عام /

الإسلام السياسي [ مقال ]

[ السبت 1 ذو القعدة 1431 هـ ] [ 128 ]

بدأت عملية استهداف مبرمجة للدين كمرجعية لحياة المسلم من خلال المرجعية العلمانية للدولة مكان المرجعية الإسلامية، مع التحرك على نحو ماكر من أجل جعل تعاليم الإسلام مظهراً للتخلف والتعصب

يقال: إن أول من استخدم مصطلح "الإسلام السياسي" هو الزعيم الألماني النازي هتلر المعروف حين التقى الشيخ أمين الحسيني رحمه الله مفتي فلسطين آنذاك إذ قال له: إنني لا أخشى من اليهود ولا من الشيوعية، بل إنني أخشى من الإسلام السياسي.

وسواء صدقت نسبة هذا القول إلى الزعيم النازي هتلر أم لم تصدق، فقد شاع في وسائل الإعلام بل وعلى ألسنة القادة السياسيين في العالم وصف الحركات العاملة للمشروع الإسلامي بحركات " الإسلام السياسي " وفي الحقيقة أن الزيف والتضليل في هذا الوصف هو أنه ليس ثمّة إسلام سياسي بل مسلمون وحسب وإسلام وحسب، يتمثل ذلك في منظومة كلية من العقائد والمفاهيم والقيم والمبادئ والمناهج والتصورات والمعايير الربانية التي يقوم عليها وتتركز عليها حركة الحياة في المتجمع المسلم وفق إطار تعبدي دون تجزيء أو فصل بين تلك العناصر جميعا إلى يرث الله الأرض ومن عليها.

وبناء على هذا فإن الظاهرة الإسلامية كانت ولا تزال أوسع بكثير من أن تحشر في المصطلح المذكور "الإسلام السياسي"، وهو في الحقيقة ينطوي على أبعاد سلبية تشير إلى أن السلطة هي الهدف الرئيسي للإسلاميين وليس أي شيء آخر.

والذي يستعرض التاريخ الإسلامي- ولا سيما في جانبه السياسي- يجد أن حركات كثيرة خاصة، ومحاولات لا حصر لها كانت ترمي إلى الخروج على الخليفة أو السلطان أو الحاكم بيد أنها لم توصف بما وصفت به الحركات الإسلامية اليوم بحركات "الإسلام السياسي".
ويرجع ذلك إلى أن إشكالية الفصل بين الدين والدولة، أو بعبارة أدق تغييب الإسلام كمرجعية للدولة والمجتمع هي إشكالية حديثة لم تعرف قبل سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924 م، فرغم التنازع على السلطة خلال التاريخ الإسلامي الطويل من قبل أطراف مختلفة بيد أن أحدا لم يكن يماري في أن الإسلام هو مرجعية الدولة والمجتمع أما المسألة الحديثة فبدأت عندما اكتشف الغرب- أن تأكد بتعبير أدق- أن الإسلام بظل نقطة الارتكاز الأولى في حياة الأمم وأن تغييبه على نحو ما يشكل ضرورة أساسية لنجاح مخططاته الساعية إلى شرذمة الأمة والسيطرة عليها.

ومن هنا بدأت عملية استهداف مبرمجة للدين كمرجعية لحياة المسلم من خلال المرجعية العلمانية للدولة مكان المرجعية الإسلامية، مع التحرك على نحو ماكر من أجل جعل تعاليم الإسلام مظهراً للتخلف والتعصب بل والإرهاب والتطرف وكراهية الآخر ووصف حملة المشروع الإسلامي بأنهم طلاب حكم وهواة سلطة.

صحيح أن رفع شعار " الإسلام دين ودولة " قد فهم منه النزوع إلى السلطة ولكن هذا النزوع من طبيعة الإسلام وأصوله الراسخة وإن قيام أنظمة الإسلام وفق تعاليم الشريعة في كل يمت إلى حياة المسلمين بصلة اجتماعية واقتصادية وروحية وتربوية وسياسية.. إلخ، لم يكن ذلك مثار جدل أو تنازع بين الأمة حكاما ومحكومين من عصر الرسالة الأول ولا أحد من المسلمين اليوم يرفض أن تقوم السلطة السياسية للدولة وفق دستور القرآن وتعاليم الشريعة الغراء.

نعم لا أحد يرفض ذلك وإن لم يكن ذلك متاحاً سواءً بنوع النخبة السياسية الحاكمة وقناعاتها أم بسبب الضغوط الخارجية القوية التي لم تكن تقبل العودة إلى ذلك المربع القديم مما ينطوي عليه من مخاطر وحدة الأمة وقوتها، وإذا ما فكر أحد في ذلك فالأسلوب الوحيد للتعامل معه هو القمع والتشويه والتشكيك فإذا تبني المشروع الإسلامي دولة ما تغيرت اللهجة وتطور الأسلوب إلى اتهام بالرجعية والتخلف والتفريط بحقوق الإنسان ومعاداة السامية ومناهضة الديمقراطية إلى آخر هذه الاتهامات المقولبة والجاهزة.

إن نزول أمريكا على خط المواجهة مع الإسلاميين بعد 11 أيلول زاد من شراسة المواجهة وقوتها وإن كانت عملية المطاردة الأمريكية للظاهرة الإسلامية ماضية قبل ذلك بسنوات ولكن وفق نسق بطيء.

لقد اتخذت أمريكا من 11 أيلول ذريعة قوية للإعلان حرب شاملة على الإسلام باسم مكافحة الإرهاب على طريقة " المستنقع والبعوض " وتتلخص هذه الطريقة في القول بأنك لا تستطيع محاربة البعوض إلا بتجفيف المستنقع وإذا كان البعوض هو الإرهاب فإن المستنقع هو الإسلام ذاته ومظاهر التدين في المجتمع فما دام ثمّة حضور للدين في نشاطات الدولة والمجتمع من التدين سيزداد، وهذا ما يمنح القوة للحركات الإسلامية المعتدلة والعنيفة حسب الظروف الموضوعية المحيطة.

إن الاعتراف بالخصوصية الحضارية للأمة المسلمة وإقرار التميز في المجالات السياسية والاجتماعية والتربوية وسائر مظاهر الخصوصية هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع الآخرين أم أسلوب الهيمنة والإرهاب والاستكبار فلا يعكس الأسلوب الحضاري الذي ينادي به كثير من العقلاء اليوم بما يسمى "حوار الحضارات".

إننا المسلمين ما زلنا نعاني من قصور في نظر الأخر إلينا فلا تسمع سوى وصف الأصولية تارة، والإرهاب تارة أخرى، مما كون بعدا سلبيا في عمق الثقافة الغربية رغم كون ذلك لا مبرر له بشهادة أشد المستشرقين عداوة للإسلام حيث يقول المستشرق الإنجليزي هاملتون جب: "لا نجد اليوم عالما أو كاتباً أو ضميرا يستبيح لنفسه يعيد على القارئ ما كان يكال للإسلام من تهم وبهذا أصبح الخوض في الشئون الإسلامية على النحو القديم أمرا مخزيا لا يغفره أحد" (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عن كتاب ث. كويلرينج الشرق الأدنى مجتمعه وثقافته، عبدالرحمن محمد أيوب صفحة 35.