعوة إلى (تقارب الأديان).

 

 

 

 

تقويم تجربة الحوار بين المسلمين والنصارى وضوابط ذلك في ظل حملات التنصير والدعوة إلى الحوار والتقارب(*).

للدكتور: أحمد بن عبد الرحمن القاضي
كلية الشريعة وأصول الدين، جامعة القصيم، عنيزة
ــــــــــــــــ
منذ قرابة نصف قرن تدور رحى نازلة في فناء المسلمين، ألقتها بين ظهرانيهم الدوائر الكنسية الغربية، الممثلة في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ومجلس الكنائس العالمي وما يرتبط بهاتين المرجعيتين من معاهد ومراكز. تلك هي نازلة الدعوة إلى (تقارب الأديان).
وقد تسمت هذه الدعوة بمسميات متفاوتة عبر العقود المنصرمة، ففي عقد الستينات والسبعينات الميلادية كانت تسمى (التقارب الإسلامي المسيحي)، وفي الثمانيات لُطِّفت إلى (الحوار الإسلامي المسيحي) دفعا لتهمة التلفيق بين الأديان، وفي التسعينات، اتسعت الدائرة في ظل الحديث عن التطبيع مع الربيع، واتفاقيات أوسلو، لتصبح ( حوار الديانات الثلاث) أو (الأديان الإبراهيمية).
ومع هبوب رياح العولمة، والرغبة في ضم الديانات الوثنية، في مطلع الألفية الثالثة جرى الحديث عن (حوار الحضارات)..
وفيما يخص موضوع هذا البحث، فمقصود الكاتب منه تقويم هذه التجربة التي خاضها بعض أهل الإسلام مع النصارى خاصة، ضمن السياق العقدي، والإرث التاريخي للعلاقات الإسلامية النصرانية، وفي ظل حملات التنصير المستمرة، والهجمات المتجددة على حرمات الإسلام، وقد جاء هذا البحث في مقدمة وثلاثة نقاط ثم ختم هذا بمجموعة من الضوابط والتوصيات.
أساليب النصارى في مواجهة الإسلام:
بيّن الباحث أن النصرانية احتاجت إلى ثلاثة عشر قرنا من الزمان، بدءاً من القرن السابع إلى القرن العشرين حتى تبلغ مرحلة (الحوار)، وبين التنافر والتقارب برزت في الفكر النصراني ممارسات متنوعة في مواجهة الإسلام في جانبه العقدي، والعلمي، يمكن تحديدها بما يلي:
أولاً: أسلوب التشويه والتضليل:
بيّن الكاتب أن هذا الأسلوب قد وُلد في وقت مبكر، لمواجهة موجات الفتح الإسلامي والاعتناق الجماعي لدين الإسلام، وأن أشهر من أرسى قواعده قسيس دمشقي عرف باسم (يوحنا الدمشقي) المتوفي سنة 750م، وقد عاش هو وأبوه منصور بن سرجون في أكناف أمراء بني أمية، وألف عدة مؤلفات ضمنها القدح في الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وكتابه القرآن...
ثانيا: أسلوب المجادلة العقلية وإثارة الشبهات:
بين الكاتب أن رائد هذا المسلك هو الراهب الفرنسي (بطرس المبجل) –كما يصفه النصارى- وقد استعان بطرس هذا بجملة من المستعربين في ترجمة بعض الأحاديث النبوية، وكتابة بعض المقالات والمحاورات المزعومة، كما صنف كتابا أسماه (دحض العقيدة الإسلامية) ضم لاحقا إلى ترجمات أتباعه، وعرفت المجموعة باسم (المجموعة الطليطلية) أو (فيلق كلوني) [وهي المجموعة التي صارت بالنسبة للأوربيين المصدر الرئيسي للمعلومات والمعطيات عن الدين الإسلامي على مدى خمسمائة عام تقريبا].
وبين الباحث كذلك أنه على الرغم من أن هذا اللون من المقاربة يراد به النقض والهجوم، إلا أنه يمثل تحولا في الاتجاه العام لدى نصارى القرون الوسطي من مرحلة المهاترات والتلفيقات ونسج الأساطير والخرافات بغرض التنفير، إلى مرحلة متقدمة تعتمد التعرف على الخصم عن كثب، لمجادلة وإثارة الشبهات في وجهه، وقد نسج على منوال بطرس المبجل، فيما بعد، المستشرقون في القرون اللاحقة.
ثالثا: أسلوب الحروب الصليبية والاحتلال المسلح:
وقد مثل هذا الأسلوب الحملات الصليبية المنطلقة من غرب ووسط أوروبا النصرانية إلى بلاد المشرق الإسلامي (سواحل الشام ومصر وآسيا الصغرى) في سبع حملات متعاقبة استغرقت قرابة قرنين من الزمان (490-690هـ) بالإضافة إلى استمرار الزحف النصراني جنوبا على بقية الأندلس المسلمة، وبقية جزر البحر الأبيض المتوسط.
رابعا: أسلوب التبشير (الدعوة إلى التنصير):
بيّن الكاتب أن هذا الاتجاه قد مثله الراهب الإيطالي فرنسيس الأسيزي (1182-1226م) ويعده النصارى من أكبر قديسيهم، وإليه تنسب طائفة الرهبان الفرنسيسكان، وعمدتهم النص المنسوب إلى المسيح عليه السلام.
خامسا: أسلوب التقارب والحوار:
بيّن الكاتب أن الإرهاصات الأولية الممهدة فلسفيا ولاهوتيا للحوار الإسلامي المسيحي- كما يرى جورافسكي – قد نوقشت رسميا للمرة الأولى في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني تمت على يد مفكرين بارزين، أحدهما الفيلسوف الروسي فلاديمير سولوفيوف، والثاني المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون.
حقيقة الحوار عند النصارى:
لخّص المؤلف كلامه عن حقيقة الحوار عند النصارى بقوله: "سر احتفاء البابا يوحنا بولس الثاني بالحوار، هو أنه يرى فيه معبرا ثقافيا ينفذ التبشير من خلاله إلى أعماق الحضارات الأخرى، بعد تأنيسه بالحوار، وذلك ما اصطلح الكنسيون علي تسميته بالغرس الثقافي للمسيحية المستنبت في تربة ثقافات أخرى".
تقويم تجربة الحوار:
جعل الكاتب هذه الجزئية للحديث عن تقويم تجربة الحوار فبين أنه باستقراء الكم الهائل من النشاط الحواري بين النصارى والمسلمين تبين عدة أمور، منها:
أولا: دعوة (الحوار الإسلامي النصراني) بصورتها السائدة غربية المولد والمنشأ، وأنه قد ترعرعت في حجر النصارى الغربيين.
ثانيا: جرت هذه الفعاليات في وضع غير متكافئ؛ حيث الجانب النصراني هو الأقوى سياسيا وعسكريا وتخطيطيا.
ثالثا: تم تغييب الهدف الإسلامي الأصيل من الحوار، المتمثل في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، والمجاهرة بأنه: (لا حوار في قضايا الاعتقاد)! والاكتفاء بالبحث عن أوجه الاتفاق، وإقصاء أوجه الافتراق، والاشتغال بقضايا فرعية باهته.
رابعا: كانت أهداف (التقارب) عند النصارى في مبدأ الأمر استغلال المسلمين لمواجهة المد الشيوعي، ثم آل الحال إلى استخدام الحوار للبشارة والتنصير.
خامسا: لم يحد النصارى قيد أنملة عن معتقداتهم، فلم ينتهوا عن قولهم (ثلاثة)، ولا عن غلوهم في الدين، وأصروا على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
الضوابط والتوصيات:
ختم الكاتب بحثه بقائمة من الضوابط والتوصيات ومنها:
1- عقد المؤتمرات العالمية والإقليمية والمحلية للدعوة إلى كلمة سواء، امتثالا لأمر الله تعالى.
2- المشاركة الإيجابية في المؤتمرات والمنتديات الدينية، بالصفة الشرعية المتميزة.
3- الاهتمام بالأقليات الإسلامية في أنحاء العالم.
4- قيام الجامعات الإسلامية، والمعاهد الشرعية بإحياء فن المناظرات، والمجادلة بالتي هي أحسن، وتأهيل الدعاة والمحاورين للقيام بواجب الدعوة والإبلاغ.

5- التقويم المستمر لمسيرة الحوار وتبادل الخبرات بين الجهات الإسلامية.

للتحميل انقر هنا :    

ـــــــــــــــ
(*) جاء هذا البحث ضمن أبحاث مؤتمر تعظيم حرمات الإسلام الذي نظمته مجلة البيان ومبرة الأعمال الخيرية بالكويت في عام 1428هـ.